الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ . يجوز أن يكون «مَقَام» مصدراً، وأن يكون مكاناً. فإن كان مصدراً، فيحتمل أن يكون مضافاً لفاعله، أي: قيام ربه عليه، وحفظه لأعماله من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: 33] . ويروى عن مجاهد، قال مجاهد وإبراهيم النَّخعي: هو الرجل يهمّ بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه. وأن يكون مضافاً لمفعوله، والمعنى: القيام بحقوق الله فلا يضيعها. وإن كان مكاناً، فالإضافة بأدنى ملابسة لما كان النَّاس يقومون بين يدي الله للحساب في عرصات القيامة. قيل: فيه مقام الله، والمعنى: خاف مقامه بين يدي ربه للحساب، فنزلت المعصية، ف «مقام» : مصدر بمعنى القيام. * فصل فيمن علق طلاق زوجته على دخوله الجنة قال القرطبي: هذه الآية دليل على أن من قال لزوجته: إن لم أكُن من أهل الجنة فأنت طالق، أنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفاً من الله وحياء منه. وقاله سفيان الثوري وأفتى به. * فصل في المراد بالجنتين الظاهر أن الجنتين لخائف واحد. قال محمد بن علي الترمذي: جنّة لخوفه من ربه، وجنّة لتركه شهوته. قال ابن عباس: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض. قال القرطبي: ويجوز أن يكون المقام للعبد، ثم يضاف إلى الله، وهو كالأجل في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: 34] وقوله في موضع آخر: ﴿إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: 4] . وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾ أي: كل خائف له جنتان على حدة. وقيل: جنتان لجميع الخائفين. والأول أظهر. وقيل: جنة لخائف الإنس، وأخرى لخائف الجن، فيكون من باب التوزيع. وقيل: «مقام» هنا مُقحم، والتقدير: «ولمن خاف ربه» ؛ وأنشد: [الوافر] 4651 - ... ... ... ... ... ونَفَيْتُ عَنْهُ ... مَقَامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعينِ أي: نفيت الذئب وليس بجيد، لأنَّ زيادة الاسم ليست بالسهلة. وقيل: المراد ب «الجنتين» : جنّة للجزاء، وأخرى زيادة على الجزاء. وقيل: إن الجنتين: جنته التي خلقت له، وجنة ورثها. وقيل: إحدى الجنتين منزله، والأخرى منزل أزواجه كما يفعله رؤساء الدنيا. وقيل: إحدى الجنتين مسكنه، والأخرى بستانه. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور، والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم. وقال الفرَّاء: إنها جنة واحدة، وإنما ثنّى مراعاة لرءوس الآي. وقيل: جنة واحدة، وإنما ثنّى تأكيداً كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] . وأنكر القتبي هذا، وقال: لا يجوز أن يقال: خزنة النار عشرون، وإنما ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 30] مراعاة لرءوس الآي. وأيضاً قال: ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ . وقال عطاء وابن شوذب: نزلت هذه الآية في أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين ذكر ذات يوم الجنّة حين أزلفت، والنَّار حين برزت. وقال الضحاك: بل شرب ذات يوم لبناً على ظمأ، فأعجبه فسأل عنه، فأخبر أنه من غير حلٍّ فاستقاءه ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ينظر إليه، فقال: «رحمكَ اللَّهُ لقَدْ أنْزِلَتْ فِيْكَ آيَةٌ» ، وتلا عليه هذه الآية. قوله تعالى: «ذَوَاتَا» . صفة ل «جَنَّتان» ، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: «هما ذواتا» . وفي تثنية «ذات» لغتان: الرد إلى الأصل، فإن أصلها «ذوية» ، فالعين واو، واللام ياء؛ لأنها مؤنثة «ذو» . الثانية: التثنية على اللفظ. فيقال: «ذواتا» . و «الأفنان» : فيه وجهان. أحدهما: أنه جمع «فَنَن» ك «طلل» ، وهو الغصن. قال النابغة الذبياني: [الوافر] 4652 - بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلاً ... مُفَجَّعَةٍ على فَنَنٍ تُغَني وقال آخر: [الرمل] 4653 - رُبَّ وَرْقَاءَ هَتُوفٍ بالضُّحَى ... ذَاتِ شَجْوٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ وقال آخر: [الطويل] 4654 - ... ... ... ... ... ... ... عَلَى كُلِّ أفْنَانِ العِضَاهِ تَرُوقُ و «الفَنَن» : جمعه أفنان ثم الأفانين. قال الشاعر يصف رحى: [الرجز] 4655 - لَهَا زِمَامٌ مِنْ أفَانِينِ الشَّجَرْ ... وشجرة فناء: أي ذات أفنان، وفنواء أيضاً على غير قياس. وفي الحديث: «أنَّ أهْلَ الجنَّةِ مُردٌ مُكَحَّلُون أولُو أفَانِيْن» . وهو جمع أفنان، وأفنان: جمع «فَنَن» من الشعر، شبه بالغصن. ذكره الهروي. وقيل: «ذواتا أفنان» أي: ذواتا سعة وفضل على ما سواهما. قاله قتادة. وعن مجاهد أيضاً وعكرمة: أن الأفنان ظل الأغصان على الحِيْطان. وقال مجاهد: الفنن: هو الغصن المستقيم طولاً. الوجه الثاني: أنه جمع «فنّ» ك «دنّ» ، وإليه أشار ابن عبَّاس. والمعنى: ذواتا أنواع وأشكال؛ وأنشدوا: [الطويل] 4656 - ومِنْ كُلِّ أفْنَانِ اللذَاذَةِ والصِّبَا ... لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخضرُ نَاضِرُ قال سعيد بن جبير والضحاك: ألوان من الفاكهة، واحدها: «فنّ» ، من قولهم: «افتنّ فلان في حديثه» إذا أخذ في فنون منه وضروب، إلا أن الكثير في «فنّ» أن يجمع على «فنون» ، وجمع عطاء بين القولين فقال: في كل غصن فنون من الفاكهة. قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أي: في كل واحدة منهما عينٌ جارية، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: 12] تجريان ماء بالزيادة، والكرامة من الله - تعالى - على أهل الجنَّة. وعن ابن عباس أيضاً والحسن: تجريان بالماء الزلال، إحدى العينين: التسنيم؛ والأخرى السلسبيل. وقال ابن عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذّة للشَّاربين. وقيل: تجريان من جبل من مسك. وقال أبو بكر الوراق: فيهما عينانِ تجريانِ، لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عَزَّ وَجَلَّ. قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ ، أي: صنفان ونوعان. قيل: معناه: أن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطباً ويابساً. وقال ابن عبَّاس: ما في الدنيا ثمرة حُلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحَنْظل إلاّ أنه حلو. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ ، و ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ ، و ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ . أوصاف للجنتين المذكورتين، فهو كالكلام الواحد، تقديره: «جنتان ذواتا أفنان، وفيهما عَيْنَان تجريان، وفيهما من كل فاكهة زوجان» فما الفائدة في فصل بعضها عن بعض بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ؟ مع أنه لم يفصل حين ذكر العذاب بين الصفات، بل قال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: 35] مع أن إرسال النُّحاس غير إرسال الشُّواظ. وقوله: «يَطُوفُون» كلام آخر؟ . فالجواب: أنه جمع العذاب جملة، وفصل آيات الثواب ترجيحاً لجانب الرحمة على جانب العذاب، وتطييباً للقلب، وتهييجاً للسَّامع؛ فإن إعادة ذكر المحبوب محبوب، وتطويل الكلام في اللذات مستحسن. فإن قيل: ما وجه توسيط آية العينين بين ذكر الأفنان، وآية الفاكهة والفاكهة إنما تكون على الأغصان، فالمناسبة ألاّ يفصل بين آية الأغصان والفاكهة؟ . فالجواب: أنه على عادة المتنعمين إذا خرجوا يتفرجون في البستان، فأول قصدهم الفرجة بالخضرة والماء، ثم يكون الأكل تبعاً. قوله: «متّكِئين» يجوز أن يكون حالاً من «منْ» في قوله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وإنما جمع حملاً على معنى «مَنْ» بعد الإفراد حملاً على لفظها. وقيل: حال عاملها محذوف، أي: يتنعمون متكئين. وقيل: منصوب على الاختصاص. والعامة على: «فُرُش» بضمتين، وأبو حيوة: بضمة وسكون، وهي تخفيف منها. قوله تعالى: ﴿بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة والظاهر أنها صفة ل «فُرش» . وتقدم الكلام في «الاستبرق» في سورة الكهف. وقال أبو البقاء: أصل الكلمة فعل على «اسْتَفْعَلَ» ، فلما سمي به قطعت همزته. وقيل: هو أعجمي، وقرىء بحذف الهمزة، وكسر النون، وهو سهو؛ لأن ذلك لا يكون في الأسماء، بل في المصادر والأفعال. انتهى. أما قوله: وهو سهو؛ لأن ذلك لا يكون إلا في الأسماء ... الخ. يعني أن حذف الهمزة في الدَّرج لا يكون إلا في الأفعال والمصادر. وأما الأسماء فلا تحذف همزاتها؛ لأنها همزات قطع. قال شهاب الدين: «وهذا الكلام أحق بأن يكون سهواً؛ لأنا أولاً لا نسلم أن هذه القراءة من حذف همزة القطع إجراءً لها مجرى همزة الوصل، وإنما ذلك من باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحركة الهمزة كانت كسرة، فحركة النون حركة نقل لا حركة التقاء الساكنين» . ثم قوله: «إلا في الأفعال والمصادر» ليس هذا الحَصْر بصحيح اتفاقاً لوجود ذلك في أسماء عشرة ليست بمصادر تقدم ذكرها في أول الكتاب. قال ابن الخطيب: قوله: «عَلى فُرُشٍ» متعلق بما في «مُتَّكئينَ» ، كأنه يقول: يتَّكئون على فرش، كما يقال: فلان اتكَّأ على عصاه، أو على فخذيه، وهذا لأن الفراش لا يتكأ عليه، وإن كان متعلقاً بغيره فما هو؟ . فنقول: تقديره: يتفكّه الكائنون على فرش متكئين، من غير بيان ما يتكئون عليه. * فصل في تحرير معنى الاستبرق «الإسْتَبْرَقُ» : ما غلظ من الدِّيباج. قال ابن مسعود، وأبو هريرة: إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا فما ظنك بالظهارة؟ . وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق فما الظواهر؟ . قال: هذا مما قال الله: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله. قال القرطبي: وفي الخبر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «ظَواهِرُهَا نُورٌ يتلألأُ» وعن الحسن: البطائن هي الظَّواهر، وهو قول الفراء. روي عن قتادة: والعرب تقول للبطن: ظهراً، فيقولون: هذا بطن السماء، وظهر الأرض. وقال الفرَّاء: قد تكون البطانة: الظهارة، والظهارة: البطانة؛ لأنَّ كل واحد منهما يكون وجهاً، والعرب تقول: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي تراه. وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا، وقالوا: لا يكون هذا إلاَّ في الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قوماً كالحائط بينك وبين قوم، وعلى ذلك أمر السماء. وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر؛ لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظَّواهر. * فصل في أن الإستبرق معرب قال ابن الخطيب: الإستبرق معرب، وهو الدِّيْبَاج الثخين، وكما أن الديباج معرب بسبب أن العرب لم يكن عندهم ذلك إلا من العجم تصرفوا فيه، وهو أن أصله بالفارسية «ستبرك» بمعنى: ثخين، فزادوا في أوله همزة، وبدلوا الكاف قافاً، أما الهمزة فلأن حركات أوائل الكلم في لسان العجم غير مبنية في كثير من المواضع، فصارت كالسكون، فأثبتوا فيه همزة كما يجلبون همزة الوصل عند سكون أول الكلمة، ثم إنَّ البعض جعلوها همزة وصل، وقالوا: «مِن اسْتَبْرَقٍ» . والأكثرون جعلوها همزة قطع؛ لأن أول الكلمة في الأصل متحرك، لكن بحركة فاسدة، فأتوا بهمزة تسقط عنهم الحركة الفاسدة، وتمكنهم من تسكين الأول؛ لأن عند تساوي الحركة العود إلى السُّكون أقرب، وأواخر الكلمات عند الوقف تسكن، ولا تبدل حركة بحركة. وأما القافُ فلأنهم أرادوا إظهار كونها فارسية أو أعجمية، فأسقطوا منها الكاف التي هي حرف تشبيه، وعلى لسان العرب في أواخر