الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿والذين جَآءُو﴾ . يحتمل الوجهين المتقدمين في «الذين» قبله، فإن كان معطوفاً على «المهاجرين» ، ف «يقولون» حال ل «يحبون» أي: قائلين أو مستأنف، وإن كان مبتدأ ف «يقولون» خبره. فصل هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين؛ لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار. ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ . قال بعض المفسرين: هذا عطف على «المُهَاجرينَ» وهم الذين هاجروا من بعد. وقيل: التابعون لهم بإحسان، ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الأولى منازل المهاجرين، والثانية هي: الذين تبوءوا الدار والإيمان، والثالثة: والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد ألاَّ تخرج من هذه المنازل. وقال بعضهم: كن مهاجراً، فإن قلت: لا أجد، فكن أنصارياً، فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبَّهم، واستغفر لهم كما أمرك الله. وقال مصعب بن سعد: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان، وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه، أنه جاءه رجل فقال: يا ابن بنت رسول الله ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا ابن أخي أنت من قوم قال الله فيهم ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ؟ [الحشر: 8] الآية، قال: لا، قال: فأنت من قوم قال الله فيهم: ﴿والذين تَبَوَّءُو الدار والإيمان﴾ ؟ [الحشر: 9] الآية، قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام، وهي قوله تعالى: ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان﴾ . وروي أن نفراً من أهل «العراق» جاءوا إلى محمد بن علي بن الحسين فسبُّوا أبا بكر وعمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فأكثروا، فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا: لا، قال: أفمن الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم؟ ، قالوا: لا، قال: فقد تبرأتم من هذين الفريقين، أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ، قوموا قد فعل الله بكم وفعل. ذكره النحاس. * فصل في وجوب محبة الصحابة هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لأنه جعل لمن بعدهم حظًّا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم، والاستغفار لهم، ومن أبغضهم أو واحداً منهم، أو اعتقد فيه شرًّا أنه لا حقَّ له في الفيء. قال مالك: من كان يبغضُ أحداً من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكان في قلبه لهم غلّ فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ: ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ﴾ . فصل قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول وإبقاء العقار والأرض بين المسلمين أجمعين كما فعل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمراً فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس فيه، وإن هذه الآية قاضية بذلك، لأن الله - تعالى - أخبر عن الفيء وجعله لثلاث طوائف: المهاجرين والأنصار - وهم معلومون - ﴿والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان﴾ فهي عامة في جميع التابعين والآتين من بعدهم إلى يوم [الدين] . «يروى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج إلى المقبرة، فقال:» السَّلامُ [عليكم] دارَ قَوْم مُؤمِنينَ وإنَّا إن شَاءَ اللَّهُ بكم لاحِقُونَ ودِدْتُ لَوْ رأيتُ إخواننا» قالوا: يَا رسُولَ اللَّهِ، ألَسْنَا إخْوَانَكَ؟ فقَالَ رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَلْ أنتُمْ أصْحَابِي، وإخْواننا الذين لَمْ يأتُوا بَعْدُ، وأنَا فَرَطُهمْ على الحوْضِ» » . فبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن إخوانهم كلُّ من يأتي بعدهم، لا كما قال السُّديُّ والكلبي: إنهم الذين هاجروا بعد ذلك. وعن الحسن أيضاً: أن الذين جاءوا من بعدهم من قصد إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى «المدينة» بعد انقطاع الهجرة. قوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان﴾ . قيل: أمروا أن يستغفروا لمن سبق هذه الأمة من مؤمني أهل الكتاب، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أمرهم أن يستغفروا لهم فَسبُّوهم. وقيل: أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أمر الله سبحانه بالاستغفار لأصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو يعلم أنهم سيُفْتنُونَ. وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أمرهم بالاستغفار لأصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسبوهم، سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «لا