الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآيات. لمَّا بيَّن فساد طريقة أهْل الجاهليَّة فيما يُحَلُّ ويُحَرَّم من المطعُومَات - أتْبَعهُ بالبيان الصَّحِيح. رُوي أنهم قالوا: فما المُحَرَّمُ إذن؟ فنزل: قل يا محمد: «لا أجِدُ في ما أوحِي إليَّ» شيئاً «مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُه» أي: آكِل يَأكُلُه. قوله: «مُحَرَّماً» منصوب بقوله: «لا أجِدُ» وهو صِفَة لمَوْصُوف محذوف؛ حذف لدلال قوله: «على طَاعِم يَطْعَمُهُ» ، والتقدير: لا أجد طعاماً مُحَرّماً، و «عَلَى طَاعِمٍ» متعلِّق ب «مُحَرَّماً» ، و «يَطْعَمُهُ» في محل جرِّ صِفَة ل «طَاعِم» . وقرأ الباقير ونقها مكيِّ عن أبي جَعْفَر -: «يَطَّعِمُهُ» بتشديد الطَّاءِ، وأصلها «يتطعمه» افتعال من الطعم، فأبدلت التاء طاءً لوقوعها بعد طاء للتقارب، فوجب الإدغام. وقرأت عائشة، ومحمَّد بن الحَنَفِيَّة، وأصحاب عَبْد اللَّه بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «تَطَعَّمه» بالتاء من فَوْق وتشديد العَيْن فعلاً مَاضِياً. قوله: «إلاَّ أنْ كَكُون مَنْصُوب على الاسْتثْنَاء، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَّصِل قال أبو البقاء:» استثناء من الجنْس، وموضعُه نَصْب، أي: لا أجد مُحَرَّماً إلا المَيْتَة» . والثاني: أنه مُنْقَطِع، قال مكِّي: «وأن يكُون في مَوْضِع نَصْب على الاستِثْناء المُنْقَطع» . وقال أبو حيان: و «إلاَّ أنْ يكون» استثناء مُنْقَطِع؛ دلالئله كَوْن، وما قَبْلَه عين، ويَجُوز أنْ يكُون مَوْضِعُه نَصْباً بدلاً على لُغَة تَمِيم، ونَصْباً على الاستثناء على لُغَة الحِجَاز، يعني أن الآستثنْاء المُنْقَطِع في لُغَتان: إحداهما: لغة الحَجَاز، وهو وُجُوب النَّصْبِ مطلقاً. وثانيتهما: لغة التَّمِيمِيٍّن - يجعلونه كالمُتَّصِل، فإن كان في الكلامِ نَفْيٌ أو شبْهُه، رُجِّح البدل، وهُنَا الكلام نَفْيٌ فيترَجَّحُ نَصْبُه عند التَّممِيميِّين على البدل، دُون النَّصْب على الاسْتثْنَاء؛ فنصْبه من وَجْهَين، وأمَّا الحِجَاز: فنصبه عِنْدهم من وجْهٍ وَاحِد، وظاهِر كلام أبي القَاسِم الزَّمَخْشَريِّ أن مُتَّصِل؛ فإنه قال: «مُحَرَّماً» أي: طعَاماً مُحَرَّماً من المطاعِم التي حَرَّمْتُمُوهَا إلاَّ أن يكُون مَيْتَة، أي: إلاَّ أن يكون الشَّيء المُحَرَّم مَيْتة. وقرأ ابن عامر في روايةٍ: «أوحَى» بفتح الهمزة والحَاءِ منبيا للفَاعِل؛ وقوله تعالى: ﴿قُلءَآلذَّكَرَيْنِ﴾ وقوله: «نَبِّئُونِي» ، وقوله أيضاً: «آلذّكَرَيْن» ثانياً، وقوله: «أمْ كُنْتُم شُهْدَاء» جمل اعْتِرَاض بين المَعْدُودَات الَّتِي وَقَعت تَفْصِيلاً لِثَمانِيَة أزْواج. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: «فإن قُلْت: كيف فَصَل بين المَعْدُود وبين بَعْضِه ولم يُوَالِ بَيْنَه؟ . قلت: قد وقع الفَاصِل بَيْنَهُما اعْتِرَاضاً غير أجْنَبيِّ من المَعْدُود؛ وذلك أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - مَنَّ على عِبَاده بإنْشَاء الأنْعام لمَنَافِهِم وبإياحتها لَهُم، فاعترض بالاحْتِجَاج على مَنْ حَرَّمها، والاحْتِجَاجُ على مَنْ حَرَّمَها تأكيدٌ وتَشديدٌ للتَّحْلِيلن والاعْتِراضَات في الكلامِ لا تُسَاقُ إلا للتَّوْكِيد» . وقرأ ابن عامر: «إلاَّ أنْ تكُون مَيْتَةٌ» بالتَّأنيث ورفع «مَيْتَةٌ» يعني: إلا أن يوجَد مَيْتَةٌ، فتكون تَامَّة عِنْدَه، ويَجُوز أن تكون النَّاقِصَة والخبرُ محذوف، تقديرهُ: إلا أنْ يَكُون هُنَاك مَيْتَة، وقد تقدَّم أن هذا مَنْقُولٌ عن الأخْفَشِ في قوله قبل ذلك ﴿وَإِن يَكُن مَّيْتَةً﴾ [الأنعام: 139] . وقال أبو البقاء: «ويقرأ برفع» مَيْتَةٌ «على أن تكون تامَّة، وهو ضعيف؛ لأن المَعْطُوف مَنْصُوب» . قال شهاب الدِّين: كيف يُضَعَّف قراءة مُتواتِرة؟ وأما قوله: «لأن المَعْطُوف مَنْصُوب» فذلك غير لازم؛ لأن النَّصْب على قِرَاءة مَنْ رَفَع «مَيْتَة» يكون نَسَاٌ على مَحَلِّ «أنْ تَكُون» الواقِعَة مسْتَثْنَاة، تقديره: إلاَّ أن يَكُون مَيْتَة، وإلا دماً مَسْفُوحاً، وإلاَّ لَحْم خِنْزِير. وقال مكِّي: وقرأ أبو جعفر: «إلاَّ أنْ تكُون» بالتَّاء، «مَيْتَةٌ» بالرفع ثم قال: وكان يَلْزَم أبَا جَعْفَر أن يَقْرَأ «أوْ دَمٌ» بالرفع، وكذلك ما بَعْدَه. قال شهاب الدين: هذه قِراءة ابن عامر، نَسَبَها لأبي جَعْفَر يزيد بن القَعْقاع المَدَنِي شَيْخُ نَافِع؛ وهو مُحْتَمل، وقوله: «كان يَلْزَمُه» إلى آخره هو مَعْنى ما ضَعَّفَ به أبُو البقاء هذه القراءة، وتقدَّم جواب ذلك، واتَّقَق أنَّ ابن عامرٍ يقرأ: ﴿وَإِن تَكُنْ مَيْتَةٌ﴾ بالتَّأنيث والرَّفْع وهنا كذلك. وقرأ ابن كثير وحمزة: «تَكُون» بالتَّأنيث، «مَيْتَة» بالنَّصْب على أن اسْم «تكُونَ» مُضْمَر عَائِدٌ على مُؤنَّث أي: إلا أن يكُون المَأكُولُ أوالنَّفْسُ أو الجُثَّةُ مَيْتَة، ويجوز أن يَعُود الضَّمِير من «تكُون» على «مُحَرَّماً» وإنَّما أنَّث الفعل لتأنيث الخبر؛ كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن﴾ [الأنعام: 23] بنصب «فِتْنَتِهم» وتأنيث «تَكُنْ» . وقرأ الباقون: «يَكُونَ» بالتَّذْكير، «مَيْتِةً» نصباً، واسم «يَكُون» يعود على قوله: «مُحَرَّماً» أي: إلاَّ أنْ يَكُون ذلك المُحَرَّم، وقدّره أبُو البقاء ومَكِّي وغيرُهما: «إلاَّ أنْ يكُون المَأكولُ» ، أو «ذَلِك مَيْتَةً» . قوله: «أوء دَماً مَسْفُوحاً» «دماً» على قرءاة العامَّة: معطوفُ على خبر «يَكُون» وهو «مَيْتَة» وعلى قراءة ابن عامرٍ وأبي جعفرك معطوف على المُسَتَثْنَى، وهو «أنْ يَكُون» وقد تقدَّم تحرير ذلك. و «مَسْفُوحاً» صفة ل «دَماً» والسَّفْحُ: الصبُّ، وقيل: «السَّيَلان» ، وهو قريبٌ من الأول، و «سَفَحَ» يستعمل قاصِراً ومتعدِّياً؛ يقال: سَفَحَ زيدٌ دَمْعَه ودَمَهُ، أي: أهْرَاقَه، وسَفَح هُو، إلاَّ أن الفَرق بينهما وَقَع باخْتِلاف المَصدر، ففي المُتعدِّي يقال: سَفْح وفي اللاَّزِم يقال: سُفُوح، ومن التّعَدِّي قوله تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ ؛ فإن اسْم المفعُول التَّامَ لا يُبْنَى إلا مِنْ مُتَعَدِّ، ومن اللُّزُوم ما أنْشَده أبو عبيدة لِكُثَيِّرَة عَزَّة: [الطويل] 2369 - أقُولُ وَدَمْعِي وَاكِفٌ عِنْدَ رَسْمِهَا ... عَلَيْك سلامُ اللَّهِ والدَّمْعُ يَسْفَحُ * فصل فيما كان محرماً بمكة قال القرطبي: «هذه الآية الكَرِيمة مَكِّيَّة، ولم يَكُن في الشَّريعة في ذلك الوَقْت مُحَرَّم غير هذه الأشْيَاء، ثم نزلت سُورة» المائدة «ب» المدينة «وزيد في المُحَرَّمات؛ كالمُنْخَنِقَة، والموْقُوذَة والمُتَرَدِّية، والنَّطِيحَة، والخَمْر، وغير ذلك، وحرَّم رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمَدِينَة أكْلَ كلِّ ذي نَابٍ من السِّبَاع، ومِخْلَب من الطِّيْر» ز * فصل في معنى الدم المسفوح قال ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يريد بالدَّم المَسْفُوح: ما خَرَج من الحيوان وهي أحْيَاء، وما يَخْرُج من الأوْدَاج عن الذَّبْح، ولا يَدْخُل فيه الكَبد والطُّحال؛ لأنهما جَامِدَات وقد جاء الشَّرْع بإباحَتِهما، وما اخْتلط باللَّحم من الدَّم؛ لأنه غير سَائل. قال عِمْرَان بن حُدير: «سألْت أبا مجلز عمَّا يَخْتَلِطُ باللَّحْم من الدَّمِ، وعن القِدْر يُرَى فيها حُمْزة الدِّمِ، فقال: لا بَأسَ به، إنما نُهِي عن الدَّمِ المَسْفُوح» . قال إبْرَاهيم: «لا بأسَ بالدَّم في عِرْق أوْ مُخَّ، إلاَّ المَسْفُوح الذي يتعمد ذلك» . قال عكرمة: «لوْلا هَذِه الآية لاتَّبع المُسْلِمُون من العُرُوق ما تَتبع اليَهُود» . وقوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أي: حَرَامٌ، والهاء «في» فإنَّه «الظاهر عَوْدُها على» لَحْمَ «المضاف ل» خَنْزير» . وقال ابن حزم: إنها تعُود على خنزير؛ لأنه أقَرْب مَذْكُور. ورُجِّحَ الأوَّل: بأنَّ اللَّحم هو المُحَدِّث عنه، والخِنْزير جاء بعَرْضِيَّة الإضافة إليه، ألآ ترى أنَّك إذا قُلْت: «رأيت غُلام زَيْد فأكْرَمْتُه» أنَّ الهاء تعُود على الغُلام؛ لأنه المُحَدَّث عنه المَقْصُود