الباحث القرآني

وهي ثنتان وعشرون آية وأربعمائة وثلاث وسبعون كلمة وألف وسبعمائة واثنان وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية. «قَدْ» هنا للتوقع. قال الزمخشري: «لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع اللَّه مجادلتهما وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرج عنهما» . وإظهار الدال عند السين قراءة الجماعة إلا أبا عمرو والأخوين. ونقل عن الكسائي أنه قال: من بيَّن الدال عند السين فلسانه أعجمي، وليس بعربي. وهذا غير معرج عليه. و «في زوجها» في شأنه من ظهاره إياها. * فصل فيمن جادلت الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ التي اشتكت هي خولة بنت ثعلبة. وقيل: بنت حكيمٍ. وقيل: بنت خُويلد. قال الماوردي: وليس هذا بمختلف؛ لأن أحدهما: أبوها، والآخر: جدها، فنسبت إلى كل منهما. قيل: كانت أمة. وقيل: هي ابنة صامت. وقيل: أمة لعبد الله بن أبي. وهي التي أنزل الله فيها: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: 33] أي لا يكرهها على الزنا. وقيل: هي ابنة حكيم. قال النحاس: وهذا ليس بمُتناقض، يجوز مرَّة أن تنسب إلى أبيها، ومرَّة إلى أمها، ومرَّة إلى جدِّها، ويجوز أن تكون أمةً كانت لعبد الله بن أبي، فقيل لها: أنصارية بالولاء؛ لأنه كان في عداد الأنصاريين وأنه كان من المنافقين. نقله القرطبي. وقيل: اسمها جميلة، وخولة أصح، وزوجها أوسُ بن الصَّامت أخو عبادة بن الصَّامت. وروي أن عمر بن الخطاب مرَّ بها في خلافته، وهو على حمارٍ والناس معه، فاستوقفته طويلاً ووعظته، وقالت: يا عمرُ، قد كنت تدعى عُمَيراً ثم قيل لك: عمر، ثم قيل: أمير المؤمنين، فاتَّقِ الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقفُ لهذه العجوز هذا الوقوف. فقال: والله لو حَبَسَتْنِي من أول النهار إلى آخره لا زلت إلاَّ للصَّلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هذه خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟! . وقالت عائشة: تبارك الذي وسِعَ سمعهُ كُلَّ شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهي تقول: يا رسول الله أكَلَ شَبَابي، ونَثرْتُ له بطني حتَّى إذا كبرت سنّي، وانقطع ولدي ظاهر منِّي، اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية. «روي أنها كانت حسنة الجِسْمِ، فرآها زوجها ساجدةً فنظر عجيزتها، فأعجبه أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبَتْ فغضب عليها، قال عروة: وكان امرأ به لممٌ فأصابه بعض لممهِ، فقال لها: أنْتِ عليَّ كظهْرِ أمِّي وكان الإيْلاء والظِّهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال لها:» حَرُمْتِ عليْهِ» ، فقالت: والله ما ذكر طلاقاً، وإنه أبو ولدي وأحبّ الناس إليَّ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «حَرُمْتِ عَليْهِ» ، فقالت: أشكو إلى الله فَاقتِي ووحْدتِي، فقد طالت له صُحْبتي ونفَضَتْ له بَطْني، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا أرَاك إلاَّ قَدْ حَرُمْتِ عليْهِ ولَمْ أومر فِي شأنِك بِشيءٍ» ، فجعلت تراجع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإذا قال لها رسول الله: «حَرُمْتِ عليْهِ» هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتِي وشدة حالي، وإن لي صبيةً صغاراً إن ضَممتُهُمْ إليَّ جاعُوا، وإن ضَممتُهُمْ إليه ضاعُوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهُم إني أشكو إليك فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهارٍ في الإسلام فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية. فأرسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى زوجها، وقال: «مَا حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ» ؟ فقال: الشيطان، فهل من رُخْصَة؟ فقال: «نَعَمْ» ، وقرأ عليه الأربع آيات، فقال: «هَلْ تَسْتطِيْعُ الصَّوْمَ» ؟ فقال: لا والله، فقال: «هَلْ تَسْتطيعُ العِتْقَ» ؟ فقال: لا والله، إني أن أخطأ في أن آكل في اليوم مرة أو مرتين لكلَّ بصري وظننت أني أموت، قال: «فأطْعِمْ ستِّيْنَ مِسْكيناً» ، فقال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعونٍ وصلةٍ، فأعانه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بخمسةَ عشر صاعاً، وأخرج أوس من عنده مثله، فتصدق به على ستين مسكيناً» . * فصل في اللمم الذي كان بأوس بن الصامت قال أبو سليمان الخطَّابي: ليس المراد من قوله في هذا الخبر: وكان بن لَمَم الخبل والجنون، إذ لو كان به ثُمَّ ظاهر في تلك الحال لم يكن يلزمه شيء، بل معنى اللَّمَم هاهنا: الإلمام بالنساء وشدة الحِرْصِ والتَّوقَانِ إليهن. * فصل في الظهار اعلم أن الظِّهار كان من أشدّ طلاق الجاهلية؛ لأنه في التحريم أوكدُ ما يمكن، فإن كان الحكم صار مقرّراً في الشرع كانت الآية ناسخة له، وإلا لم يفد نسخاً؛ لأن النسخ إنما يدخل في الشَّرائع لا في عادة الجاهلية، لكن الذي روي أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال لها: «حَرُمْتِ» أوْ «مَا أَرَاكَ إلاَّ قَدْ حَرُمْتِ» كالدلالة على أنه كان شرعاً. فأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك. وفي الآية دليل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق ولم يَبْقَ له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المُهِمّ. * فصل فيما حكاه الله عن هذه المرأة اعلم أنَّ الله - تعالى - حكى عن هذه المرأة أمرين: أحدهما: المجادلة وهو قوله تعالى: ﴿تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ أي: في شأن زوجها، وتلك المجادلة هي أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كلما قال لها: «حَرُمَتْ عَليْهِ» ، قالت: والله ما ذكر طلاقاً. والثاني: شكواها إلى الله فَاقتَهَا ووحْدتهَا، وقولها: إن لي صبية صغاراً. * فصل في سمع الله تعالى قال القرطبي: الأصل في السماع إدراك المسمُوعات وهو اختيار أبي الحسن، وقال ابن فورك: الصحيح أنه إدراك المسمُوع. وقال الحاكم أبو عبد الله: «السميع» هو المدرك للأصوات التي يدركها المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذُن كالأصَم من النَّاس لما لم يكن له هذه الحاسة لم يكن أهلاً لإدراك الصوت، والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة، والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه متّصفاً بهما. وقرىء: «تُحَاوِرُكَ» أي: تراجعك الكلام. قوله: ﴿وتشتكي إِلَى الله﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطف على «تجادلك» فهي صلة أيضاً. والثاني: أنها في موضع نصب على الحال، أي: تجادلك شاكيةً حالها إلى الله. وكذا الجملة من قوله: ﴿والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ والحالية فيها أبعد. و «شكا» و «اشتكى» بمعنى واحد. و «المُحَاورة» : المراجعة في الكلام، حار الشيء يحُور حَوْراً، أي: رجع يرجع رجوعاً. ومنه: «نعوذ بالله من الحور بعد الكورِ» ، وكلمته فما أحار بكلمة، أي: فما أجاب. ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ . أي: يسمع كلام من يناديه، ويبصر من يتضرع إليه. قوله: ﴿الذين يُظَاهِرُونَ﴾ تقدم الخلاف في «تُظَاهرون» في سورة «الأحزاب» ، وكذا في ﴿اللائي﴾ [الأحزاب: 4] . وقرأ أبيّ هنا: «يَتَظَاهرون» . وعنه أيضاً: «يتظهرون» . وفي «الذين» وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره: قوله ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ . الثاني: أنه منصوب ب «بصير» على مذهب سيبويه في جواز إعمال «فعيل» قاله مكي. يعني: أن سيبويه يعمل «فعيلاً» من أمثلة المبالغةِ، وهو مذهب مطعُون فيه على سيبويه؛ لأنه استدلّ على إعماله بقول الشاعر: [البسيط] 4729 - حَتَّى شَآهَا كَلِيلٌ مَوْهِناً عَمِلٌ ... بَاتَتْ طِرَاباً وبَاتَ اللَّيْلَ لَمْ يَنَمِ ورد عليه بأن «موهناً» ظرف زمان، والظروف يعمل فيها روائح الأفعال، والمعنى: يأتي «ما» قاله مكي. وقرأ العامة: «أمَّهاتِهِمْ» بالنصب على اللغة الحجازية الفصحى، كقوله ﴿مَا هذا بَشَراً﴾ [يوسف: 31] . وعاصم في رواية بالرفع على اللغة التميمية، وإن كانت هي القياس لعدم اختصاص الحرف، وقرأ عبد الله: «بأمَّهاتهم» بزيادة الباء وهي تحتمل اللغتين. وقال الزمخشري: «وزيادة الباء في لغة من يَنْصِبُ» . قال شهاب الدين: هذا هو مذهب أبي عليّ، يرى أن «الباء» لا تزاد إلا إذا كانت عاملة، فلا تزاد في التميمية، ولا في الحجازية إذا منع من عملها مانع، نحو: «ما إن زيد بقَائمٍ» ، وهذا مردُود بقول الفرزدق وهو تميمي: [الطويل] 4730 - لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتَارِكِ حَقِّهِ ... ولا مُنْسِىءٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ وبقول الآخر: [المتقارب] 4731 - لَعَمْرُكَ مَا إنْ أبُو مالكٍ ... بِوَاهٍ ولا بِضَعيفٍ قُوَاه فزادها مع «ما» الواقع بعدها «إن» . * فصل في التعبير بلفظ الظهار ذكر الظَّهْر كناية عن معنى الركوب، والآدمية إنما يُرْكَب بطنُها، ولكن كنَّى عنه بالظَّهر؛ لأن ما يركب من غير الآدميات فإنما يركب ظهره فكنَّى بالظهر على الركوب، ويقال: نزل عن امرأته أي: طلقها كأنه نزل عن مركُوبه، ومعنى: أنت عليَّ كظهرِ أمي، أي: أنت عليَّ محرمة لا يحلّ لي ركوبك نقله القرطبي. ونقل ابن الخطيب عن صاحب «النظم» : أنه ليس مأخوذاً من الظَّهر الذي هو عضو من الجسد؛ لأنه ليس الظَّهر بأولى بالذكر في هذا الوضع من سائر الأعضاء التي هي مواضع المباضعةِ والتلذُّذ، بل الظهر هاهنا مأخوذ من العُلوّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: 97] أي: يعلوه وكذلك امرأة الرجل ظهره؛ لأنه يعلوها بملك البضع وإن لم يكن ناحية الظَّهر، فكأن امرأة الرجل مركب للرجل وظهر له. ويدلُّ على صحة هذا المعنى ما نقل عن العرب أنهم يقولون في الطلاق: نزلت عن امرأتي، أي: طلقتها، وفي قولهم: أنت عليّ كظهر أمي حذف وإضمار؛ لأن تقديره: ظهرك عليّ، أي ملكي إياك، وعلوي عليك حرام كما عُلوي على أمي وملكها عليّ. * فصل في حقيقة الظهار حقيقة الظهار: تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظَهْر محلّل بظهر محرم، ولهذا أجمع الفقهاء على أنَّ من قال لزوجته: أنت عليَّ كظهرِ أمي، أنه مظاهر. وقال أكثرهم، إذا قال لها: أنت عليّ كظهرِ ابنتي، أو أختي، أو من تحرم عليه على التأبيد من ذوات المحارم أنه مظاهر. * فصل في ألفاظ الظهار وألفاظ الظِّهار: صريح وكناية: فالصريح: أنت علي كظهر أمي، وأنت عندي، وأنت منّي، وأنت معي كظهر أمي، وكذلك أنت عليَّ كبطن أمي، أو كرأسها أو فرجها ونحوه، وكذلك فرجك، أو