تَذْهَبُ هذهِ الأمة حتَّى يلعَنَ آخِرُهَا أوَّلهَا» . وقال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إذا رأيتم الَّذين يسُبُّونَ أصْحَابِي فقُولُوا: لَعَنَ اللَّه شَرَّكُم» . وقال العوام بن حوشب: أدركت هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى تتآلف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم. وقال الشعبي: تفاضلت اليهود والنَّصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى - صلوات الله وسلامه عليه -، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى - صلوات الله وسلامه عليه -، وسئلت الرافضة، من شرُّ أهلِ ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلولٌ إلى يوم القيامة لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله بسفكِ دمائهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلَّة. ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: حسداً وبغضاً، ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ﴾ . للتبليغ فقط بخلاف قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [العنكبوت: 12] فإنها تحتمل ذلك وتحتمل العلة. فصل قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: هذه الآية سبب التعجب من اغترار اليهود لما وعدهم المنافقون من النصر معهم مع علمهم بأنهم لا يعتقدون ديناً ولا كتاباً. قال المقاتلان: يعني عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، وقيل: رفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي، كانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا، ومالوا ليهود قريظة والنضير. والإخوان: هم الإخوة، وهي هنا تحتمل وجوهاً: أحدها: الأخوّة في الكفر؛ لأن اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفرِ بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وثانيها: الأخوّة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة. وثالثها: الأخوّة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. فقالوا لليهود: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ من المدينة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ . وقيل: هذا من قول بني النضير لقريظة، وقولهم: ﴿وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ يعنون محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قالوا: لا نطيعه في قتالكم. وفيه دليل على صحة نبوّة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من جهة الغيب؛ لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم كما قال سبحانه وتعالى: ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم وفعلهم. فقولهم: ﴿وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ أي: في قتالكم أو في خذلانكم. قوله تعالى: ﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ . أجيب القسم المقدر، لأن قبل «إن» لام موطئة حذفت للعلم بمكانها، فإنَّ الأكثر الإتيان بها، ومثله قوله: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: 73] وقد تقدم. قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ . أجيب القسم لسبقه، ولذلك رفعت الأفعال ولم تجزم، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، ولذلك كان فعل الشرط ماضياً. وقال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: قوله تعالى: ﴿لاَ يَنصُرُونَهُمْ﴾ لما كان الشرط ماضياً ترك جزم الجواب انتهى. وهو غلط؛ لأن ﴿لاَ يَنصُرُونَهُمْ﴾ ليس جواباً للشرط بل جواب القسم، وجواب الشرط محذوف كما تقدم وكأنه توهم أنه من باب قوله: [البسيط] 4751 - وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ ... يَقولُ: لا غَائِبٌ مَالِي ولا حَرِمُ وقد سبق أبا البقاء ابنُ عطية إلى ما يوهم شيئاً من ذلك، ولكنه صرح بأنه جواب القسم، فقال: «جاءت الأفعال غير مجزومة في» لا يخرجون ولا ينصرون «؛ لأنها راجعة على حكم القسم لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر» . فقوله: «وفي هذا نظر» يوهم أنه جاء على خلاف ما يقتضيه القياس وليس كذلك، بل جاء على ما يقتضيه القياس. وفي هذه الضمائر قولان: أحدهما: أنها كلها للمنافقين. والثاني: أنها مختلفة بعضها لهؤلاء، وبعضها لهؤلاء. فصل اعلم أنه - تعالى - عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، وقد أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لئن أخرجوا، فهؤلاء المنافقون لا يخرجون معهم، وكان الأمر كذلك؛ لأن بني النضير لما خرجوا لم يخرج معهم المنافقون، وقاتلوا أيضاً فما نصروهم، وهذا كما يقول المعترض الطاعن في كلام الغير: لا نسلم أن الأمر كما تقول، ولئن سلمنا أن