بالإخْبار عنه، لا على زَيْد لأنه غير مَقْصُود. ورُجِّح الثاني: بأن التَّحْريم المُضَاف إلى الخَنْزير ليس مُخْتَاً بلحمه، بل شَحْمه وشَعْره وعَظْمِه وظلفه كذلك، فإذا أعَدْنَا الضَّمِير على خنزير، كان وافياً بهذا المَقْصُود، وإذا أعدْنَاهُ على لحم، لم يكن في الايةِ الكريمة تَعَرُّضٌ لتَحْرِيم ما عَدَا اللَّحم ممَّا ذكر. وأُجيب: بأنَّه إنما اللَّحْم دون غيره، - وإن كان غيره مَقْصُوداً بالتحريم -؛لأنَّه أهَمُّ ما فيه، وأكثر ما يُقْصَد منه اللَّحم كَغَيره من الحَيَوانات - على هذا فلا مَفْهُوم لتَخْصِيص اللَّحْم بالذِّكر، ولو سَلَّمَه، فإنه يكون من باب مَفْهُوم اللَّقَب، وهو ضَعِيف جداً. وقوله: «فإنَّهُ رِجْسٌ» إمَّا على المُبَالغَة بأن جُعِلَ نَفْسَ الرِّجْس، أو على حَذْف مضافٍ، وله نَظَائر. قوله: «أوْ فِسْقاً» فيه ثلاثة أوجُه: أحدها: انه عَطْف على خَبَر «يَكُون» أيضاً، أي: إلا أن يكُون فِسْقاً. و «أهلَّ» في محل نصب؛ لأنه صِفَة له؛ كأنه قيل: أو فِسْقاً مُهَلاً به لِغَيْر اللَّه، جعل العَيْن المُحُرَّمَة نَفْس الفِسْق؛ مُبَالغَة، أو على حَذْف مُضَافٍ، ويُفَسِّره ما تقدَّم من قوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 21] الثاني: أنه مَنْصُوب عَطْفا على محلِّ المسْتَثْنَى، أي: إلا أنْ يكون مَيْتَة أو إلاَّ فِسْقاً، وقوله: «فإنَّه رِجْسٌ» اعْتِرَاض بين المُتعاطِفَيْن. والثالث: أن يكون مَفْعُولاً من أجْلِه، والعَامِل فيه قوله: «أهِلَّ» مقدَّمٌ عليه، ويكون قد فَصَل بين حَرْف العَطْفِ وهو «أوْ» وبَيْن المَعْطُوف وهو اجملة من قوله: «أهِلَّ» بهذا المَفْعُول من أجْلِه؛ ونظيره في تَقْدِيم المَفْعُول له على عَامِلهِ قوله: [الطويل] 2370 - طَرِبْتُ وَمَا شَوْقاً إلى البيضِ أطْربُ ... وَلاَ لِعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ و «أهِلَّ» على هذا الإعْرَاب عَطْفٌ على «يكون» والضَّمِير في «به» عائدٌ على ما عَادَ عليه الضَّمِيرُ المُسْتَتِر في «يَكُون» ، وقد تقدم تَحْقِيقه، قاله الزمخشري. إلاَّ أن أبا حيَّان تعقَّب عليه ذلك؛ فقال: «وهذا إعْرَاب متكَلِّفٌ جداً، وترْكِيبُه على هذا الإعارب خارج عن الفَصَاحةِ، وغير جَائزٍ على قراءة من قرأ» إلا أنْ يكُون مَيْتَةٌ «بالرَّفْع، فيبقى الضَّمير في» به «لَيْس له ما يَعُود عليه، ولا يجوز أن يُتكَلَّف مَحْذُوف حتى يَعُود الضَّمير علي، فيكون التَّقْدير: أو شَيءٌ أهِلَّ لِغَيْر الله به، لأن مِثْل هذا لا يَجُوز إلاَّ في ضَرُورة الشِّعْر» . قال شهاب الدِّين: يَعْنِي بذلك: أنَّه لا يُحْذَف الموصُوف والصِّفَة جُمْلَةً، إلا إذا كان في الكلام «مِنْ» التَّبْعِيضيَّة؛ كقولهم «» مِنَّا ظَعَنَ ومنَّا أقَام «أي: منا فَريقٌ ظعن، ومنَّا فَرِيقٌ أقَام فإن لم يكن فيه» مِنْ «كان ضَرورة؛ كقوله: [الزجر] 2371 - تَرْمِي بِكَفِّيْ كانَ مِنْ أرْمَى البَشَرْ ... أي: بكفَّي رَجُلِ؛ وهذا رأي بَعَضهم، وأما غَيْرَه فَيَقُول: متى دلَّ على المَوْصُوف، حُذَِف مُطْلقاً، فقد يجُوز أن يَرَى الزَّمَخْشَري هذا الرَّأي. * فصل في هل التحريم مَقْصُور على هذه الأشياء؟ ذهب بَعْض أهل العِلْم إلى أن التَّحْريم مَقْصُور على هذه الأشياء؛ يُرْوَى ذلك عن عَائِشة وبان عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قالوا: ويَدْخل في المَيْتَة المُنْخَفِقَة والموْقُوذة وما ذكر [في أوَّل سُورة المائدة، وأكْثَر العُلماء على أنَّ التَّحْرِيم لا يختصُّ بهذه الأشياء مما ذكر، فالمحرم بنص الكتاب ما ذكر] ههنا، وقد حرمت السُّنة أشْيَاء: منها: ما روى ابْن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -؛ قال: «نَهى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ من السِّباع، وكُلِّ ذي مِخْلَب من الطِّيْر» . ومنها: ما أمر بِقَتْلِه بقوله: «خَمْس فواسِق تُقْتَل في الحِلِّ والحَرَم» . ومنها: ما نَهَى عن قَتْلِه؛ كنِهْيه عن قَتْل النَّحْلَة والنَّمْلة؛ فهو حَرَامٌ، وما سوى ذلك