الباحث القرآني

وهي ثلاث عشرة آية، وثلاث مائة وثمان وأربعون كلمة، وألف وخمسمائة وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ الآية. وجه تعلق أول هذه السورة بآخر ما قبلها، هو أن آخر تلك السورة تشتمل على الصفات الجميلة [اللائقة بحضرة الله - تعالى - من الوحدانية وغيرها] ، وأول هذه السورة يشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات. قوله: ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ . هذان مفعولا الاتخاذ. و «العَدو» لما كان بزنةِ المصادر وقع على الواحد فما فوق. وأضاف العدو لنفسه تغليظاً في جرمهم. روى مسلم عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «بعثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنا والزبير والمقداد، فقال:» ائْتُوا روضة «خَاخٍ» فإنَّ بِهَا ظعينةً معها كتابٌ فخذُوهُ مِنْهَا «فانطلقنا تُعادي بنا خيلنَا، فإذا نحن بالمرأة، وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف ولدت إبراهيم بن عبد الرحمن، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتُخرجنَّ الكتاب أو لنلقينَّ الثياب فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل» مكة «يخبرهم ببعض أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: يا حاطب ما هذا؟ فقال: لا تَعْجَلْ عليَّ يا رسول الله، إني كنت أمرأً ملصقاً في قريش - قال سفيان: يقول: كنت حليفاً - ولم أكن من أنفسها، وكان ممن معك من المهاجرين من له قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسَب أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أمَا إنَّهُ قَدْ صَدقَكُمْ «، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنَّهُ شهد بَدْراً، ومَا يُدْريك لعلَّ اللَّه اطلع على مَنْ شَهِدَ بَدْراً، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿سَوَآءَ السبيل﴾ . قيل: اسم المرأة سارة من موالي قريش، وكان في الكتاب: «أما بعد، فإن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له وعده فيكم، فإن الله وليه وناصره» . وقيل: «إن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت [المدينة من مكة ورسول الله] يتجهز لفتح مكة. قيل: كان هذا زمن الحديبية، فقال لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمهاجرةً جئت يا سارة؟ قالت: لا، قال: أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهبت الموالي - تعني قُتِلُوا يوم بدر - وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: فأيْنَ أنت عَن شَبابِ أهْلِ مكَّة؟ - وكانت مغنيةً نائحةً قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدرٍ، فحث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وحملوها وأعطوها، فخرجت إلى مكة، وأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى، وقال: أعطيك عشرة دنانير، وبُرداً على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل «مكَّة» ، وكتب في الكتاب: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يريدكم، فخذوا حذركم، فخرجت سارة، ونزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك، فبعث عليّاً والزبير والمقداد وأبا مرثد الغنوي، وفي رواية: عليّاً وعمار بن ياسر، وفي رواية: عليّاً وعماراً وعمراً والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرساناً، وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة «خاخ» ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلُّوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها، فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا: أين الكتاب؟ فحلفت باللَّه ما معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتاباً فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذَّبنا وسلَّ سيفه، وقال أخرجي الكتاب وإلا والله لأجرّدنّكِ ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها قد خبأته في شعرها - وفي رواية في حُجزتِهَا - فخلُّوا سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأرسل إلى حاطب، فقال: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم، وذكر الحديث» * فصل في النهي عن موالاة الكفار هذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكُفَّار، وقد تقدم نظيره، كقوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ﴾ [آل عمران: 28] . وقوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ﴾ [المائدة: 51] . روي أن حاطباً لما سمع ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ غشي من الفرح بخطاب الإيمان. قوله: «تُلقُون» . فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه تفسير لموالاتهم إياها. الثاني: أنه استئناف إخبار بذلك، فلا يكون للجملة على هذين الوجهين محلّ من الإعراب. الثالث: أنها حال من فاعل «تتَّخذُوا» أي: لا تتخذوا ملقين المودّة. الرابع: أنها صفة لأولياء. قال الزمخشري: «فإن قلت: إذا جعلته صفة وقد جرى على غير من هو له، فأين الضمير البارز، وهو قولك: تلقون إليهم أنتم بالمودّة؟ . قلت: ذاك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال ولو قيل: أولياء ملقين إليهم بالمودة على الوصف لما كان بُدّ من الضمير البارز» . وقد تقدمت هذه المسألة مستوفاة، وفيها كلام مكي وغيره. إلا أن أبا حيّان اعترض على كونها صفة أو حالاً، بأنهم نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقاً في قوله: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ﴾ [المائدة: 51] ، والتقييد بالحال والوصف يوهم جواز اتخاذهم أولياء إذا انتفى الحال أو الوصف. قال شهاب الدين: «ولا يلزم ما قال، لأنه معلوم من القواعد الشرعية، فلا مفهوم لها ألبتة» . وقال الفرَّاء: «تلقون» من صلة «أولياء» . وهذا على أصولهم من أن النكرة توصل لغيرها من الموصولات. قوله: «بِالمَودَّةِ» . في الباء ثلاثة أوجه: أحدها: أن الباء مزيدة في المفعول به، كقوله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: 195] ، وقوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: 25] . والثاني: أنها غير مزيدة، والمفعول محذوف، ويكون معنى الباء: السببية، كأنه قيل: تلقون إليهم أسرار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأخباره بسبب المودة التي بينكم وبينهم. قاله الزجاج. الثالث: أنها متعلقةٌ بالمصدر الدال عليه «تلقون» أي: إلقاؤهم بالمودة. نقله الحوفي عن البصريين [وجعل القول بزيادة الباء قول الكوفيين. إلا أنَّ هذا الذي نقله عن البصريين] لا يوافق أصولهم، إذ يلزم منه حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو لا يجوز عندهم، وأيضاً فإن فيه حذف الجملة برأسها، فإن «إلقاءهم» مبتدأ، و «بالمَودَّةِ» متعلق به، والخبر أيضاً محذوف، وهذا إجحاف. * فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب: في الآية مباحث. الأول: اتخاذ العدو أولياء، كيف يمكن، والعداوة منافية للمحبة؟ . والجواب: لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: 28] . وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «أوْلادُنَا أكْبَادُنَا» الثاني: لم قال: ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ ولم يقل بالعكس؟ . والجواب: أنَّ العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبّة الله ومحبَّة رسوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فتكون محبة العبد من أصل الإيمان بحضرة الله تعالى لعلةٍ، ومحبة حضرة الله - تعالى - للعبد لا لعلة، والذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة؛ ولأن الشيء إذا كانت له نسبة إلى الطرفين، فالطرف الأعلى مقدم على الأدنى. الثالث: قال: «أولياء» ، ولم يقل: ولي العدو أو العدو معرفاً؟ . فالجواب: أن المعرف بحرف التعريف يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة. فصل قال القرطبي: قوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة﴾ يعني بالظَّاهر، لأن قلب حاطب كان سليماً بدليل أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لهم: «أمَّا صَاحبُكمْ فقدْ صَدَقَ» ، وهذا نصٌّ في سلامة فؤاده، وخلوص اعتقاده. * فصل فيمن تطلع على عورات المسلمين قال القرطبي: من كثر تطلّعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله ذلك لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد، ولم ينو الردة عن الدين. وإذا قيل: بأنه لا يكون كافراً بذلك فهل يقتل حدًّا أم لا؟ فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد الحاكم الإمام في ذلك. وقال عبد الملك: إذا كانت عادته تلك قُتِلَ لأنه جاسوس، وقد قال مالك: يقتل الجاسوس لإضراره بالمسلمين، وسعيه بالفساد في الأرض، ولعل ابن الماجشون إنما أخذ التكرار في هذا؛ لأن حاطباً أخذ في أول فعله، فإن كان الجاسوس كافراً، فقال الأوزاعي: يكون نقضاً لعهده، وقال: الجاسوس الحربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا أن يظاهرا على الإسلام فيقتلان. وقد روي عن عليٍّ بن أبي طالبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتي بعين للمشركين اسمه: فُرات بن حيَّان، فأمر به أن يقتل، فصاح: يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟ فأمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فخلي سبيله، ثم قال:» إنَّ مِنكُمْ من أكِلُهُ إلى إيمانِهِ، مِنْهُمْ فُراتُ بنُ حيَّانَ» قوله: «وقَدْ كَفرُوا» . فيه أوجه: أحدها: الاستئناف. الثاني: حال من فاعل «تتخذوا» . الثالث: حال من فاعل «تلقون» ، أي: لا تتولَّوهم أو لا توادوهم وهذه حالهم. وقرأ العامة: «بما» - بالباء -، والجحدري وعاصم في رواية: «لما» - باللام - أي: لأجل ما جاءكم من الحق، فعلى هذا الشيء المكفور به غير مذكور، وتقديره: كفروا بالله ورسوله. قوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ . يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون تفسيراً لكفرهم، فلا محلَّ لها على هذين، وأن يكون حالاً من فاعل «كَفَرُوا» . قوله: «وإيَّاكُمْ» . عطف على» الرَّسُول «وقدّم عليهم تشريفاً له. وقد استدل به من يجوز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله، إذ كان يجوز أن يقال: يخرجونكم والرسول، فيجوز: يخرجون إياكم والرسول في غير