الكلم للخطاب لو تركت الكاف لاشتبه «ستبرك» ب «مسجدك» ، إذا لحقت كاف الخطاب بهما، فلو تركت الكاف قافاً أولاً، ثم ألحقت الهمزة بأولها، وهذا ومثله لا يخرج القرآن عن كونه عربيًّا؛ لأن العربي ما نطقت به العرب وضعاً واستعمالاً من لغة غيرها، وذلك كله سهلٌ عليهم، وبه يحصل الإعجاز، بخلاف ما لم يستعملوه من كلام العجم لصعوبته عليهم، وذكر الاتكاء؛ لأنه حال الصَّحيح الفارغ القلب المتنعم، بخلاف المريض والمهموم. قوله تعالى: ﴿وَجَنَى الجنتين دَانٍ﴾ مبتدأ وخبر، وأصله: «دان» مثل «غاز» فأعل كإعلاله. وقرأ عيسى بن عمر: «وجَنِي» بكسر النون. وتوجيهها: أن يكون أمال الفتحة لأجل الألف، ثم حذف لالتقاء الساكنين، وأبقى إمالة النون نحو الكسرة وقرىء: «وجِنَى» بكسر الجيم، وهي لغة. والجنى: ما يقطف من الثِّمار، وهو «فَعْلٌ» بمعنى «مفعول» كالقَبْضِ والقنص. * فصل في المراد بالجنى قال القرطبي: «الجنى» : ما يُجْتنى من الشجر، تقول: أتانا الشجر بجناة طيبة لكل ما يجتنى، وثمرة جنيٌّ على «فَعِيل» حين جُني. قوله: «دانٍ» أي: قريب. قال ابن عبَّاس: تدنو الشجرة حين يجتنيها ولي الله إن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً، وإن شاء مضطجعاً. وقال قتادة: لا يرد يده بعد، ولا شوك. قال ابن الخطيب: جنة الآخرة مخالفة لجنّة الدنيا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الثمرة على رءوس الشجر في الدنيا بعيدة على الإنسان المتّكىء، وفي الجنة هو متكىء، والثمرة تتدلى إليه. ثانيها: أن الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة، ويتحرك إليها، وفي الآخرة هي تدنُو إليهم، وتدور عليهم. وثالثها: أنَّ الإنسان في الدنيا إذا قرب من ثمر شجرة بعد عن غيرها، وثمار الجنة كلها تدنو إليهم في وقت واحد، ومكان واحد. قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطرف﴾ . اختلف في هذا الضمير. فقيل: يعود على الجنات. فإن قيل: كيف تقدّم تثنيته في قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ﴾ ، و ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ ثم أتى بضمير جمع؟ . فالجواب: أن أقلّ الجمع اثنان على قول، وله شواهد تقدم أكثرها، أو يقال: عائد إلى الجنَّات المدلول عليها بالجنتين. أو يقول: كل فرد فرد له جنتان فصح أنها جنان كثيرة، وإما أن الجنة تشتمل على مجالس وقصور ومنازل، فأطلق على كل واحد منها جنة. وقيل: يعود على الفرش. قال الزمخشري: «فِيهِنَّ» أي: في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين، والفاكهة والفرش والجنى. قال أبو حيان: «وفيه بُعْد» وكأنه قد استحسن الوجه الأول وفيه نظر؛ لأن الاستعمال أن يقال: على الفراش كذا، ولا يقال: في الفراش كذا إلا بتكلّف. فلذلك جمع الزمخشري مع الفرش غيرها حتى صح له أن يقول: «فيهن» بحرف الظرفية؛ ولأن الحقيقة أن يكون الإنسان على الفرش لأنه مستعمل عليها. وأما كونها فيها فلا يقال إلا مجازاً. وقال الفراء: كل موضع في الجنة، فلذلك صح أن يقال: «فيهن» . والقاصرات: الحابسات الطَّرف: أي يحبسن أعينهن عن غير أزواجهن. ومعناه: قصرن ألحاظهن على أزواجهن. قال امرؤ القيس: [الطويل] 4657 - مِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مِحْوَلٌ ... مِنَ الذّرِّ فوقَ الإتبِ مِنْهَا لأثَّرَا و «قاصرات الطّرف» من إضافة اسم الفاعل لمنصوبه تخفيفاً، إذ يقال: قصر طرفه على كذا، وحذف متعلق القصر للعلم به، أي: على أزواجهن. وقيل: معناه: قاصرات طرف غيرهن عليهن إذا رآهن أحد لم يتجاوز طرفه إلى غيرهن. ووحد الطرف مع الإضافة إلى الجمع؛ لأنه في معنى المصدر، من طرفت عيناه تطرف طرفاً، يقال: ما فيها عين تطرف، ثم سميت العين بذلك، فأدى عن الواحد والجمع، كقولهم: «قَومٌ عَدْل، وصَوْم» . قاله القرطبي. واعلم أن هذا الترتيب