فَيُرْجَع إلى الأغْلَب فيه من عَادَات العرب، فما يأكله الأغْلَب مِنْهُم، فهو حلالٌ، وما لا يَأكُلُه الأغْلَب منهم، فهو حَرَام؛ لأن الله - تبارك وتعالى - خاطَبَهم بقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾ [المائدة: 4] فما اسْتَطَابُواه فهو حلال. وقوله: ﴿فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . أباح هذه المُحَرَّمَاتِ عند الاضْطِرار في غير العُدوان، وتقدم الكلام عل نَظِيرها في البقرة. قوله: «وَعَلى الَّذين هَادُوا» متعلَّق ب «حَرَّمْنَا» وقد يُفيد الاخْتِصاص عند بعضهم؛ كالزَّمْخَشَري والرَّازي، وقد صرّح به الرَّازي هنا، أعني: تَقْديم المَعْمُول على عَامِلهِ. وفي «ظفُر» خمس لغات: أعلاها: «ظُفُر» بضم الظَّاءِ والفَاءِ، وهي قرءاة العامَّة. و «ظُفْر» بسكون العين، وهي تَخْفِيف لمَضْمُومِها، وبها قرأ الحسن في رواية وأبيُّ بن كَعْب والأعْرَج. و «ظِفِر» بكسرا لظَّاء والفاء، ونسبها الوَاحِدي قراءة لأبي السَّمال. و «ظِفْر» تكسر الظَّاء وسكون الفَاء، وهي تَخْفيفٌ لمكْسُورها، ونسبها النَّاس للحسن أيضاً قراءة واللغة الخامسة: «أظْفُور» ولم يُقْرأ بها فيما عَلِمْنَا؛ وأ، شدوا على ذلك قول الشاعر: [البسيط] 2372 - مَا بَيْنَ لُقْمِتِهَا الأولَى إذَا انْحَدَرَتْ ... وبَيْنَ أُخْرَى تَلِيها قِيدُ أظْفُورِ وجمع الثُّلاثي: أظْفَار، وجمع أظْفُور: أظافير وهو القياس وأظافِر من غير مَدِّ، وليس بِقِياس؛ وهذا كقوله: [الزجر] 2373 - العَيْيَيْنِ والعَوَاوِر ... وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك في قوله: ﴿مَفَاتِحُ الغيب﴾ [الأنعام: 59] . * فصل في معنى «ذي ظُفُر» قال الواحديُّ اختلفوا في ذِي الظُّفُر: فروى عطاء عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أنه الإبل فقط، ورُوي عنه أيضاً: أنَّه الإبل والنَّعَامة؛ وهو قول مُجَاهد. قوال عِبْد اللَّهِ بْنُ مُسْلِم: «إنَّه كلُّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّير، وكلُّ البَعِير والنَّعامة والإوَزِ والبَط؛ ثم قال: كذلك قال المفسِّرون. وقال ابن الخطيب:» وَسُمِّي الحافر ظفراً على الاسْتِعاَرِة» قال ابْنُ الخطيب أمَّا حمل الظُّفُر على الحَافِر فِبَعِيدٌ من وَجْهَيْن: الأول: أن الحَافِ لا يُسَمَّى ظُفُراً. والثاني: لو كان الأمْر كذلك، لوجب ا، ب يُقَال: إنه - تبارك وتعالى - حَرَّم عليهم كُلَّ حَيَوان له حَافِر، وذلك بَاطِلٌ؛ أن الآية تدلُّ على أنَّ الغَنَم والبَقَر مُبَاحَان لَهُم مع حُصُول الحافِر لَهُم. وإذا ثَبَتَ هذا، فَنَقُول: وجب حَمْل الظُّفُر على المَخَالِبِ والبَرْاثِنِ؛ لأن المَخالِب آلات الجَواَرِد في الاصطِيَاد: والبرارثِن آلات السِّبَاع في الاصْطِيَاد، وعلى هذا التقدير يدخل أنواع الكِلاب والسِّباع والسَّنَانِير، ويدخل فيه الطُّيُور اليت تُصْطَاد؛ لأن هذه الصِّفَة تَعْمُّهُم. وإذا ثبت هذا؛ فنقول: قوله تعالى -: ﴿وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ تخصيصُ هذه الحُرْمَةِ بهم من وجهين: الأول: أن قوله: «وعلى الَّذِي هَادُوا حَرَّمْنَا» كذا وكذا يفيد الحَصْر في اللُّغَة. والثاني: أنه لَوْ كانت هذه الحُرْمَة ثابتَة في حَقِّ الكُلِّ، لم يَبْق لِقَوْله: «وعَلَى الَّذِين هَادُوا حَرَّمْنَا» فائدة؛ فثبت أنَّ تَحْريم السِّبَاع، وذَوِي المخلَب من الطَّير مختفص باليَّهُود، فوجب ألا تكُون مُحَرَّمة على المُسْلِمِين، وعند هذا نَقُول: مَا رُوي أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حرَّم كل ذِي ناب من السِّباع، وكل ذي مِخْلَب من الطَّيْر ضعيفٌ؛ لأنه خبر واحدٌ على خلاف كتابِ اللَّه، فلا يكون مَقْبُولاً، وهذا يُقَوِّي قوله مالِك في هذه المَسْألة. قوله: «وَمَنَ البَقَرِ» فيه وجهان: أحدهما: أنه مَعْطُوف على «كُلِّ ذي» فتتعلَّق «مِنْ» ب «حَرَّمْنَا» الأولى لا الثانية، وإنَّما جيء بالجُمْلَة الثانية مُفسِّرة لما أبْهم في «مِنْ» التَّبْعيضيَّة من المُحَرَّم؛ فقال: «حَرَّمْنَا