الباحث القرآني

قوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ﴾ مبتدأ. وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مبتدأ ثان وخبره مقدم، أي: فعليهم، أو فاعل بفعل مقدر، أي: فيلزمهم تحرير، أو خبر مبتدأ مضمر، أي: فالواجب عليهم تحرير. فصل ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك، ولا يلزم عند غيره لقوله تعالى: ﴿مِن نِّسَآئِهِم﴾ . وإذا ظاهر صح ظهاره كما يصح طلاقه. وقال مالك: لا يلزم ظهاره؛ لأنه لا يصح تكفيره بالصِّيام، وهذا منقوض بظهار العبد، وهو لا يكفر بالعتقِ والإطعام. * فصل في عدم صحة ظهار المرأة من زوجها لا يصح ظهار المرأة من زوجها، وعليها كفَّارة يمين، إنما الظهار على الرجال؛ لأن الحل والعقد في النكاح بيدِ الرجال ليس بيد المرأة منه شيء. وقال الحسن بن زياد: هي مظاهرة. وقال الزهري: أرى أن تكفر كفَّارة الظهار. وقال محمد بن الحسن: لا شيء عليها. * فصل في المظاهرة حال الغضب والسكر وإذا ظاهر حال غضبه لزمه حكم الظِّهار، للحديث، ويصح ظهار السكران وطلاقه، وإذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة فكفَّارة واحدة، وإن ظاهر منهنّ بكلمات فعليه لكل واحدة كفَّارة ظهار، وإذا قال لأربع نسوة: إن تزوجتكنّ فأنتن عليَّ كظهرِ أمي، فتزوج إحداهن لم يقربها حتى يكفِّر، ثم قد سقط اليمين فيه في سائرهن. وقيل: لا يَطَأُ البواقي منهن حتى يكفر فإن قال لامرأته: أنت عليَّ كظهرِ أمي، وأنت طالق ألبتة، لزمه الطلاق والظِّهار معاً، ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج ولا يطؤها إذا نكحها حتى يكفر، فإن قال لها: أنت طالق ألبتَّة، وأنت عليّ كظهر أمي لزمه الطَّلاق، ولم يلزمه الظِّهار؛ لأن المبتُوتةَ لا يلحقها طلاق ولا ظهار، ويصح الظهار المؤقّت كما لو قال: أنت اليوم عليَّ كظهرِ أمي فإنَّه يصحّ ويبطل بمضيّ اليوم. وقال مالك: يتأبّد. قوله: «منكم» توبيخ للعرب، وتهجين لعادتهم في الظِّهار؛ لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم. وقوله: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] أي: ما نساؤهم بأمهاتهم، ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: 2] أي إلا الوالدات. وعلى التقادير الثلاثة، فالجملة خبر المبتدأ، ودخلت «الفاء» لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط. قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ . في هذه «اللام» أوجه: أحدها: أنها متعلقة ب «يعودون» . وفيه معان: أحدها: والذين من عادتهم أنهم كانوا يقولون هذا القول في الجاهلية، ثمَّ يعودون لمثله في الإسلام. الثاني: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه، ومنه: «عَادَ غَيْثٌ عَلَى ما أفْسَدَ» أي تداركه بالإصلاح، والمعنى: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظِّهار. الثالث: أن يراد بما قالوا ما حرَّموه على أنفسهم بلفظ الظِّهار تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 80] ، والمعنى: ثم يريد العود للتَّماسِّ. قاله الزمخشري. وهذا الثالث هو معنى ما روي عن مالك، والحسن، والزهري: ثم يعودون للوطءِ، أي: يعودون لما قالوا: إنهم لا يعودون إليه، فإذا ظاهر ثُمَّ وطىء لزمتِ الكفَّارة عند هؤلاء. الرابع: «لما قالوا» ، أي: يقولونه ثانياً، فلو قال: أنت عليَّ كظهرِ أمي مرّة واحدة لم يلزمه كفارة؛ لأنه لم يَعُدْ لما قال، وهذا منقول عن بكير بن عبد الله الأشجّ، وأبي حنيفة، وأبي العالية، والفراء في آخرين، وهو مذهب أهل الظَّاهر. قال ابن العربي: وهذا القول باطل قطعاً؛ لأن قصص المتظاهرين قد رويت، وليس في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم، والمعنى أيضاً بنقضه؛ لأن الله - تعالى - وصفه بأنه مُنْكَر من القول وزور، فكيف يقال: إذا أعدت القول المحرّم، والسَّبب المحظور وجبت عليك الكفَّارة، وهذا لا يعقل ألا ترى أنَّ كل سبب يوجب الكفَّارة لا يشترط فيه الإعادة من قتلٍ ووطءٍ في صوم؟ . الخامس: أن المعنى أن يعزم على إمساكها فلا يطلقها بعد الظِّهار حتى يمضي زمن يمكن أن يطلقها فيه، فهذا هو العودُ لما قال، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة أيضاً. وقال: العود هنا ليس بتكرير القول، بل بمعنى العزم على الوطء. قال القرطبي: وهذا ينتقض بثلاثة أمور: أحدها: أنه قال: «ثُمَّ» وهي للتراخي. الثاني: قوله: «ثم يعُودُون» يقتضي وجود فعل من جهته، ومرور الزمان ليس بفعل منه. الثالث: أن الطلاق الرَّجْعِي لا ينافي البقاء على الملك، فلم يسقط حكم الظِّهار كالإيلاء. وقال مكي: «واللام متعلقة ب» يَعُودُون «أي: يعودون لوطءِ المقول فيه الظهار، وهن الأزواج ف» ما «والفعل مصدر، أي: لقولهم، والمصدر في موضع المفعول به، نحو:» هذا دِرْهم ضرب الأمير «أي: مضروبه، فيصير المعنى، كقولهم للمقول فيه الظِّهار، أي: لوطئه» . وهذا معنى قول الزمخشري في الوجه الثالث الذي تقدم تقريره عن الحسن، والزهري، ومالك إلاَّ أن مكيًّا قيد ذلك بكون «ما» مصدرية حتى يقع المصدر المؤول موضع اسم المفعول، وفيه نظر؛ إذ يجوز ذلك وإن كانت «ما» غير مصدرية لكونها بمعنى «الذي» ونكرة موصوفة، بل جعلها غير مصدرية أولى؛ لأن المصدر المؤول فرع المصدر الصريح، إذ الصريح أصل للمؤول به، ووضع المصدر موضع اسم المفعول خلاف الأصل، فيلزم الخروج عن الأصل بشيئين: بالمصدر المؤول، ثم وقوعه موقع اسم المفعول، والمحفوظ من لسانهم إنما هو وضع المصدر الصَّريح موضع المفعول لا المصدر المؤول فاعرفه. لا يقال: إن جعلها غير مصدرية يحوجُ إلى تقدير حذف مضاف ليصحّ المعنى، أي: يعودون لوطء الذي ظاهر منها، أو امرأة ظاهر منها، أو يعودون لإمساكها. والأصل: عدم الحذف؛ لأن هذا مشترك الإلزام لنا ولكم، فإنكم تقولون أيضاً: لا بد من تقدير مضاف، أي: يعودون لوطء أو لإمساك المقول فيه الظهار، ويدل على جواز كون «ما» في هذا الوجه غير مصدرية ما أشار إليه أبو البقاء، فإنه قال: يتعلق ب «يعودون» بمعنى يعودون للقول فيه، هذا إن جعلت «ما» مصدرية، ويجوز أن تجعلها بمعنى «الذي» ونكرة موصوفة. الثاني: أن «اللام» تتعلق ب «تحرير» ، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: والذين يُظَاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من الظِّهار، ثم يعودون للوطء بعد ذلك. وهذ ما نقله مكي وغيره عن الأخفش. قال أبو حيَّان: «وليس بشيء؛ لأنه يفسد نظم الآية» . وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم فساد النظم مع دلالة المعنى على التقديم والتأخير، ولكن نسلم أن ادِّعاء التقديم والتأخير لا حاجة إليه؛ لأنه خلاف الأصل. الثالث: أن «اللام» بمعنى «إلى» ، و «اللام» و «إلى» يتعاقبان، قال تعالى: ﴿هَدَانَا لهذا﴾ [الأعراف: 43] ، وقال: ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ [الصافات: 23] وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] وقال: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ [هود: 36] قاله الأخفش. الرابع: أنها بمعنى «في» ، نقلها أبو البقاء، ومع ذلك فهي متعلقة ب «يعودون» . الخامس: أنها متعلقة ب «يقولون» . [قال