في غاية الحسن؛ لأنه بيَّن أولاً المَسْكن وهو الجنة، ثم بين ما يتنزّه به وهو البستان، والأعين الجارية، ثم ذكر المأكول، فقال: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ ، ثم ذكر موضع الرَّاحة بعد الأكل وهو الفرش، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه. قال ابن الخطيب: وقوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ . أي: نساء أو أزواج، فحذف الموصوف لنكتة وهو أنه - تعالى - لم يذكرهُنّ باسم الجنس، وهو النساء بل بالصفات، فقال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: 22] ، ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ: 33] ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ ، ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ﴾ [الرحمن: 72] ولم يقل: نساء عُرباً، ولا نساء قاصرات، لوجهين: إما على عادة العظماء كبنات الملوك إنما يذكر بأوصافهنّ، وإما لأنهن لما كملن كأنهن خرجن من جنسهن. وقوله تعالى: ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ يدل على عفّتهن، وعلى حسن المؤمنين في أعينهن، فيحببن أزواجهن حبًّا يشغلهنَّ عن النَّظر إلى غيرهم، ويدل أيضاً على الحياء؛ لأن الطرف حركة الجفن، والحييَّةُ لا تحرك جفنها، ولا ترفع رأسها. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ . هذه الجملة يجوز أن تكون نعتاً ل «قاصرات» ، لأن إضافتها لفظية، كقوله تعالى: ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24] . وقوله: [البسيط] 4658 - يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كَانَ يَطْلُبُكُمْ..... ... ... ... ... ... . . وأن يكون حالاً لتخصيص النكرة بالإضافة. واختلف في هذ الحرف والذي بعده عن الكسائي، فنقل عنه أنه يجيء في ضم أيهما شاء. ونقل عنه الدوري ضم الأول فقط. ونقل عنه أبو الحارث: ضم الثاني فقط، وهما لغتان. يقال: طَمَثَها يَطْمِثها ويَطْمُثها إذا جامعها، لما روى أبو إسحاق السبيعي قال: كنت أصلي خلف أصحاب عليٍّ فأسمعهم يقولون: «لم أطْمِثْهُنّ» بالرفع، وكنت أصلي خلف أصحاب عبد الله فأسمعهم يقولون: بكسر الميم، وكان الكسائي يضم إحداهما، ويكسر الأخرى لئلاّ يخرج عن هذين الأثرين. وأصل «الطَّمْث» : الجماع المؤدّي إلى خروج دم البكر، ثم أطلق على كل جماع طمث، وإن لم يكن معه دم. وقيل: «الطّمث» : دم الحيض ودم الجماع، فيكون أصله من الدم. ومنه قيل للحائض: طامث، كأنه قيل: لم يدمهن بالجماع إنس قبلهم ولا جانّ. وقيل الطمث: المسّ الخالص. وقال الجحدري، وطلحة بن مصرف: «يطمثهن» بفتح الميم في الحرفين، وهو شاذ، إذ ليس عينه ولا لامه حرف حلق. والضمير في «قبلهم» عائد على الأزواج الدال عليهم قوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ ، أو الدَّال عليه «متكئين» . * فصل في تحرير معنى الطمث قال القرطبي: «لم يطمثهن» أي: لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد. قال الفراء: والطَّمْث: الافتضاض والنكاح بالتدمية، طَمَثَها يَطْمِثُها طَمْثاً إذا افتضها. ومنه قيل: امرأة طامث أي: حائض. وغير الفراء يخالفه في هذا ويقول: طمثها بمعنى وطىء على أيّ الوجوه كان، إلا أن الفراء أعرف وأشهر. قال الفرزدق: [الوافر] 4659 - وقَعْنَ إليَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي ... وهُنَّ أصحُّ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ وقال أبو عمرو: الطَّمث والمس، وذلك في كل شيء يمسّ، ويقال للمرتع: ما طمث ذلك المرتع قبله أحد، وما طمث هذه النَّاقة حبل أي ما مسها عقال وقال المبرد: لم يذللهن إنس ولا جان، والطمث: التذليل. وقرأ الحسن: «جأن» بالهمزة. * فصل في أن الجن يجامعون ويدخلون الجنة كالإنس دلّت هذه الآية على أن الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة، ويكون لهم فيها جنيّات. قال ضَمْرَة: للمؤمنين منهم أزواج من الحُور، فالإنسيَّات للإنس، والجنّيات للجن. وقيل: معناه: لم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الجنّ في الجنَّة من الحور العين من الإنسيّات إنس، وذلك لأن الجن لا تطأ بنات آدم في الدنيا. ذكره القشيري. قال القرطبي: قد مضى القول في سورة «النمل» وفي «سبحان» وأنه جائز أن تطأ بنات بني آدم. وقد قال مجاهد: إنه إذا جامع الرجل، ولم يسم انطوى الجانّ على إحليله فجامع معه، فذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ﴾ يعلمك أن نساء الدنيا لم يطمثهن الجان. والحور العين قد برئن من ذلك العيب. قال مقاتل قوله: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ ؛ لأنهن خلقن في الجنة، فعلى قوله يكونون من حور الجنة. وقال الشعبي: من نساء الدنيا لم يَمْسَسْهن منذ أنشئن خلقٌ، وهو قول الكلبي، أي لم يجامعهن في الخلق الذي فيه إنس ولا جان. قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان﴾ . هذه الجملة يجوز أن تكون نعتاً ل «قَاصِرَات» ، وأن تكون حالاً منها. ولم يذكر مكي غيره. و «الياقُوت» : جوهر نفيس، يقال: إن النار لم تؤثر فيه. ولذلك قال الحريري: [البسيط] 4660 - وطَالَمَا أصلي اليَاقوتُ جَمْر غَضَى ... ثُمَّ انْطفَى الجَمْرُ والياقوتُ يَاقوتُ أي حاله لم يؤثر بها، وجه التشبيه كما قال الحسن في صفاء الياقوت، وبياض المرجان، وهذا على القول بأنه أبيض. وقيل: الوجه في الصفة بهما لنفاستهما لا للونهما، ولذلك سموا بمرجانة ودُرَّة وشبه ذلك. قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ . قرأ ابن أبي إسحاق: «إلا الحسان» أي: الحور الحسان. قال القرطبي: هَلْ في الكلام على أربعة أوجه: تكون بمعنى «قد» ، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] ، ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ [طه: 9] ، وبمعنى الاستفهام كقوله: ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً﴾ [الأعراف: 44] . وبمعنى الأمر كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] . وبمعنى «ما» في الجَحْد كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين﴾ [النحل: 35] ، و ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ . قال ابن الخطيب: في هذه الآية وجوهٌ كثيرة حتى قيل: إنَّ في القرآن ثلاث آيات في كل واحدة منها مائة قول: أحدها: قوله تعالى: ﴿فاذكرونيا أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] . ثانيها: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8] . ثالثها: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ والمشهور منها أقوال: أحدها: قال عكرمة: أي: هل جزاء من قال: لا إله إلاَّ الله، وعمل بما جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا الجنة. وقيل: هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. قاله ابن زيد. «وروى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأ ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ ثم قال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قال: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» . «وروى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأ هذه الآية، فقال:» يقول الله تعالى: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلاّ أنْ أُسكنه جنَّتي وحظيرة قدسي برحمتي «» . وقال الصادق: هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان إليه في الأبد. قال ابن الخطيب: والأقرب أنه عام، فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو أيضاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.