عَلَيْهم شُحُومَهُمَا» . والثاني: أن يتعلَّق ب «حَرَّمْنَا» المُتَأخِّرة، والتقدير: وحرَّمْنا على الذين هَادُزا من البَقَر والغَنَم وشُحُومَهُمَا، فلا يَجِب هنا تَقْديم المجرُور بها على الفِعْل؛ فيقال: حَرَّمْنا عليهم شُحُوَمُهما من البَقَر والغَنَمِ؛ لئلا يَعُود الضَّمِير على متأخِّر لفظاً ورُتْبَة. وقال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكُون» مِنْ البَقَرِ «متعلِّقاً ب» حَرَّمْنَا الثانية» . قال أبو حيَّان: «وكأنه قد توهَّم أن عَوْد الضَّمير مانِعٌ من التعَلُّق؛ إذ رُتْبَة المجرُور ب» مِن» التَّأخِير، لكن عن ماذا؛ أما عن الفعل فَمْسَلَّم، وأما عن المَفْعُول فغير مُسَلَّم «يعني: أنه إن أراد أنَّ رُتْبَة قوله:» مِنَ البَقَر» التأخير عن شُحُومَهُمَان فيصير التقدير: حرمنا عليهم شُحُومَهُما من البقر؛ فغيرمُسَلَّم، ثم قال أبو حيَّان: «وإن سَلَّمْنا أن رُتْبَته التَّأخير عن الفِعْل والمفعُول، فليس بِمَمْنُوع، بل يَجُوز ذلك كما جَازَ:» ضربَ غُلامَ المْرأة أبُوهَا» و «غُلامَ المرأة ضَرَبَ أبوها» ، وإن كانت رُتْبَة المفْعُول التَّأخير، لكنه وَجَبَ هنا تَقْدِيمُه؛ لعود الضَّمِير الذي في الفاعل الذي رُتْبَتُه التَّقْديم عليه، فكيف بالمَفْعُول الذي هُو والمَجْرُور في رُتْبَةٍ واحِدَةٍ؟ أعني في كَوْنَها فَضْلَه، فلا يبالي فيهما بتَقْدِيم أيَّها شِئْت على الآخَر؛ قال الشاعر: [الطويل] 2374 - ... ... ... ... ... . ... وَقَدْ رَكَدَتْ وَسَطَ السَّماءِ نُجُومُهَا فقدَّم الظَّرْف وجوباً؛ لعود الضَّمير الذي اتَّصل بالفَاعِل على المجْرُور بالظَّرْف «. قال شهاب الدِّين:» لقائل أن يقُول: لا نُسَلِّم أن أبَا البقاء إنما مَنَع لما ذكرت، حتى يُلْزَم بما ألْزَمْتَه، بل قَدْ يَكُون منعه لأمر مَعْنَوِيِّ» . والإضافة في قوله: «شُحُومَهُما» تُفِيد الدَّلالة على تأكييد التَّخْصيص والرَّبْط، إذ لو أتى في الكلام: «مِن البَقَر والغنم حرَّمْنَا عليْهم الشُّحُوم» لكان في الدَّلالة على أنَّه لا يراد إلاَّ شُحُومُ البَقَر والغَنَم؛ هذا كلام أبي حيَّان وهو بَسْط ما قاله الزَّمَخْشَري؛ فإنه قال: «ومن البَقَر والغَنَم حَرَّمْنا عليهم شُحُومَهُما» ؛ كقولك: «مِنْ زَيْد أخَذْت مَالَهُ» تريد بالإضافة زيَادة الرَّبْط. قوله: «إلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورهُمَا» «ما» مَوْصُولة في محل نَصْب على الاستِثْنَاء المُتَّصِل من الشُّحُوم، أيك إن لم يُحَرِّم الشَّحْم المَحْمُول على الظَّهْر، ثم إن شِئت جعَلْت هذا المَوْصُول نعتاً لِمَحْذُوف، أي: إلا الشَّحْم الذي حَمَلَتْهُ ظهورُهُمَا؛ كذا قدَّره أبو حيان، وفيه نظر، لأنه قد نصَّ على أنَّه بذلك غَيْرِه بذلك في مِثْل هذا التقدير: وإن شِئْت جعلْتَهُ موصُوفاٍ بشَيْءٍ محذوف، أي: إلاَّ الذي حملَتْه ظُهُورُهُما من الشَّحْم، وهذا الجَارُّ هو وَصْفٌ معنوي لا صناعي، فإنَّه لو أظْهَر كذا، لكان إعرابُه حالاً. وقوله: «ظُهُورهما» يحتمل أن يكُون من باب قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] ، بالنسبة إلى ضَمِير [البَقَر] والغَنَم من غير نَظِر إلى جَمْعِيَّتهما في المَعْنَى، ويحتمل أن يَكُون جَمَع «الظُّهُور» لأنَّ المُضَافَ إليه جَمْعٌ في المَعْنَى؛ فهو مثل: «قَطَعْتُ رُؤُوس الخرفان» فالتِّثْنِيةَ في مثل هذا مُمْتِنِعَة. * فصل في تفسير الشحم قال ابن عبَّاس: «إلا ما عَلِق بالظَّهْر من الشحم، فإنِّي لم أحرمهُ» وقال قتادة: «إلا ما عَلَق بالظَّهْرِ والجَنْبِ من دَاخِل بُطُونِها» . قال ابن الخطيب: «وأقول: لَيْس على الظَّهْر شَحْمٌ إلا اللحم الأبْيَض السَّمين المُلْتَصِق باللًّحْم الأحْمَر، وعلى هذا التقدير فذلك اللحم السَّمين الملتَصِق يكوم مُسَمَّى بالشَّحم وبهذا التقدير لو حَلَق ألاَّ يأكُل الشَّحْم، وجَبَ أن يَحْنَث إذا أكل ذلك اللَّحْم السَّمين» . قوله: «أو الحَوَايَا» في موضعها من الإعْراب ثلاثة أوجُه: أحدها - وهو قول الكسائي: أنَّها في مَوْضع