الباحث القرآني

وهي سبع وتسعون آية، وثلاث مائة وثمان وسبعون كلمة، وألف [وتسعمائة] وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ . في «إذا» أوجه: أحدها: أنها ظرف محض ليس فيها معنى الشَّرط، والعامل فيها «ليس» . الثاني: أن العامل فيها «اذْكر» مقدراً. قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب «إذا» ؟ . قلت: ب «ليس» ، كقولك: يوم الجمعة ليس لي شغل. ثم قال: أو بإضمار «اذكر» . قال أبو حيان: «ولا يقول هذا نحوي» . قال: لأن «ليس» مثل «ما» النافية فلا حدث فيها، فكيف تعمل في الظرف من غير حدث، وتسميتها فعلاً مجازاً، فإن حدَّ الفعل غير منطبق عليها. ثم قال: وأمَّا المثال الذي نظر به، فالظرف ليس معمولاً ل «ليس» بل للخبر، وتقدم معمول خبرها عليها، وهي مسألة خلاف. انتهى. قال شهاب الدين: الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ومعنى كلام الزمخشري أن النفي المفهوم من «ليس» هو العامل في «إذا» كأنه قيل: ينتفي كذب وقوعها إذا وقعت، ويدل على هذا قول أبي البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ. والثاني: ظرف لما دل عليه ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ ، أي: إذا وقعت لم تكذب، فإن قيل: فليجر ذلك في «ما» النافية؟ . فالجواب: أن الفعل أقرب إلى الدلالة على الحدث من الحرف. الثالث: أنها شرطية، وجوابها مقدر، أي: «إذا وقعت كان كيت وكيت» ، وهو العامل فيها. الرابع: أنها شرطية، والعامل فيها الفعل الذي بعدها ويليها، وهو اختيار أبي حيان، وتبع في ذلك مكيًّا. قال مكي: «والعامل فيه» وقعت» ؛ لأنها قد يجازى بها، فعمل فيها الفعل الذي بعدها كما يعمل في «مَا» ، و «مَنْ» اللتين للشرط في قولك: ما تَفْعَلْ أفْعَلْ، ومن تُكْرِمْ أكْرِمْ» ، ثم ذكر كلاماً كثيراً. الخامس: أنها مبتدأ، و «إذَا رُجَّتْ» خبرها، وهذا على قولنا: «إنها تتصرف» وقد مضى تحريره إلا أن هذا الوجه إنما جوزه ابن مالك، وابن جني، وأبو الفضل الرازي على قراءة من نصب «خافِضَةً رافِعَةً» على الحال، وحكاه بعضهم عن الأخفش. قال شهاب الدين: «ولا أدري اختصاص ذلك بوجه النَّصب» . السادس: أنه ظرف ل «خافضة» ، أو «رافعة» . قاله أبو البقاء. أي إذا وقعت خفضت ورفعت. السابع: أن تكون ظرفاً ل «رُجَّتْ» ، و «إذَا» الثانية على هذا إما بدل من الأولى، أو تكرير لها. الثامن: أن العامل فيه ما دلّ عليه قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ [الواقعة: 8] أي: إذا وقعت بانت أحوال الناس فيها. التاسع: أن جواب الشرط، قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ [الواقعة: 8] إلى آخره، و «لِوقعَتِهَا» خبر مقدم، و «كاذبة» اسم مؤخر. و «كاذبة» يجوز أن تكون اسم فاعل، وهو الظَّاهر، وهو صفة لمحذوف، فقدر الزمخشري: «نفس كاذبة» . أي: أن ذلك اليوم لا يكذب على الله أحد، ولا يكذِّب بيوم القيامة أحد. ثم قال: «و» اللام «مثلها في قوله: ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24] ، أو ليس نفس تكذبها، وتقول لها: لم تكوني كما لها اليوم نفوس كثيرة يكذبنها اليوم، يقلن لها: لن تكوني، أو هي من قولهم: كَذَبَتْ فُلاناً نفسُه في الخَطْبِ العظيم إذا شجعته على مباشرته، وقالت له: إنك تطيقه وما فوقه، فتعرض له ولا تبال به، على معنى أنها وقعة لا تُطاق شدة وفظاعة، وأن لا نفس حينئذ تحت صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور وتزين له احتمالها وإطاقتها؛ لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذلّ، ألا ترى إلى قوله ﴿كالفراش المبثوث﴾ [القارعة: 4] ، والفراش مثل في الضعف» . وقدره ابن عطية: «حال كاذبة» . قال: ويحتمل الكلام على هذا معنيين: أحدهما: كاذبة أي: مكذوبة فيما أخبر به عنها، فسماها كاذبة لهذا، كما تقول: هذه قصّة كاذبة، أي: مكذوب فيها. والثاني: حال كاذبة أي: لا يمضي وقوعها، كقولك: فلان إذا حمل لم يكذب. والثالث: «كاذبة» مصدر بمعنى التَّكذيب. نحو ﴿خَآئِنَةَ الأعين﴾ [غافر: 19] . قال الزمخشري: وقيل: «كاذبة» مصدر ك «العاقبة» بمعنى التكذيب من قولك: حمل فلان على قرنه فما كذب، أي فما جبن ولا تثبَّط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من إطاقته له وإقدامه عليه وأنشد ل «زهير» : [البسيط] 4669 - ... ... ... ... ... ... . إذَا ... مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقَا أي: إذا وقعت لم يكن لها رجعة ولا ارتداد انتهى. وهو كلام حسن جدًّا. ثم لك في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها لا محلّ لها من الإعراب، إما لأنها ابتدائية، ولا سيما على رأي الزمخشري، حيث جعل الظرف متعلقاً بها. وإما لأنها اعتراضية بين الشرط وجوابه المحذوف. الثاني: أن محلّها النصب على الحال. قاله ابن عطية. ولم يبين صاحب الحال، ماذا؟ . وهو واضح إذ لم يكن هنا إلاَّ الواقعة، وقد صرَّح أبو الفضل بذلك. وقرأ العامة: برفع «خَافِضَةٌ ورافِعَةٌ» على أنها خبر ابتداء مضمر، أي: هي خافضة قوماً إلى النَّار، ورافعة آخرين إلى الجنة، فالمفعول محذوف لفهم المعنى. أو يكون المعنى أنها ذات خفض ورفع، كقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] ، ﴿وَكُلُواْ واشربوا﴾ [البقرة: 187] . وقرأ زيد بن علي وعيسى والحسن، وأبو حيوة، وابن مقسم واليزيدي: بنصبهما على الحال. ويروى عن الكسائي أنه قال: «لولا أن اليزيدي سبقني إليه لقرأت به» انتهى. قال شهاب الدين: «ولا أظن مثل هذا يصح عن مثل هذا» . واختلف في ذي الحال: فقال أبو البقاء: من الضمير في «كاذبة» ، أو في «وقعت» . وإصلاحه أن نقول: أو فاعل «وقعت» ؛ إذ لا ضمير في «وقعتْ» . وقال ابن عطية وأبو الفضل: من «الواقعة» . ثم قرّرا مجيء الحال متعددة من ذي حال واحدة، كما تجيء الأخبار متعددة. وقد تقدم بيانه. وقال أبو الفضل: «وإذا جعلت هذه كلها أحوالاً، كان العامل في» إذا وقعت «محذوفاً يدل عليه الفحوى، أي: إذا وقعت يحاسبون» . * فصل في معنى الآية قال المفسرون: ﴿إذا وقعت الواقعة﴾ أي: إذا قامت القيامة، والمراد: النَّفخة الأخيرة، وسميت الواقعة لأنها تقعُ عن قرب. وقيل: لكثرة ما يقع فيها من الشَّدائد. قال الجرجاني: «إذا» صلة، أي: وقعت الواقعة، كقوله: ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: 1] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] وهو كما يقال: جاء الصوم، أي: دنا واقترب. وقال القرطبي: فيه إضمار، أي: اذكر إذا وقعت، وعلى هذا «إذا» للتَّوقيت، والجواب قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ [الواقعة: 8] . وقال ابن الخطيب: أو يكون التقدير: إذا وقعت الزلزلة الواقعة يعترف بها كل أحد، ولا يتمكّن أحد من إنكارها. و ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ . «الكاذبة» : مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر كقوله تعالى: ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: 11] أي: لغو، والمعنى: ليس لها كذب. قاله الكسائي. ومنه قول العامة: عائذاً بالله، أي: معاذ الله، وقُمْ قائماً، أي: قم قياماً. وقيل: الكاذبة: صفة، والموصوف محذوف، أي: ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة، أي كل من يخبر عن وقعتها صادق. وقال الزجاج: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي: لا يردها شيء. ونحوه قول الحسن وقتادة. وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل: إن قيامها جدّ لا هزل فيه. وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ . قال عكرمة ومقاتل والسدي: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت من نأى، يعنى أسمعت القريب والبعيد. وعن السّدي: خفضت المتكبرين ورفعت المستضعفين. وقال قتادة: خفضت أقواماً في عذاب الله، ورفعت أقواماً إلى طاعة الله. وقال عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة. وقال ابن عطاء: خفضت أقواماً بالعدل، ورفعت أقواماً بالفضل. والرفع والخفض يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعزّ والمهانة، ونسب سبحانه وتعالى الرفع والخفض إلى القيامة توسعاً ومجازاً على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لم يمكن منه الفعل، يقولون: ليلٌ قائم، ونهار صائم. وفي التنزيل: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . والرافع والخافض في الحقيقة هو الله تعالى. و «اللام» في قوله «لوقعتها» إما للتعليل، أي لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعتها. وإما للتعدية، كقولك: «ليْسَ لزيد ضارب» فيكون التقدير: إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها امرؤ يوجد لها كاذب يكذب إذا أخبر عنه. قال ابن الخطيب: وعلى هذا لا يكون «ليس» عاملاً في «إذا» وهو بمعنى «ليس» لها كاذب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.