القرآن. وهو ضعيف، لأن حالة تقديم الرسول دلالة على شرفه، لا نسلم أنه يقدر على اتصاله. وقد تقدم الكلام على هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتقوا الله﴾ في سورة النساء [131] . قوله: ﴿أَن تُؤْمِنُواْ﴾ مفعول له، وناصبة» يخرجون «أي: يخرجونكم لإيمانكم أو كراهة إيمانكم. فصل قال القرطبي: ﴿أن تؤمنوا بالله﴾ تعليل ل» يخرجون «والمعنى: يخرجون الرسول، ويخرجونكم من» مكة» لأن تؤمنوا بالله، أي: لأجل إيمانكم بالله. قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: إن الكلام فيه تقديم وتأخير، والتقدير: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي، وابتغاء مرضاتي [فلا تلقوا إليهم بالمودة. وقيل: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وابتغآء مَرْضَاتِي﴾ ] شرط وجوابه مقدم، والمعنى: إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي فلا تتَّخذوا عدوي وعدوكم أولياء. قال أبو حيان: ﴿إِن كُنتُم خَرَجْتُمْ﴾ جوابه محذوف عند الجمهور لتقدم «لا تتخذوا» وتقدم، وهو «لا تتخذوا» عند الكوفيين ومن تابعهم. قال الزمخشري: و ﴿إن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ متعلق ب «لا تتخذوا» يعني: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي، وقول النحويين في مثله: هو جواب شرط، جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه انتهى. يريد: أنه متعلق به من حيث المعنى، وأما من حيث الإعراب، فكما قال جمهور النحويين. قوله: ﴿جِهَاداً فِي سَبِيلِي﴾ ﴿وابتغآء مَرْضَاتِي﴾ يجوز أن ينتصبا على المفعول له، أي: خرجتم لأجل هذين، أو على المصدر بفعل مقدر أي: تجاهدون وتبتغون، أو على أنهما في موضع الحال. قوله: «تُسِرُّونَ» . يجوز أن يكون مستأنفاً، ولم يذكر الزمخشري غيره. ويجوز أن يكون حالاً ثانية مما انتصب عنه «تلقون» حالاً. ويجوز أن يكون بدلاً من «تلقون» . قاله ابن عطية. والأشبه أن يكون بدل اشتمال، لأن إلقاء المودة يكون سرًّا وجهراً، فأبدل منه هذا للبيان بأيّ نوع وقع الإلقاء. قال القرطبي: «تُسِرُّونَ» بدل من «تُلْقُونَ» ومبين عنه، والأفعال تبدل من الأفعال كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب﴾ [الفرقان: 68، 69] . وأنشد سيبويه: [الطويل] 4759 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَضرَّمَا ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: أنتم تسرون. قاله ابن عطية. ولا يخرج عن معنى الاستئناف. وقال أبو البقاء: «هو توكيد ل» تلقون «بتكرير معناه» . قال شهاب الدين: «وفيه نظر، لأن الإلقاء أعم من أن يكون سرًّا وجهراً» . وتقدم الكلام على الباء في قوله: «بالمودَّة» . قوله: ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ﴾ . هذه الجملة حال من فاعل «تُسِرُّونَ» ، أي: وأيُّ طائلٍ لكم في إسراركم، وقد علمتم أن الإسرار والإعلان سيان في علمي. و «أعْلَمُ» ، يجوز أن يكون أفعل تفضيل، وهو الظاهر، أي: أنا أعلم من كل أحد بما يخفون، وما يعلنون. وأن يكون فعلاً مضارعاً. قاله ابن عطية، وعُدِّي بالباء، لأنك تقول: علمت بكذا، وعلمت كذا فتكون زائدة. وقيل: وأنا أعلم من كل أحد كما يقال: فلان أعلم وأفضل من غيره. [فإن قيل: لم قدم العلم بالإخفاء على العلم بالإعلان مع أن ذلك مستلزم لهذا من غير عكس؟ . فالجواب هذا بالنسبة إلى علمنا، لا بالنسبة إلى علمه - تعالى - إذ هما سيّان في علمه تعالى؛ لأن المقصود بيان ما هو الإخفاء، وهو الكفر، فيكون مقدماً. فإن قيل: لم لم يقل: بما أسررتم، ثم وما أعلنتم، مع أنه أليق بما سبق في قوله: «تُسِرُّونَ؟» فالجواب: أن فيه من المبالغة ما ليس في ذلك، فإنَّ الإخفاء أبلغ من الإسرار بدليل قوله: ﴿يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] ، أي: أخفى من السِّر] . * فصل في معاتبة حاطب قال القرطبي: وهذا كله معاتبة لحاطب، وهو يدل على فضله وكرامته، ونصيحته للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وصدق إيمانه؛ فإن المعاتبة لا تكون إلا من محبٍّ لحبيب؛ كما قال: [الوافر] 4760 - إذَا ذَهَبَ العِتَابُ فليْسَ وُدٌّ ... ويَبْقَى الودُّ مَا بَقِيَ العِتَابُ * فصل في المراد بالمودة والمراد بالمودّة في الآية النصيحة. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: وأنا أعلم بما أخفيتم في صدوركم، وما أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد. ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أي: من يسر إليهم ويكاتبهم ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل﴾ أي: أخطأ طريق الهدى. قوله: «ومَن يفعلهُ» . في الضمير وجهان: أظهرهما: أنه يعود على الإسرار؛ لأنه أقرب مذكور. والثاني: يعود على الاتِّخاذ. قاله ابن عطية. قوله: ﴿سَوَآءَ السبيل﴾ . يجوز أن يكون منصوباً على الظرف، إن قلنا: ضلَّ قاصر. وأن يكون مفعولاً به، إن قلنا: هو متعد. [فإن قيل: ما الفائدة في قوله «مِنكُمْ» ، ومن المعلوم أن من فعل هذا، فقد ضل سواء السبيل؟ فالجواب: إن كان المراد من قوله: «مِنْكُمْ» هم المؤمنون فظاهر، لأن من يفعل ذلك لا يلزم أن يكون مؤمناً] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.