رفْع عَطْفاً على «ظُهُورُهما» أي: وإلاَّ الَّذي حملَتْه الحَوَاياَ من الشَّحْم، فإنه أيضاً غير مُحَرَّم، وهذا هو الظّاهِر. الثانيك أنَّها في محل نَصْبٍ نَسَقاً على «شُحُومَهُمَا» أي: حَرَّمْنا عليهم الحَوَايَا أيضاً، أو ما اخْتَلَط بعَظْم، فتكون الحوايا والمُخْتَلط مُحَرَّمين، وإلى هذا ذَهَب جماعةٌ قِليلَةٌ، وتكون «أوْ» فيه كَالتَّتِي في قوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] يُراد بها: نَفْي ما يدخُل عليه بطريق الانفِرَاد؛ كما تقول: «هؤلاءِ أهْلٌ أن يُعْصَمْوا فاعْصِ هذا أو هذا» فالمعنى: حرم عليهم هذا وهذا. وقال الزَّمَخْشَرِي: «أو بمنزلتها في قولهم: جَالِس الحسن أو ابن سيرين» . قال أبو حيَّان: «وقال النَّحْويُّون» «أو» في هذا المثال للإباحَةِ، فيجوز له أن يُجَالِسَهُمَا وأن يُجَالِس أحدهُمَا، والأحْسَن في الآية إذا قُلْنَا: إن «الحوايا» معطوفٌ على «شُحُومَهُمَا» ، وأن تكون «أوْ» فيه للتفصيل؛ فصَّل بها ما حرَّم عليهم من البقر والغنم» . قال شهاب الدِّين: هذه العِبارة التي ذكرها الزَّمَخْشَري سبقه إليها الزَّجَّاج فإنه قال: وقال قوم: حُرِّمَت عليهم الثُّرُوب، وأحِلَّ لهم ما حَمَلَت الظُّهُور، وصارت الحوايا أو ما اخْتَلَط بعَظْم نَسَقاً على ما حَرَّم لا على الاستثناء، والمَعْنَى على هذا القول: حُرِّمت عليهم شُحُومَهُمَاً أو الحوايا أو ما اختلط بعَظْمٍ، إلا ما حملت الظُّهُور فإن غير محرَّم، وأدخلت «أو» على سَبِيل الإبَاحَة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] والمعنى: كل هؤلاء أهْلٌ أن يُعْصَى فاعْص هذا أو اعْص هذا و «أو» بَلِغة في هذا المَعْنَى؛ لأنَّك إذا قُلْتَ: «لا تُطِعْ زَيْداً وعَمْراً» فجائز أن تكُون نَهَيْتَي عن طَاعَتهما معاً في حالةٍ، فإذا أطعْتُ زيداً على حَدَته، لم أكُن عَاصياً، وإذا قلت: لا تُطِع زَيْداً أو عمراً أو خالداً، فالمعنى: أن كُلَّ هؤلاءِ أهْلٌ ألاَّ يُطَاع، فلا تُطِع واحداً منهم، ولا تُطِع الجماعة؛ ومثله: جَالِس الحَسَنَ أو أبْنَ سيرين او الشَّعْبي، فليس المَعنى: أني آمُرُكَ بمجَالَسَة واحدٍ منهم، فإن جَالَسْتَ واحِداً منهم فأنْتَ مُصِيبٌ، وإن جَالَسْتَ الجماعة فأنت مُصِيبٌ. وأمَّا قوله: «فالأحْسَنُ أن تكُون» أو «فيه للتَّفْصِيل» فقد سبقه إلى ذلك أبو البقاء فإنه قال: و «أوْ» هنا بِمَعْنة الواو، لتفصِيل مذاهبهم أو لاخْتِلاف أماكمنها، وقد ذَكرَناَه في قوله: ﴿كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى﴾ [البقرة: 135] . وقال ابن عطيَّة ردّاً على هذا القول - أعين كون «الحَوَايَا نَسَقاُ على شُحُومهما -:» وعلى هذا تَدْخُل «الحَوَايَا» في التَّحْريم، وهذا قَوْلٌ لا يعضدُه لا اللَّفْظ ولا المَعْنَى بل يَدْفَعَانه «ولم يبيِّن وجْه الدَّفْع فيها. الثالث: أن» الحَوَايَا «في محلِّ نَصْبٍ عطفاً على المسْتَثْنَى وهو» ما ملت ظُهُورهُمَا «كأنه قيل: إلا ما حَمَلَت الظُّهُور أو الحَوَايا أو إلا ما اختَلَط، نققله مكِّ، وأبو البقاء بدأ به ثم قال:» وقيل «هو مَعْطُوف على الشُّحُوم» . ونقل الواحدي عن الفراء؛ أنَّه قال: يَجُوز أن يكُون في موضع نَصْب بتقدير حذف المضاف على أن يُريدك أو شُحُوم الحَوَايَا فَيَحذِف الشُّحُوم ويكتفي بالحوايا؛ كما قال - تعالى - ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] يريد أهلها، وحكى ابن الأنْبارِي عن أبي عبيد، أنه قال: قلت للفرَّاء: هو بمنزلة قول الشَّاعِر: 2375 - لا يَسْمَعُ المَرْءُ فِيهَا مَا يُؤنَّسُه ... باللَّيْلِ إلاَّ نَئِيمَ البُوم والضُّوَعاَ فقال لي: نَعَم، يذهب إلى أن «الضُّوَع» عَطْف على «النَّئِيم» ولم يُعْطَف على «البُوم» كما عُطِفت الحَوَايَا على «مَا» ولم تُعْطَفْ على الظُهُور. قال شهاب الدِّين: فمقتضى ما حكاه ابن الأنْبَارِيِّ: أن تكون الحَوَايَا «عَطْفاً على» مَا «المسْتَثْنَاه» وفي مَعْنَى ذلك قلقٌ بيِّنٌ. و «الحَوَايَا» قيل: هي المَبَاعِر، وقيل: المصَارين والأمْعَاء، وقيل: كل ما تَحْويه البَطْن فاجْتَمع واسْتَدَار، وقيل: هي الدَّوَّارة الَّتِي في بَطْن الشَّاةِ. واختلف في مُفْرد «الَحَوايَا» فقيل: حَاوِيَة ك «ضَارِبة» ، وقيل: حَوِيَّة ك «طَريفَة» ، وقيل: حَاويَاء ك «قَاصِعَاء» . وجوَّز الفَارِسيُّ أن يكون جَمْعاً لكلِّ واحدٍ من الثلاثة، يعني: أنه صَالِحٌ لذلك، وقال ابن الأعْرَابِيِّ: هي الحَويَّة والحَاوِيَة «ولم يَذْكر الحَاويَاء. وذكر ابن السَّكِّيت الثلاثة فقال:» يقال: «حَاويَة» و «حَوَايَا» مثل «زَاوَيَا» و «رَاوِيَة» و «رَوَايَا» ومهم من يَقُول: «حَويَّة» و «حَوَايَا» ؛ مثل الحَوية التي تُوضَع على البَعِير ويُرْكَبُ فَوْفَها، ومنهم من يَقُول لواحِدَتها: «حَاوِيَاء» وأنشد قول جَرَير: [البسيط] 2376 - تَضْغُو الخَنَانِيصُ والغُولُ الَّتِي أكَلَتْ ... فِي حَاويَاء رَدُومِ اللَّيل مِجْعَار وأنشد ابن الأنْبَاري: [الطويل] 2377 - كَأنَّ نَفِيقَ الحَبِّ فِي حَاوِيَائِهِ ... فَحِيحُ الأفَاعِي أوْ نَقيقُ العَقَارِبِ فإن كان مُفْرَدُها حَاوِيَة، فوزنها فواعِلٌ؛ كَضَاربة وضَوارب ونظيرها في المُعْتَلِّ: هي عَيْن الكَلِمة هَمْزة؛ لأنها ثاني حَرْفِي لين، اكتنفا مَدّة مفَاعِل، فاستُثْقَلت هَمْزَة مكْسُورة فَقُلِبت يَاءً، فاسْتثْقِلت الكَسْرة على اليَاءِ فجُعِلَتْ فَتْحَة، فَتَحرَّك حَرْف العِلَّة وهو اليَاءُ الَّتِي هي لامُ الكملة بعد فَتْحَةٍ، فقُلِبت ألِفاً [فصارت «حَوَايَا» ، وإن شِئْتَ قلت: قُلِبَت الواوُ هَمْزة مَفْتُوحة، فتحركت اليَاءُ وانفتح ما قَبْلَها فقُلبَت ألِفاً] فصارت هَمْزَة مَفْتُوحة بين ألِفين يُشْبِهَانِها فقلبت الهَمْزَة ياءً، وقد تقدَّم تَحْقِيق هذا في قول: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: 58] واخْتِلاف أهل التَّصْريف في ذَلِك. وإن قلنا: إن مُفْرَدها «حَويَة» فوزنها فعائل كَطَرائف، والأصل: حَوَائي فقُلبت الهَمْزَة ياءً مَفْتُوحة، وقلبت اليَاءُ التي هِيَ لامٌ ألِفاً، فصار اللَّفْظُ «حَوَايَا» أيضاً، فالَّفْظُ مُتَّحِد والعَمَل مُخْتَلِف. قوله: «أوْ مَا اخْتَلَطَ بَعَظْم» فيه ما تقدّم في «حَوَايَا» ورأيُ الفرَّاء فيه: أنَّه مَنْصوب نَسَاقً على «ماط المسْتَثْنَاة في قوله:» إلاَّ ما حَمَلتْ ظُهُورهُما» المُرَاد به الألْيَة. وقيل: هو كلُّ شَحْمٍ في الجَنْب والعَيْن والأذُن والقَوَائِم، والمحرَّم الثَّرْبُ وشَحْم الكُلْيَة. فصل قال القرطبي: أخْبَر الله - تعالى - أنه كَتَب تَحْريم هذا عليهم في التَّوْرَاة رداً لِكَذِبهم، ونَصُّهُ فيها: «حرّمتُ عَلَيْكم المَيْتَةَ والذَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِير وكُلَّ دابَّةٍ ليست مَشْقُوقة الحَافِر، وكل حوتٍ ليس في سَفَاسِقٌ» أي: بياضٌ، ثم نسخ الله ذلك كُلَّهُ بشريعة محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأباح لهم ما كان مُحَرَّماً عليهم مِنَ الحيوان، وأزال الحرج بمحمَّد - عليه السلام وألزم الخليقة دين الإسلام، بحلِّة وحرمه وأمره ونهيه، فلو ذَبَحُوا أنعامهم فأكَلُوا ما أحَلَّ لَهُم في التَّوْرَاة وترَكُوا ما حرَّم عليهم فهل يحلُّ لنا؟ قال مَالِكٌ في كِتَاب محمَّد: هي مُحُرَّمة وقال في سماع «المبسوط» : هي محلَّلة؛ وبه قال ابن نافع. وقال ابن القاسم: «أكرَهُه» والصَّحيح حِلُّه؛ لحديث جواب الشَّحْم الذي رَوَاهُ عبد الله بمن مغفل. قوله: «ذَلَك جَزَيْنَاهُمْ» فيه أربعة أوْجُه: أحدهما: أنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: الأمْر ذلك، قاله الحُوفِيُّ؛ ومكِّي وأبو البقاء. الثاني: أنه مُبْتَدأ، والخبرما بعده، والعَائِد مَحْذُوفٌ، أي: ذلك جَزَيْنَاهُمُوه، قاله أبو البقاء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وفيه ضَعْف؛ من حيث إنه حَذَف العَائِد المنْصُوب، وقد تقدّم ما فيه في المَائدةَ في قوله - تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50] وأيضاً فقدَّر العَائِد مُتَّصِلاً، ويَنْبَغي ألا يُقدَّر إلا مُنْفَصِلاً