الباحث القرآني

قوله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾ . «ما» شرطية في موضع نصب ب «قطعتم» ، و «من لينة» بيان له، و «فبإذن الله» جزاء الشرط، فلا بد من حذف، أي: فقطعها بإذن الله، فيكون «بإذن الله» الخبر لذلك المبتدأ. واللِّيْنة: فيها خلاف كبير. قيل: هي النَّخْلة مطلقاً. وأنشد الشاعر في ذلك: [الطويل] 4737 - كَأنَّ قُتُودِي فوقهَا عُشُّ طَائرٍ ... عَلَى لِينَةٍ سَوْقاءَ تَهْفُو جُنُوبُهَا وقال ذو الرمة: [الطويل] 4738 - طِرَاقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ ... نَدَى لَيْلهِ فِي رِيشِهِ يَتَرقْرَقُ وقيل: هي النَّخْلة ما لم تكن عجوة. قاله الزهري، ومالك، وسعيد بن جبير وعكرمة، والخليل. وقيل: ما لم تكن عجوة ولا برنيَّة، وهو قول أبي عبيدة. قال جعفر بن محمد: هي العجوة خاصة، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح في السفينة والعتيق: الفَحْل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها، فلذلك شقّ على اليهود قطعها حكاه الماوردي. وقيل: هي النَّخْلة الكريمة، أي: القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش رحمة الله عليه: [الخفيف] 4739 - قَدْ شَجَانِي الحمَامُ حِينَ تَغَنَّى ... بِفِراقِ الأحْبَابِ مِنْ فَوْقِ لِينَهْ وقال سفيان بن عيينة: هي ضرب من النخل، يقال لثمره: اللَّون. تمره أجود التَّمر، وهو شديد الصُّفرة يرى نواه من خارجه، ويغيب فيه الضِّرْس، النخلة منها أحب إليهم من وصيف. وقيل: هي الفَسِيْلة؛ لأنها ألينُ من النخلة. وأنشد: [الخفيف] 4740 - غَرَسُوا لِينَةً بِمَجْرَى مَعِينٍ ... ثُمَّ حَفُّوا النَّخِيلَ بالآجَامِ وقيل: اللينة هي الأشجار كلها للينها بالحياة، وأنشد بيت ذي الرمة المتقدم. وقال الأصمعي: إنها الدَّقَل. قال: وأهل «المدينة» يقولون: لا تنتفخ الموائد حتى توجد الألوان يعنون الدَّقل. قال ابن العربي: «والصَّحيح ما قاله الزهري ومالك» . وفي عين «لينة» قولان: أحدهما: أنها «واو» ؛ لأنها من اللون، وإنما قلبت ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها ك «ديمة» و «قيمة» . الثاني: أنها «ياء» ؛ لأنها من اللين. وجمع اللينة «لين» ؛ لأنه من باب اسم الجنس ك «تمرة، وتمر» . وقد كسر على «ليان» وهو شاذّ؛ لأن تكسير ما يفرق بتاء التأنيث شاذ ك «رطبة ورطب وأرطاب» . وأنشد: [المتقارب] 4741 - وسَالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِّيَا ... نِ أضْرَمَ فيهَا الغَويُّ الشُّعُرْ والضمير في قوله «تَرَكْتُمُوهَا» عائد على معنى «ما» . قوله: «قَائِمَةً» . قرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي: «قُوَّماً» على وزن «ضُرَّباً» جمع «قائم» مراعاة لمعنى «ما» فإنه جمع. وقرأ عبد الله، ﴿ما قطعتم من لينةٍ ولا تركتموها على أصولها﴾ أي: لم تقطعوها. وقرىء: «قَائِماً» مفرداً مذكراً. وقوله: ﴿أُصُولِهَا﴾ . قرىء: «أصْلها» بغير «واو» ، وفيه وجهان: أحدهما: أنه جمع «أصل» نحو: «رَهْن ورُهُن» . والثاني: أن يكون حذف الواو استثقالاً لها، واكتفى بالضمة عن «الواو» . * فصل في نزول الآية روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما نزل بنو النضير، وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ذلك، وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصَّلاح، أفمن الصلاح قطع الشجر وعَقْر النخل؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فوجد المسلمون في أنفسهم وخشوا أن ذلك فساداً، واختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنها مما أفَاءَ اللَّه علينا. وقال بعضهم: بل نُغيظهم بقطعها، وأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم. وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: حرَّق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نخل بني النضير وقطع وهي «البُويرة» ، فنزل: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله﴾ أخبر في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه «فبإذْنِ الله» أي: بأمره ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسقين﴾ . و «اللام» في «ليخزي» متعلقة بمحذوف أي: أذن في قطعها ليسرَّ المؤمنين ويعزهم ويخزي الفاسقين. * فصل في هدم حصون الكفار احتجُّوا بهذه الآية على أنَّ حصون الكفرة وديارهُم يجوز هدمُهَا وتحريقُهَا وتغريقها وأن ترمى بالمجانيق وكذلك أشجارهم. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنهم قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال. وروي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة والآخر اللون، فسألهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال هذا: تركتها لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقال الآخر: قطعتها غيظاً على الكُفَّار. واستدلوا به على جواز الاجتهاد بحضرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قال الماوردي رَحِمَهُ اللَّهُ: في هذه الآية دليل على أن كل مجتهد مصيب. وقال إلكيا الطبري: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بين أظهرهم، ولا شكَّ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربي: وهذا باطل لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنما يدل على اجتهاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيما لم ينزل عليه أخذاً بعموم الأذية للكفار، ودخولاً في الإذْنِ للكل فيما يقضي عليهم بالبوارِ، وذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسقين﴾ . قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ الآية. قال المبرد: «يقال: أفاء يفيء، إذا رجع، وأفاء الله، إذا رده» . وقال الأزهري: «الفَيْء: ما رده الله على أهل دينه من أموالٍ بلا قتالٍ إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخْلُوهَا للمسلمين، أو يصالحون على جزيةٍ يؤدّونها عن رءوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفكِ دمائهم، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على أن لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح، ويتركوا الباقي، فهذا المال هو الفيءُ، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أي: رده من الكفار على المسلمين» . وقوله: «مِنْهُمْ» أي: من يهود بني النضير. قوله: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ﴾ . الفاء جواب الشرط، أو زائدة، على أنها موصولة متضمنة معنى الشَّرط، و «ما» نافية. والإيْجَاف: حمل البعير على السَّير السريع، يقال: وجف البعير والفرس إذا أسرع، يَجِفُ وجْفاً ووَجِيفاً ووجفَاناً، وأوجفته أنا إيجافاً، أي: أتعبته وحركته. قال العجاج: [الرجز] 4742 - نَاجٍ طَوَاهُ الأيْنُ مِمَّا وجَفَا ... وقال نصيب: [الطويل] 4743 - ألاَ رُبَّ رَكْبٍ قَدْ قطَعْتُ وجيفَهُمْ ... إلَيْكَ ولوْلاَ أنْتَ لَمْ يُوجفِ الرَّكْبُ قوله تعالى: ﴿مِنْ خَيْلٍ﴾ . «من» زائدة، أي: خيلاً، والرِّكاب: الإبل، واحدها: راحلة، ولا واحد لها من لفظها. قال ابن الخطيب: والعرب لا يطلقون لفظ الرَّاكب إلاَّ على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً. والمعنى: لم تقطعوا إليها شُقَّة، ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، وإنما كانت من «المدينة» على ميلين قاله الفراء. فمشوا إليها مشياً ولم يركبوا خيلاً، ولا إبلاً إلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقيل: إنه ركب جملاً. وقيل: حماراً مخطُوماً بليفٍ، فافتتحها صُلْحاً. قال ابن الخطيب: إن الصحابة طلبوا من الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أن يقسم الفَيْءَ بينهم كما يقسم الغنيمة بينهم، فذكر الله - تعالى - الفرق بين الأمرين، وأن الغنيمة هي التي أتعبتم أنفسكم في تحصيلها، وأما الفيءُ فلم يوجف عليه بخيل ولا ركابٍ، فكان الأمر فيه مفوضاً إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يضعه حيث يشاء. وها هنا سؤال، وهو أن أموال بني النَّضير أخذت بعد القتال؛ لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنائم لا من جملة الفيء؟ فلهذا السؤال ذكر المفسرون ها هنا وجهين: الأول: أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير؛ لأنهم أوجفوا عليه بالخيل والرِّكاب، وحاصرهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمسلمون، بل هي فيء «فَدَك» ؛ لأن أهله انجلوا عنه، فصارت تلك القرى والأموال التي في يد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من غير حربٍ، فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يأخذ من غلَّة «فدك» نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل الباقي للسِّلاح والكراع، فلما مات رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ادعت فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنه كان نحلها «فدكاً» ، فقال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أنت أعز الناس علي فقراً، وأحبهم إلي غنى، لكني لا أعرف صحة قولك، ولا يجوز لي أن أحكم بذلك، فشهدت لها أم أيمن ومولى للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فطلب منها أبو بكر الشَّاهد الذي يجوز شهادته في الشرع فلم يكن فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول، ويجعل ما يبقى في السلاح والكُراع. وكذلك عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - جعله في يد علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يجريه على هذا المجرى، ورد هذا في آخر عهد عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وقال: إن بنا غنًى وبالمسلمين إليه حاجة. وكان عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يجريه كذلك، ثم عاد إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فكان يجريه هذا المجرى، والأئمة الأربعة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - اتَّفقوا على ذلك. والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في بني النضير وقراهم، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كبيرة، وإنما كانوا على ميلين من «المدينة» ، فمشوا إليها مشاة، ولم يركب إلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلما كانت المقاتلة قليلة، والخيل والركاب غير حاصل أجراه الله - تعالى - مجراه ما لم يحصل فيه المقاتلة أصلاً، فخص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بتلك