رأسك، أو ظهرك، أو بطنك، أو رجلك عليَّ كظهر أمي، فهو مظاهر مثل قوله: يدك، أو رجلك، أو رأسك، أو فرجك طالق تطلق عليه، ومتى شبهها بأمّه، أو بإحدى جداته من قبل أبيه، أو أمه فهو ظهار بلا خلاف، وإن شبهها بغيرهن من ذوات المحارم التي لا تحلّ له بحال كالبنت، والأخت، والعمة، والخالة كان مظاهراً عند أكثر الفقهاء. والكناية: أن يقول: أنت عليَّ كأمي، أو مثل أمي، فإنه يعتبر فيه النية، فإن أراد الظهار كان ظهاراً، وإن لم ينو الظهار لم يكن مظاهراً على خلاف في ذلك، فإن شبه امرأته بأجنبيّة، فإن ذكر الظهر كان ظهاراً، وإن لم يذكر الظهر، فقيل: يكون ظهاراً. وقيل: طلاقاً. وقال: أبو حنيفة والشافعي: لا يكون شيئاً. وقيل: وهذا فاسد؛ لأنه شبّه محللاً من المرأة بمحرم، فأشبه الظهر. نقله القرطبي. فإن قال: أنت عليَّ حرام كظهر أمي، كان ظهاراً ولم يكن طلاقاً؛ لأن قوله: أنت عليَّ حرام يحتمل التحريم بالطلاق، فيكون طلقة، ويحتمل التحريم بالظِّهار، فلما صرح به كان تفسيراً لأحد الاحتمالين، فقضي به فيه. فصل والظِّهار لازم في كلّ زوجة مدخول بها، أو غير مدخُول بها من كل زوج يجوز طلاقه. وقال مالك: يجوز الظِّهار من كل من يجوز له وطؤها من إمائِهِ إذا ظاهر منهن لزمه الظِّهارُ فيهن، وقال غيره: لا يلزم. قال ابن العربي: وهي مسألة عسيرةٌ جدًّا؛ لأن مالكاً يقول: إذا قال لأمته: أنت عليَّ حرام لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم، وتصح كنايته. قوله: ﴿مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً﴾ نعتان لمصدر محذوف أي قولاً منكراً وزوراً أي: كذباً وبهتاناً. قاله مكي. وفيه نظر؛ إذ يصير التقدير: ليقولون قولاً منكراً من القولِ، فيصير قوله: «مِنَ القَوْلِ» لا فائدة فيه، والأولى أن يقال: نعتان لمفعول محذوف، لفهم المعنى، أي: ليقولن شيئاً منكراً من القول لتفيد الصفة غير ما أفاده الموصوف. والمنكر من القول: ما لا يعرف في الشَّرْع، والزور: الكذب. ﴿وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ إذ جعل الكفارة عليهم مُخلصةً لهُمْ من هذا القَوْل المنكر. وقيل: «لعفو غفور» إما من قبل التوبة لمن يشاء، كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] . أو بعد التوبة. فإن قيل: المظاهر إنما قال: أنْتِ عليَّ كظهرِ أمِّي، فشبه بأمه، ولم يقل: إنها أمه، فما معنى أنه جعله منكراً من القوْلِ وزوراً. والزُّور: الكذب، وهذا ليس بكذب؟ . فالجواب: أنَّ قوله إنْ كان خبراً فهو كذب، وإنْ كَانَ إنشاء فكذلك؛ لأنه جعله سبباً للتَّحريم، والشَّرْع لم يجعله سبباً لذلك. وأيضاً فإنما وصف بذلك، لأن الأم مؤبدة التحريم، والزَّوْجة لا يتأبّد تحريمها بالظِّهار، وهذا ضعيف؛ لأنَّ المشبه لا يلزم أن يساوي المشبه به من كُلِّ وجهٍ. فإن قيل: قوله: ﴿إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ يقتضي أن لا أم إلا الوالدة، وهذا مشكل لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] . وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] . والحمل على حرمة النكاح لا يفيد؛ إذْ لا يلزمُ مِنْ عدم كوْنِ الزَّوجة أمًّا عدمُ الحُرمةِ، فظاهر الآية الاستدلال بعدم الأمومة على عدم الحرمة؟ . فالجواب: أنا نقول: هذه الزَّوجة ليست بأم حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة، ولم يرد الشرع بجعل هذه اللفظة سبباً للحرمةِ، فإذن لا تحصل الحرمة هناك ألبتّة فكان وصفهم لها بالحرمة كذباً وزوراً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.