ولكنه يَشْكُل حذفه، وقد تقدَّم تحقيقُهُ في أوّل البقرة. وقال ابن عطيَّة: «ذلك في مَوْضِع رَفْعٍ» ولم يُبَيْنْ على أيِّ الوَجْهيْن المتقدِّمَيْن، ويَنْبَغي أن يُحَمَل على الأوَّل؛ لضعف الثَّاني. الثالث: أنه مَنْصُوب على المَصْدَر، وهو ظاهر كلام الزَّمْخَشَري؛ فإنه قال: «ذلك الجَزَاء جزيْنَاهُم وتَحْريمُ الطِّيِّبات» ، وإلا أن هذا قَدْ يَنْخَدِشُ بما نقله ابن مالك، وهو أنَّ المَصْدَر إذا أشِير إليه، وجب أنْ يُتْبَع بذلك المَصْدَرُ؛ فيقال: «ضَرَبْتُ ذلِك الضَّرْبَ» و «قُمْتُ هذا القِيَامَ» ولو قُلْت: «ضَرَبْت زَيْداً ذَلِك» و «قُمْت هذا» لم يَجزْ، ذكر ذلك في الرَّدَّ على من أجَابَ عن قَوْل المُتَنَبِّي: [الكامل] 2378 - هَذِي، بَرَزْتِ لَنَا فَهِجْتِ رَسِيسا ... ثُمَّ انْصَرَفءتِ وَمَا شَفَيْتِ نَسِيسا فإنهم لَحَّنوا المُتَنَبِي، من حيث إنه حَذَف حَرْف النِّدَاء من اسْم الإشَارة، إذ الأصْل: يَاهَذِي. فأجابوا عنه: بأنَّا لا نُسَلِّم أن «هَذِي» مُنَادى، بل [اسْم] إشارة إلى المَصْدَر، كأنَّه قال: بَرَزْتِ هَذِي البَرْزَة. فردّ ابن مالك هذا الجواب: بأنَّه لا يَنْتَصب اسْمٌ الإشَارة مُشَاراً به إلى المَصْدَر إلا وهو متبوعٌ بالمَصْدَر. وإذا سُلِّم هذا فيكُون ظاهر قَوْل الزَّمَخْشَري: «إنه مَنْصُوب على المَصْدَر» مردوداً بما رُدَّ به الجوابُ عن بَيْت أبي الطَّيب، إلا أن ردّ أبن مالكٍ ليس بِصَحيح؛ لورود اسْم الإشارة مشاراً به إلى المَصْدَرِ غير مَتْبُوع به؛ قال الشاعر: [الطويل] 2379 - يَا عمْرُو إنَّكَ قَدْ مَلِلْت صَحَابَتِي ... وصَحَابَتيكَ إخَالُ ذَالكَ قَليل قال النّحْويُّون: «ذالك» إشارةٌ إلى مَصْدَر «خال» المؤكِّد له، وقد أنْشَده هُوَ عَلَى ذلك. الرابع: أنه مَنْصُوبٌ على أنه مَفْعُول ثانٍ قُدِّم على عَامِله؛ لأن «جَزَى» يتعدِّى لاثْنَين، والتَّقْدير: جَزيْنَاهم ذلك التَّحْريم، وقال أبُو القاء ومكِّي إنَّه في مَوْضع نَصْب ب «جَزَيْنَاهُم» ولم يُبَيِّنَا على أيِّ وَجْهٍ أنتَصَب: هل على المَفْعُول الثَّانِي أو المصدر؟ * فصل في معنى قوله «جزيناهم ببغيهم» والمعنى: إنما خَصَصْنَاهم بهذا التَّحْريم جزاءً على بَغْيِهم، وهو قتلهم الأنْبَياء، وأخْذِهم الرِّبَا، وأكْلِهم أمْوال الناس بالبَاطِل، ونظيره قوله - تعالى -: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160] . قوله: «وإنَّا لَصَادِقُونَ» مَعْمُولة مَحْذُوف، أي: لصادِقُون في إتمام جَزَائِهِم في الآخِرَة؛ إذا هو تَعْرِيضٌ بكَذبهم حَيْث قالُوا: نحن مُقْتَدُون في تَحْريم هذه الأشْيَاء بإسْرَائيل، والمعنى: الصَّادقون في إخْبَارنا عنهم ذلك، ولا يُقَدَّر له مَعْمُول، أي: من شأنِنَا الصِّدْق. قوله: «فإنْ كَذَّبُوكَ» [الضَّمِير في «كَذَّبُوك» ] الظاهر عودُه على اليَهود؛ لأنَّهم أقرب مذكور. وقيل: يعود على المُشْركين، لتقدُّم الكلام معهم في قوله: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ [الأنعام: 143] و ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ﴾ [الأنعام: 144] والمعنى: فإن كذَّبُوك في ادِّعَاء النُّبُوة والرِّسَالة «فَقُلْ ربُّكُم ذو رَحْمَة واسِعَة» فلذك لا يُعَجِّل عليكم بالعُقوبة، ثم أخبرهم بما أعَدَّ لهم، من العذاب في الآخرة، و «لا يردُّ بأسه» أي إذَا جَاء الوَقْت. وقوله: «ذُو رَحْمةٍ» جيء بِهَذه الحُمْلَة اسمِيَّة، وبقوله «ولا يُرَدُّ بأسُهُ» فِعْليَّة [تَنْبيهاً على مُبَالَغة سعَة الرَّحْمة؛ لأن الاسْمِيَّة أدلُّ على الثُّبُوت والتَّوْكيد من الفِعْليَّة. قوله: «عن القَوْم المُجْرِمين» يحتمل أن يكُون من وَضْع الظَّاهِر موضع المُضْمَر] تنبيهاً على التَّسْجِيل عليهم بذلك، والأصل: ولا يُرَد بَأسُه عنكم. وقال أبُو البقاء: «فإن كَذَّبُوك» شُرْطٌ، جوابه: «فَقُل رَبُّكُم ذُو رَحءمَة وَاسِعَةٍ» والتقديرُ: «فقل يَصْفَح عَنْكُم بِتَأخير العُقُوبَة» وهذا تفسير معنى لا إعراب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.