مكي: وقال قتادة: ثم يعودون لما قالوا من التحريم فيحلونه، فاللام على هذا تتعلق ب «يقولون» ] . قال شهاب الدين: «ولا أدري ما هذا الذي قاله مكي، وكيف فهم تعلقها ب» يقولون «على تفسير قتادة، بل تفسير قتادة نص في تعلقها ب» يعودون «، وليس لتعلقها ب» يقولون «وجه» . ونقل القرطبي عن الفرَّاء قال: اللام بمعنى «عن» والمعنى: ثم يرجعون عما قالوا، ويريدون الوطء. وقال أبو مسلم: العود هو أن يحلف أولاً على ما قال من لفظ الظهار، فلو لم يَحْلف لم تلزمه كفارة كما لو قال في المأكول: هو عليَّ حرام كَلَحْمِ الآدمي فلا كفَّارة عليه، فإذا حلف عليه لزمته كفارة يمين. وهذا ضعيف؛ لأن الكفَّارة قد تجب بالجماعِ في الحجّ، وفي رمضان، وفي قتل الخطأ، ولا يمين هناك. قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: فعلية إعتاق رقبةٍ، يقال: حرَّرته، أي: جعلته حرًّا، ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سالمة من كل عيب، ومن كمالها إسلامها كالرَّقبة في كفَّارة القتل، فإذا أعتق نصفي عبدين لم يجزه. وقال الشافعي: يجزيه لأنَّ النِّصفين في معنى العبد الواحد؛ ولأن الكفَّارة في العتقِ طريقها المال، فجاز أن يدخلها التَّبعيض كالإطعام، ودليل الأول قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وهذا الاسم عبارة عن شخص واحد، وبعض الرقبة ليس رقبة؛ ولأنه لو أوصى رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحجّ واحد منهما نصفها، ولو أوصى أن يشتري رقبة فيعتق عنه لم يجز أن يعتق نصف عبدين، كذا ها هنا. وروي عن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إن كان باقيهما حراً صح وأجزأ، وإلاَّ فلا؛ لأن المقصود تكميل الحرية وقد كملت، ولقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيْكٌ فإنْ أعْتِقَ مُكَاتبٌ عَنِ الكفَّارةِ لَمْ يَجْزِهِ» . وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً أجزأه، وإن أعتق بعد أن أدى شيئاً لم يجزه، فإن أعتق ذا رحمه المحرم عن كفارته عتق، ولم يُجْزه عن الكفارة. قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ ، أي: من قبل أن يجامعها، فلا يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير فإن جامعها قبل التَّكفير عصى، ولا يسقط عنه التكفير. وحكي عن مجاهد: أنه إذا وطىء قبل أن يشرع في التكفير لزمه كفَّارة أخرى، وعن غيره أن الكفَّارة الواجبة بالظِّهار تسقط عنه، ولا يلزمه شيء أصلاً؛ لأن الله - تعالى - أوجب الكفَّارة، وأمر بها قبل المسيسِ، فإذا أخَّرها حتى مسَّ فقد فات وقتُها، والصحيح ثبوت الكفَّارة؛ لأنه بوطئه ارتكب إثماً، وذلك ليس بمسقط للكفَّارة، ويأتي بها قضاء كما لو أخَّر الصلاة عن وقتها، وسواء كانت الكفَّارة بالعِتْقِ، أو الصوم، أو الإطعام. وقال أبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: إن كانت بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم، فأما غير الوطء من القبلة والمباشرة والتلذُّذ فلا يحرم في قول أكثر العلماء. * فصل فيمن ظاهر من امرأته مراراً إذا ظاهر مراراً من امرأته ولم يُكفر، فكفَّارة واحدة إلا أن يكون قد كفَّر عن الأول، فعليه للثاني كفَّارة. قال: وينبغي للمرأة ألا تدعه يقربها حتى يكفِّر، فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينها وبينه، ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع. قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارة يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظِّهار وحدها؛ لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة، وامتناع من إيفاء حقّها. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: تؤمرون به. ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ من التَّكفير وغيره. قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ﴾ كقوله في الأوجه الثلاثة المتقدمة من قبلُ، متعلق بالفعل أو الاستقرار المتقدم، أي: فيلزم تحرير، أو صيام، أو فعليه كذا من قبل تماسهما. والضمير في «يتماسَّا» للمظاهر والمظاهر منها لدلالة ما تقدم عليها. فصل إذا لم يجد الرقبة من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، وكان مالكاً لها إلاَّ أنه شديد الحاجة إليها لخدمته، أو كان مالكاً لثمنها إلاَّ أنه يحتاج إليه لنفقته، أو كان له مسكين ليس له غيره، ولا يجد شيئاً سواه فله أن يصوم. وقال أبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا يصوم وعليه العتق، ولو كان محتاجاً إلى ذلك. والصيام الواجب في هذه الكفَّارة أن يصوم شهرين متتابعين، فإن أفطر في أثنائها بغير عُذْرٍ استأنفهما وإن أفطر بعذر من سفر أو مرض، فقال ابن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي: يبني على ما مضى، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. فإن ابتدأ الصيام، ثم وجد الرقبة لم يلزمه الانتقال عنه؛ لأنه أمر به حين دخل فيه. وقال أبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يعتق قياساً على الصغيرة المعتدة بالشهور إذا رأت الدَّم قبل انقضاء عدّتها، فإنها تستأنف الحَيْض إجماعاً، فإن وطىء المظاهر في خلال الشهرين نهاراً بطل التتابع، وإن وطىء ليلاً لم يبطل؛ لأنه ليس محلاًّ للصَّوم. وقال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ومالك: يبطل بكل حال، ويجب عليه ابتداء الكفَّارة لقوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ وهذا شرط عائد إلى جملة الشهرين. ومن طال مرضه طولاً لا يرجى بُرْؤه، وكان بمنزلة العاجز من كبرٍ، فيجوز له العدول عن الصيام إلى الإطعام. فإن كان يرجى بُرْؤه، واشتدت حاجته إلى وَطْءِ امرأته فالاختيار له أن ينتظر البُرْءَ حتى يقدر على الصيام، فإذا كفَّر بالإطعام، ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه. فإن ظاهر وهو موسرٌ، ثم أعسر قبل أن يكفر صام، وإنما ينظر إلى حاله يوم يكفر، ولو جامعها في عدمه وعسره، فلم يكفر حتى أيسر لزمه العِتْق. ولو ابتدأ بالصوم ثم أيسر، قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: فإن كان مضى من صومه صدر صالح كالجمعة وشبهها تمادى، وإن كان يوماً أو يومين ترك الصوم، وعاد إلى العتق، وليس ذلك بواجب عليه. ولو ظاهر عن امرأتين له فأعتق رقبة عن إحداهما لا بعينها لم يجز له وطء واحدة منهما حتى يكفر الكفَّارة الأخرى، ولو عين الكفَّارة عن إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن يكفر الكفَّارة عن الأخرى. قال القرطبي: «ولو ظاهر من أربع نسوة، فأعتق عنهن ثلاث رقاب، وصام شهرين لم يجزه العِتْق ولا الصيام؛ لأنه إنما صام عن كل واحدة خمسة عشر يوماً، فإن كفر عنهن بالإطعام جاز أن يطعم عنهن مائتين مسكين، فإن لم يقدر فرّق بخلاف العتق والصيام؛ لأن صيام الشهرين لا يفرق والإطعام يفرق» . [قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ الآية كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ في الأوجه الثلاثة المتقدمة، و «مِنْ قَبْل» متعلق بالفعل، أو الاستقرار المتقدم، أي: فيلزمه تحرير، أو صيام