الأمر كما تقول إلا أنه لا يفيد ذلك فائدة فكذا هاهنا ذكر تعالى أنهم لا يخرجون معهم، وبتقدير أن ينصروهم إلا أنهم لا بد وأن يتركوا النُّصرة وينهزموا، ويتركوا أولئك المنصورين في أيدي أعدائهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: 23] . [وقيل: معنى لا ينصرونهم: لا يدومون على نصرهم، هذا على أن الضميرين متفقان على اختلاف الضميرين، فالمعنى: لئن أخرج اليهود لا يخرج معهم المنافقون، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقين ليولُّنَّ الأدبار] . قوله تعالى: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ . مصدر من «رُهِبَ» المبني للمفعول، فالرهبة واقعة من المنافقين لا من المخاطبين، كأنه قيل: لأنتم أشد رهوبية في صدورهم من الله، فالمخاطبون مُرْهِبُونَ وهو قول كعب بن زهير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في مدح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط] 4752 - فَلَهْوَ أخْوَفُ عِنْدِي إذْ أكَلِّمُهُ ... وقِيلَ إنَّكَ مَحْبُوسٌ ومَقْتُولُ مِنْ ضَيْغَمٍ بِثَرَاءِ الأرْضِ مُخْدَرُهُ ... بِبَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ و «رَهْبَةً» تمييز. * فصل في معنى الآية المعنى: لأنتم يا معشر المسلمين ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ أي خوفاً وخشية في صدورهم من الله، يعني صدور بني النضير. وقيل: صدور المنافقين، ويحتمل أن يرجع إلى الفريقين، أي: يخافون منكم أكثر مما يخافون من ربهم، «ذَلِكَ» إشارة إلى الخوف أي ذلك الخوف ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ قدر عظمة الله وقدرته حتى يخشوه حقَّ خشيته. قوله تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً﴾ يعني اليهود والمنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين «إلاَّ» إذا كانوا ﴿فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ بالخنادق والدُّروب والحيطان [يظنُّون] أنها تمنعهم منكم، ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ﴾ أي: من خلف حيطانٍ يستترون بها لجبنهم ورهبتهم. قوله: «جَمِيعاً» حال، و ﴿إِلاَّ فِي قُرًى﴾ متعلق ب «يُقَاتِلُونَكُمْ» . وقوله: «جُدُرٍ» . قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «جدار» بالإفراد. وفيه أوجه: أحدها: أنه السُّورُ، والسُّورُ الواحد يعم الجميع من المقاتلة ويسترهم. والثاني: أنه واحد في معنى الجمع لدلالة السياق عليه. والثالث: أن كل فرقة منهم وراء جدار لا أنهم كلهم وراء جدار. والباقون قرأوا: «جُدُر» - بضمتين - اعتباراً بأن كل فرقة وراء جدار، فجمع لذلك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن وثاب والأعمش، ويروى عن ابن كثير وعاصم: بضمة وسكون؛ وهي تخفيف الأولى، وقرأ ابن كثير - أيضاً - في رواية هارون عنه، وهي قراءة كثير من المكيين: «جَدْر» بفتحة وسكون. فقيل: هي لغة في الجدار. وقال ابن عطية: معناه أصل بنيات كالسور ونحوه: قال: ويحتمل أن يكون من جَدْر النخيل أي من وراء نخيلهم. يقال: أجدر النخل إذا طلعت رءوسه أول الربيع. والجدر: نبت، واحده جدرة. وقرىء: «جَدَرٌ» - بفتحتين - حكاها الزمخشري. وهي لغة في الجدار أيضاً. وقرىء: «جُدْر» - بضم الجيم وإسكان الدَّال - جمع الجدار. قال القرطبي: ويجوز أن تكون الألف في الواحد كألف «كتاب» وفي الجمع كألف «ظِراف» ومثله «ناقة هجان، ونوق هجان» لأنك تقول في التثنية «هجانان» ، فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى. قاله ابن جني. قوله: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ . «بَيْنَهُمْ» متعلق ب «شديد» و «جميعاً» مفعول ثانٍ، أي: مجتمعين. وقوله: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ . جملة حالية، أو مستأنفة للإخبار بذلك. والعامة على «شتى» بلا تنوين، لأنها ألف تأنيث. ومن كلامهم: «شَتَّى تئوب الحلبة» أي متفرقين. وقال آخر: [الطويل] 4753 - إلَى اللَّهِ أشْكُو نِيَّةً شَقَّتِ العَصَا ... هِيَ اليَوْمَ شَتَّى، وهيَ أمْسِ جَمِيعُ وقرأ مبشر بن عبيد: «شَتًّى» منونة، كأنه جعلها ألف الإلحاق. وفي قراءة ابن مسعود: «وقُلُوبُهُمْ أشتُّ» يعني أشد تشتيتاً أي أشد اختلافاً. * فصل في معنى الآية معنى ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ بالكلام والوعيد لنفعلن كذا. وقال السُّدي: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحدٍ. وقيل: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ إذا لم يلقوا عدوًّا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، وإذا لقوا العدو انهزموا. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ . يعني اليهود والمنافقين. قاله مجاهد. وعنه أيضاً: يعني المنافقين. وقال الثوري: هم المشركون وأهل الكتاب. وقال قتادة: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ أي: مجتمعين على أمْر ورأي. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ : أي: متفرقة فأهل الباطل مختلفة آراؤهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. وعن مجاهد أيضاً: أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا يقوي أنفس المؤمنين عليهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك التشتيت والكفر بأنهم قوم لا يعقلون أمر الله. وقيل: لا يعقلون ما فيه الحظ لهم. وقيل: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم. قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . خبر مبتدأ مضمر، أي: مثلهم مثل هؤلاء. و «قريباً» فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بالتشبيه المتقدم، أي: يشبهونهم في زمن قريب سيقع لا يتأخر، ثم بين ذلك بقوله: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ . والثاني: أنه منصوب ب «ذاقوا» أي: ذاقوا في زمن قريب. أي: ذاقوه في زمن قريب سيقع ولم يتأخّر. وانتصابه في وجهيه على ظرف الزَّمان. * فصل في معنى الآية يعني مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم. قال ابن عباس: يعني به بني قينقاع أمكن الله منهم قبل بني النضير. وقال قتادة: يعني بني النضير أمكن الله منهم قبل قريظة، وكان بينهما سنتان. وقال مجاهد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يعني كفَّار قريش يوم بدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير قاله مجاهد. وكانت غزوة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، فلذلك قال: «قَرِيباً» . وقيل: هو عامٌّ في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير من نوح إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. «وَبَالَ أمرهم» أي: جزاء كفرهم. ومن قال: هم بنو قريظة جعل «وبَالَ أمْرِهِمْ» نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي [الذرية] . وهو قول الضحاك. ومن قال: المراد بنو النضير، قال: «وبَالَ أمْرِهِمْ» الجلاء والنفي، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر﴾ . هذا مثل ضربه الله للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الرجاء في نصرتهم، وحذف حرف العطف ولم يقل: وكمثل الشيطان، لأن حذف حرف العطف كثير، كقولك: أنت عاقل، أنت كريم، أنت عالم. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ كالبيان لقوله ﴿كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ . فصل روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أن الإنسان الذي قال له الشيطان: اكفر؛ راهب، نزلت عنده امرأة أصابها لممٌ ليدعو لها فزيّن له الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفاً أن يفتضح، فدلّ الشيطان قومها على موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده إن سجد له أنجاه من هذه الورطة منهم فسجد فتبرّأ منه فأسلمه، ذكره القاضي إسماعيل، وعلي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزرقي، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذكر خبره طويلاً. وذكر ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ أنه كان راهب في الفترة يقال له: برصيصا، قد تعبد في صومعته سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين حتى أعيا إبليس، وذكر خبر برصيصا بتمامه. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: فضرب الله ذلك مثلاً للمنافقين مع اليهود، وذلك أن الله - تعالى - أمر نبيه أن يُجلِيَ بني النضير من «المدينة» ، فدس إليهم المنافقون ألاَّ تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم قاتلنا معكم، وإن أخرجوكم كنا معكم، فحاربوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فخذلهم المنافقون وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا العابد. وقيل: المعنى مثل المنافقين في غدرهم لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش: ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: 48] الآية. وقال مجاهد: المراد بالإنسان ها هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم. ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر﴾ . أي: أغواه حتى قال: إنِّي كافر، وليس قول الشيطان: ﴿إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين﴾ حقيقة، إنما هو على وجه التبرُّؤ من الإنسان، فهو تأكيد لقوله تعالى: ﴿إِنِّي برياء مِّنكَ﴾ . وفتح الياء من «إني» نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأسكن الباقون.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.