الأموال فروي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قسمها بين المهاجرين، ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً منها إلا ثلاثة نفرٍ كانت بهم حاجة: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة. قال بعض العلماء: لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم منها حظ كالغنائم، فبين الله - تعالى - أنها فيءٌ، وكان قد جرى بعض القتال؛ لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، ولم يكن قتالٌ على التحقيق، بل جرى مبادىء القتال، وجرى الحصار، فخص الله - تعالى - تلك الأموال برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال مجاهد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: علمهم الله - تعالى - وذكرهم أنه إنما نصر رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونصرهم بغير كراع ولا عدة. ﴿ولكن الله يسلط رسله على من يشاء من عباده﴾ من أعدائه. وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دون أصحابه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله﴾ . قال الزمخشري: «لم يدخل العاطف على هذه الجملة؛ لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها» . قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هي «قريظة» و «النضير» ، وهما ب «المدينة» و «فدك» وهي على ثلاثة أميال من «المدينة» و «خيبر» ، وقرى «عرينة» و «ينبع» جعلها الله - تعالى - لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين أن في ذلك المال الذي خصه الله - تعالى - لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سُهماناً لغير الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تطييباً منه لعباده. * فصل في المراد بذي القربى قال ابن الخطيب: أجمعوا على أن المراد بذي القربى بنو هاشم، وبنو المطلب. وقال القرطبي: وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها على معناهما هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال؟ . فقال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ منسوخ بآية «الأنفال» من كون الخمس لمن سمي له، والأخماس الأربعة لمن قاتل، وكان في أول الإسلام تقسم الغنيمة على هذه الأصناف، ولا يكون لمن قاتل عليها شيء، وهذا قول يزيد بن رومان، وقتادة وغيرهما، ونحوه عن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. وقال بعضهم: ما غنمتم بصُلْح من غير إيجاف خيل، ولا ركاب، فيكون لمن سمى الله تعالى فيه فيئاً، الأول للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاصة إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. وقال معمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الأولى: للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. والثانية: هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه. والثالثة: الغنيمة في سورة «الأنفال» للغانمين. وقال الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وبعض العلماء: إنَّ معنى الآيتين واحد، أي: ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهمٍ، أربعة منها لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويقسم الخمس الباقي على خمسة أسهمٍ؛ سهم لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيضاً، وسهم لذوي القُرْبى، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب؛ لأنهم منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء. وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. وأما بعد وفاة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فالذي كان من الفيء لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يصرف عند الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في قول إلى المجاهدين المترصّدين للقتال في الثُّغُور؛ لأنهم القائمون مقام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وفي قول آخر: يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثُّغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهي لمصالح المسلمين بعد موته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بلا خوف، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ لي مِنْ غَنائِمكُمْ إلاَّ الخمسُ، والخمسُ مردودٌ فِيْكُم» . وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة عنه يصرف في مصالح المسلمين، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّا لا نُورثُ ما تركناهُ صدقة» . وقيل: كان مال الفيء لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ فأضافه إليه، غير أنه كان لا يتأثّل مالاً، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال ابن العربي رَحِمَهُ اللَّهُ: لا إشكال أنها ثلاثة معانٍ في ثلاث آيات: فالآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر﴾ [الحشر: 2] ، ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ يعني: من أهل الكتاب معطوفاً عليهم ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ يريد - كما بينا - فلا حق لكم فيه، ولذلك قال عمر: كانت خالصة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعني بني النضير، وما كان مثلها فهذه آية واحدة، ومعنى متحد. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ ، وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول وسمى الآية الثانية آية الغنيمة، ولا شك في أنه معنى آخر باستحقاق آخر لمستحق آخر، بيد أن الآية الأولى والثانية مشتركتان في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئاً أفاء الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية «الأنفال» أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ ، عن ذكر حصوله بقتال، أو بغير قتال، فمن ها هنا نشأ الخلاف. فقالت طائفة: هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصُّلح كله ونحوه. وقالت طائفة: هي ملحقة بآية «الأنفال» ، واختلفوا هل هي منسوخة كما تقدم أو محكمة؟ . قال القرطبي: «وإلحاقها بالتي قبلها؛ لأن فيه تجديد فائدة ومعنى» . وقد قيل: إن سورة «الحشر» نزلت بعد «الأنفال» ، ومن المُحَال أن ينسخ المتقدم المتأخر. * فصل في أموال الأئمة والولاة الأموال التي للأئمة والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب: الأول: ما أخذ من المسلمين على طريق التَّطهير لهم كالصَّدقات والزكوات. والثاني: الغنائم، وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكفار بالحرب والقهر والغلبة. والثالث: الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفواً صفواً من غير قتال، ولا إيجاف كالصلح والجزية والخراج والعُشُور والمأخوذ من تجار الكفار. ومثله أن يهرب المشركون، ويتركون أموالهم، أو يموت منهم أحد في دار الإسلام ولا وارث له. فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملون عليها حسب ما ذكره تعالى في سورة التوبة. وأما الغنائم فكانت في صدر الإسلام للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يصنع فيها ما شاء كما قال في «الأنفال» : ﴿قُلِ الأنفال لِلَّهِ والرسول﴾ [الأنفال: 1] ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الآية وقد مضى وأما الفيء وقسمته وقسمة الخمس سواء. قال القرطبي: «والأمر فيهما عند مالك إلى الإمام، فإن رأى حبسهما لنوازِلَ تنزل بالمسلمين فعل، وإن رأى قسمتهما، أو قسمة أحدهما، قسمها كلها، أو قسم أحدهما بين الناس، ويستوي فيه غريبهم ومولاهم، ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يغنوا، ويعطي ذوي القربى من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الفيءِ سهمهم على ما يراه الإمام، وليس لهم حد معلوم» . وهل يعطي الغني منهم؟ . فأكثر الناس على إعطائه؛ لأنه حق لهم. وقال مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا يعطي منهم غير فقرائهم؛ لأنه جعل لهم عوضاً من الصدقة. وقال الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: إن ما حصل من أموال الكفار بغير قتال كان يقسم في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على خمسة وعشرين سهماً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عشرون سهماً يفعل فيها ما يشاء، والخمس يقسم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة. قال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي: وهذا القول ما سبقه به أحد علمناه، بل كان ذلك خالصاً له كما ثبت في الصحيح عن عمر مبيناً للآية، ولو كان هذا لكان قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ القيامة﴾ [الأعراف: 32] يجوز أن يشركهم فيها غيرهم. * فصل في تقسيم هذه الأموال وتقسم هذه الأموال المتقدم ذكرها في البلد الذي جُبِيَ فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلاَّ أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة شديدة، فينتقل إلى أهل الفاقة حيث كانوا كما فعل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في أعوام «الرَّمادة» وكانت خمسة أعوام أو ستة. وقيل: عامين. وقيل: عام اشتدّ فيه الطَّاعون مع الجوع، وإن لم يكن ما وصفناه. ورأى الإمام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين، ويبدأ بمن أبوه فقير، والفيء حلال للأغنياء، ويساوي فيه بين الناس، إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة، والتفضيل فيه إنما يكون فيه على قدر الحاجة، ويعطي منه الغرماء ما يؤدون به ديونهم، ويعطي منه الجائزة والصِّلة إن كان ذلك أهلاً، ويرزق القضاة والحكام، ومن فيه مصلحة للمسلمين، وأولاهم بتوفير الحظ منهم أعظمهم للمسلمين نفعاً، ومن أخذ من الفيء شيئاً في الديوان كان عليه أن يغزو إذا وقع الغزو. قوله تعالى: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً﴾ . قرأ هشام: «تكون» بالتاء والياء، «دولة» بالرفع فقط، والباقون: بالياء - من تحت - ونصب «دولة» فأما الرفع فعلى أن «كان» تامَّة، وأما التذكير والتأنيث فواضحتان؛ لأنه تأنيث مجازي. وأما النصب فعلى أنها الناقصة، واسمها ضمير عائد على الفيء، والتذكير واجب لتذكير المرفوع، و «دولة» خبرها. وقيل «دولة» عائد على «ما» اعتباراً بلفظها. وقرأ العامة: «دولة» بضم الدال. وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والسلمي: بفتحها. فقيل: هما بمعنى، وهو قول عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي، وهو ما يدولُ للإنسان، أي: ما يدور من الجد والغنى والغلبة. وقال الحُذَّاق من البصريين والكسائي: «الدَّوْلة» - بالفتح - من المُلك - بضم الميم -، وبالضم من «المِلْك» - بكسرها - أو بالضم في المال، وبالفتح في النُّصْرة. وهذا يرده القراءة المروية عن علي والسلمي، فإن النصرة غير مرادة قطعاً، و «كي لا» علة لقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ أي: استقراره لكذا لهذه العلة. قال المبرد: الدولة اسم للشَّيء الذي يتداوله القوم بينهم. والدولة - بالفتح - انتقال حال سارة من قوم إلى قوم، فالدُّولة - بالضم - اسم لما يتداول، وبالفتح مصدر من هذا، ويستعمل في الحالة السارّة التي تحدث للإنسان، فيقال: هذه دولة فلان، أي قد أقبل، والمعنى: كي لا يكون الفيءُ الذي حقه أن يعطى للفقراء ليكون لهم بُلغةً يعيشون بها واقعاً في يد الأغنياء ودولة لهم. والمعنى: فعلنا ذلك في هذا الفيءِ، كي لا يقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء منها أيضاً بعد المرباع ما شاء. وفيها يقول شاعرهم: [الوافر] 4744 - لَكَ المِرْبَاعُ مِنْهَا والصَّفَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . يقول: لئلا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. قال الكلبي: إنها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أموال المشركين: يا رسول الله، خُذْ صفيَّك والربح، ودعنا والباقي، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية؛ وأنشد: [الوافر] 4745 - لَكَ المِرْبَاعُ مِنْهَا والصَّفَايَا ... وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفُضُولُ فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [من الأخذ والغلول «فانتهوا» ] . قاله الحسن وغيره. وقال السدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم عنه فلا تطلبوه، قال ابن جريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. * فصل في أن أوامر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أوامر الله تعالى هذه الآية تدل على أن كل ما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر من الله - تعالى - لأن الآية وإن كانت في الغنائم، فجميع أوامره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونواهيه داخل فيها. قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلاً محرماً وعليه ثيابه، فقال: انزع عنك هذا. فقال الرجل: اتقرأ عليَّ بهذه آية من كتاب الله تعالى؟ قال نعم: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ . وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - يقول: سَلُوني عمَّا شئتم أخبركم من كتاب الله - تعالى - وسنة نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: فقلت له: أصلحك الله، ما تقول في المحرم يقتل الزُّنْبُور؟ قال: فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ . وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اقْتَدُوا باللَّذيْنِ من بَعْدِي أبي بَكرٍ وعُمر رضِيَ اللَّهُ عنهُمَا» . حدثنا سفيان بن عيينة بن مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه أمر بقتل الزُّنْبُور. وهذا الجواب في غاية الحسن أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبيَّن أنه يقتدي فيه ب «عمر» ، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بالاقتداء به، وأنَّ الله - تعالى - أمر بقُبول ما يقوله الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسُّنَّة. وسئل عكرمة عن أمهات الأولاد، فقال: هل هُنَّ أحرار؟ فقال: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنكُمْ﴾ [النساء: 59] . وفي «صحيح مسلم» وغيره عن علقمة عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَعَنَ اللَّهُ الواشِمَاتِ والمُسْتوشِمَاتِ والمُتنمِّصَات والمُتَفلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ لخَلْقِ الله» فبلغ ذلك امرأة من «بَنِي أسد» يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعَنُ من لعنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو في كتاب الله تعالى، فقالت: لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه ما تقول، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت: [ ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ . قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى الله عنه. الحديث. * فصل في الكلام على الآية قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ﴾ . وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة، فإن معناه الأمر بدليل قوله تعالى] : ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ . فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر، بدليل ما تقدم، مع قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «إذَا أمَرتكُمْ بشَيءٍ فأتُوا مِنْهُ ما اسْتطعْتُمْ، وإذَا نَهيْتُكُمْ عن شَيْءٍ فانتهُوا» . قوله: ﴿واتقوا الله﴾ أي: عذاب الله، إنه شديد لمن عصاه. وقيل: اتقوا الله في أوامره ونواهيه، فلا تضيعوها، ﴿فإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.