أو فعليه كذا من قبل تماسهما، والضمير في «يتماسّا» للمظاهر والمظاهر منها لدلالة ما تقدم] . * فصل في الترتيب في كفَّارة الظهار اعلم أن الله - تعالى - أمر بكفَّارة الظهار مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الإعتاق، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد من طعام بمدِّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قال ابن عبد البرّ: والأفضل مُدَّان بمُدِّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا يجزىء عند مالك، والشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أن يطعم أقل من ستين مسكيناً. وقال أبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لو أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاعٍ حتى يكمل العدد أجزأه. وعن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إذا لم يجد إلاَّ مسكيناً واحداً ردد عليه بعدد الأيام. * فصل في نسخ الظهار لما كانوا عليه حكم الظِّهار ناسخ لما كانوا عليه من كون الظِّهار طلاقاً في الجاهلية، روي ذلك عن ابن عباس وأبي قلابة وغيرهما. قوله: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ﴾ . قال الزَّجَّاج: «ذلك» فيه وجهان: الأول: أنه في محل رفع، أي: الغرض ذلك الذي وصفنا من التَّغليظ في الكفَّارة، «لتُؤمِنُوا» أي: لتصدقوا أن الله أمر به. الثاني: فعلنا ذلك للبيان والتعظيم للأحكام لتصدقوا بالله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والعمل بشرائعه، ولا تستمروا على أحكام الجاهلية من جعل الظهار أقوى أنواع الطَّلاق. * فصل في أن الكفارة إيمان بالله تعالى استدلّ بعض العلماء على أنَّ هذه الكفَّارة إيمان بالله تعالى؛ لأنه لما ذكرها وأوجبها، قال جل ذكره: ﴿لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ ، أي: ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا تتعدّوها، فسمى التكفير إيماناً؛ لأنه طاعة، ومراعاة للحد، فثبت أن كل ما أشبهه فهو إيمان. * فصل في معنى الآية معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي: لئلا تعودوا للظِّهار الذي هو منكر من القول وزور. قيل له: قد يجوز أن يكون كلاهما مقصوداً، فيكون المعنى: ذلك لئلا تعودوا، فتقولوا المنكر والزور، بل تدعونهما طاعة لله - سبحانه وتعالى - إذ كان قد حرمهما، ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تكفروا إذا كان الله منع من مَسِيْسهَا وتكفروا إذا كان الله - عَزَّ وَجَلَّ - أمر بالكفَّارة، وألزم إخراجها منكم، فتكونوا بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنها حدود تحفظونها وطاعات تؤدّونها، والطَّاعة لله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إيمان بالله ورسوله. * فصل في إدخال العمل تحت مسمى الإيمان قال ابن الخطيب: استدل من أدخل العمل في مسمى الإيمان بهذه الآية، فقال: إن الله - تعالى - أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين، فدل على أن العمل من الإيمان، ومن أنكر ذلك قال: إنه - تعالى - لم يقل: ذلك لتؤمنوا باللَّهِ بعمل هذه الأشياء، ونحن نقول: المعنى «ذلك لتؤمنوا بالله» والإقرار بهذه الأحكام. * فصل فيمن استدل بهذه الآية على أن أفعال الله معللة بالأغراض استدلت المعتزلة في قوله تعالى «لتؤمنوا» على أن فعل الله معلل بالغرض، وعلى أن غرضه أن تؤمنوا، ولا تستمروا على ما كانوا عليه من الكفر، وهذا يدلّ على أنه - تعالى - أراد منهم الإيمان وعدم الكفر. قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ أي بيّن معصيته وطاعته، فمعصيته الظِّهار، وطاعته الكفارة. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمن جحد هذا وكذاب به، ولم يصدق بأحكام الله تعالى له عذاب جهنم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُحَآدُّونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال المبرد: أصل «المحادّة» الممانعة، ومنه يقال للبواب: حداد، وللممنوع الرزق: محدود. وقال أبو مسلم الأصفهاني: «المحادّة» : مفاعلة من لفظ الحديدِ، والمراد المقاتلة بالحديد، سواء كان ذلك في الحقيقة، أو كان منازعة شديدة شبيهة للخصومة بالحديد. * فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادّين المخالفين لها، قال المفسرون: المُحادة: المُعَاداة والمخالفة في الحدود، وهو كقوله تعالى: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: 13] . وقيل: يحادون الله، أي: أولياء الله كما جاء في الخبر، «مَنْ أهَانَ لِي وليًّا فقدْ بَارَزَني بالمُحاربةِ» . قال الزجاج: المحادّة: أن تكون في حد يخالف حد صاحبك. والضمير في قوله «يحادّون» يمكن أن يرجع إلى المُنافقين، فإنهم كانوا يوادّون الكافرين، ويظاهرونهم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأذلهم الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يرجع لجميع الكُفَّار، فأعلم الله تعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم كبتوا، أي خذلوا. قال المبرد رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: كبت الله فلاناً، أي: أذلّه، والمردود بالذل يقال له مكبوت. وقال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا. وقال قتادة: خزوا كما خزي الذين من قبلهم. وقال ابن زيد: عذبوا. وقال السدي: لعنوا، وقال الفراء: غيظوا يوم الخندق. وقيل: يوم «بدر» . وقيل معنى كبتوا: أي سيكبتون، وهو بشارة من الله للمؤمنين بالنصر، وأخرج الكلام بلفظ الماضي تقريباً للمخبر عنه. وقيل: لغة مذحج. ويحتمل أن يكون لتحقق وقوعه، والمراد بالذين من قبلهم أعداء الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - ﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فيمن حاد الله ورسوله من الذين من قبلهم فيما فعلنا بهم ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ بهذه الآيات ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ يذهب بعزّهم وكبرهم، فبين تعالى أن عذاب المحاربين في الدنيا الذُّل والهوان، وفي الآخرة العذاب الشديد. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه منصوب ب «عذاب مهين» . الثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، فقدره أبو البقاء: يهانون أو يعذبون، أو استقر ذلك يوم يبعثهم، وقدره الزمخشري ب «اذكر» قال: تعظيماً لليوم. الثالث: أنه منصوب ب «لهم» . قاله الزمخشري، أي: بالاستقرار الذي تضمنه لوقوعه خبراً. الرابع: أنه منصوب ب «أحصاه» ، قاله أبو البقاء، وفيه قلق؛ لأن الضمير في «أحصاه» يعود على «ما عملوا» . قوله: «جَمِيعاً» أي: الرجال والنساء، أي: كلهم لا يترك منهم واحداً. وقيل: مجتمعين في حال واحدة ﴿فَيُنَبِّئُهُم﴾ أي: يخبرهم بما عملوا في الدنيا تخجيلاً لهم وتوبيخاً. ﴿أَحْصَاهُ الله﴾ عليهم في صحائف أعمالهم «ونَسُوهُ» حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم. ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي شاهد مطلع وناظر لا يخفى عليه شيء.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.