الباحث القرآني

عليها؛ لضعف قلبها، وقلة هدايتها إلى المخرج منه، بإظهار كلمة الكفر مع التورية، وإضمار الإيمان، ولا يخشى ذلك على الرجل لقوته، وهدايته إلى التقية، فعلى هذا كان رد المهر مندوباً. واختلفوا في أنه يجب به العمل اليوم في رد المال إذا اشترط في معاقدة الكفار فقال عطاء ومجاهد وقتادة: لا يجب، وزعموا أن الآية منسوخة. وقيل: هي غير منسوخة، ويرد إليهم ما أنفقوا. * فصل في معنى الآية. معنى الآية: إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل «مكة» ، وليس بينكم وبينهم عهد، ولها زوج مسلم قبلكم، فغنمتم فأعطوا هذا الزَّوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس، [وهو قول ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما] . وقال الزهري: يعطى من الفيء. وعنه: يعطى من صداق من لحق منا. وقيل: إن امتنعوا من أن يغرموا مهر هذه المرأة التي ذهبت إليهم، فانبذوا العهد إليهم حتى إذا ظفرتم، فخذوا ذلك منهم ﴿واتقوا الله﴾ ، أي: احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به. قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إِذَا جَآءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية. لما فتح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مكة» ، جاءه نساء أهل «مكة» يبايعنه، فأمر أن يأخذ عليهن أن لا يشركن. قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «والله ما أخذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قط إلا بما أمر الله - عَزَّ وَجَلَّ - وما مست كف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كف امرأة قط، وكان يقول إذا أخذ عليهن:» قَدْ بايعْتُكنَّ «كلاماً» وروي أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، بايع النساء، وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن. وقيل: لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا، ومعه عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أسفل منه، فجعل يشترط على النساء البيعة، وعمر يصافحهن. وروي أنَّه كلف امرأة وقفت على الصفا، وكلفها أن تبايعهن، ففعلت. قال ابن العربي: وذلك ضعيف، وإنما التعويل على ما في صحيح مسلم من حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه المتقدم. قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يمتحنهن بقول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إِذَا جَآءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ﴾ إلى آخر الآية، قالت عائشة: «فمن أقر بهذا من المؤمنات، فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» انْطَلقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ «، لا والله ما مَسَّتُ يد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام» وقالت أمُّ عطيَّة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «لما قدم رسول الله المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلَّم فرددن عليه السلام فقال: أنا رسول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إليكن:» ألا تشركن بالله شيئاً «الآية، فقلن: نعم، فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه، ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه. فصل روي «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما فرغ من بيعة الرجال يوم فتح» مكة» ، وهو على الصفا، وعمر بن الخطَّاب أسفل منه يبايع النساء بأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يبلغهن عنه، على ألاَّ يشركن بالله شيئاً، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان منتقبة متنكرة مع النساء خوفاً من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد، فقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيتك أخذته على الرجال، وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام، والجهاد فقط، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ولاَ يَسْرِقْنَ» ، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله قوتنا، فلا أدري أيحلّ لي أم لا؟ . فقال أبو سفيان: ما أًصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر، فهو لك حلال، فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال لها: وإنَّك لهِنْدُ بِنْتُ عتبة؟ قالت: نعم، فاعف عني ما سلف، فقال عَفَا اللَّهُ عنكِ، ثم قال: ﴿وَلاَ يَزْنِينَ﴾ فقالت هند: أو تزنِي الحُرَّة؟ فقال: ﴿وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ ، أي: لا يئدن الموءودات ولا يسقطن الأجنة، فقالت هند: ربَّيناهُمْ صغاراً وقتلتهم كباراً يوم بدر، وأنت أعلم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان - وهو بكرها - قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، وتبسَّم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثم قال: ﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ » قال أكثر المفسرين: معناه لا يلحقن بأزواجهن ولداً من غيرهم، وكانت المرأة تلتقط ولداً، فتلحقه بزوجها وتقول: هذا ولدي منك، فكان هذا من البهتان والافتراء؛ لأن النهي عن الزنا قد تقدم. وقال بعض المفسرين: المرأة إذا التقطت ولداً، كأنَّما التقطت بيدها ومشت برجلها إلى أخذه، فإذا أضافته إلى زوجها، فقد أتت ببهتان تفتريه بين يديها ورجليها. وقيل: يفترينه على أنفسهن حيث يقلن: هذا ولدنا، وليس كذلك، إذ الولد ولد الزنا. وقيل: ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد؛ لأن البطن التي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، وهذا عام في الإتيان بولد، وإلحاقه بالزوج، وإن سبق النهي عن الزنا. وقيل: معنى «بين أيديهن» : ألسنتهن بالنميمة، و «بين أرجلهن» : فروجهن. وقيل: ما بين أيديهن من قبلة أو جسة، وبين أرجلهن الجماع. وروي أن هنداً لما سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح ما تأمر إلا بالأرشد، ومكارم الأخلاق، ثم قال: ﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ أي: في كل أمر وافق طاعة الله. قال بكر بن عبد الله المزنيُّ: في كل أمر فيه رشدهن. وقال مجاهدٌ: لا تخلو المرأة بالرجال. وقال سعيدُ بنُ المسيِّب والكلبيُّ وعبدُ الرحمنِ بن زيدٍ: هو النهي عن النوح، والدعاء بالويلِ، وتمزيق الثوب، وحلق الشعر، ونتفه، وخمش الوجه، ولا تحدِّث المرأة الرجال إلا ذا محرم، ولا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم. وروت أم عطيَّة عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن ذلك في النوح، وهو قول ابن عباس. وروى شهر بن حوشب عن أم سلمة «عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿ولا يَعْصِينكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ، قال:» هُوَ النَّوحُ» وفي صحيح مسلم عن أمِّ عطيَّة: «لما نزل قوله:» يُبَايِعْنَك» ، إلى قوله: ﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ، قالت: كان منه النياحة، قالت: فقلت: يا رسول الله، إلا آل بني فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إلا آل بني فلان» قوله: «يُبَايعْنكَ» : حال، و «شَيْئاً» : مصدر، أي شيئاً من الإشراك. وقرأ علي والسلمي والحسن: «يُقَتِّلْنَ» بالتشديد. و «يفترينه» : صفة ل «بهتان» ، أو حال من فاعل: «يأتين» . فصل ذكر الله - عَزَّ وَجَلَّ - في هذه الآية لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في صفة البيعة خصالاً شتى، صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان الأمر، وهي ستة أيضاً: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة، وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان، وكل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها، ولا يحجزهن [عنها] شرف النسب، فخصت بالذكر لهذا، ونحو منه قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لوفد عبد القيس: «» وأنْهَاكُم عن الدُّبَّاء والحنتمِ والنَّقيرِ والمزفَّتِ « فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي؛ لأنها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي، هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها. فصل «لما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في البيعة:» ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ ﴿وَلاَ يَزْنِينَ﴾ ، قالت هند: يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل مسِّيك، فهل عليَّ حرج إن أخذت ما يكفيني وولدي؟ فقال: «لا، إلاَّ بالمعرُوفِ» ، فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها، فتضيع، أو تأخذ أكثر من ذلك، فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة، فقال لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك» ، أي: لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف، يعني: من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة. قال ابن العربي رَحِمَهُ اللَّهُ: «وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجاب، ولا يضبط عليه بقفل، فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه [كانت] سارقة تعصي بها، وتقطع يدها» . * فصل في الكلام على الآية فإن قيل: هلاَّ قيل: إذا جاءك المؤمنات فامتحنوهن، كما قال في المهاجرات؟ . فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الامتحان حاصل بقوله تعالى: ﴿على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ﴾ إلى آخره. وثانيهما: أن المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع للمبايع على ما في قلبها، فلا بد من الامتحان، وأما المؤمنات، فهن في دار الإسلام، وعلمن الشرائع، فلا حاجة إلى الامتحان مع ظاهر حالها. فإن قيل: ما الفائدة في تقديم البعض في الآية على البعض وترتيبها؟ . فالجواب: قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح، ثم كذلك إلى آخره، وقدم في الأشياء المذكورة على ما هو الأظهر فيما بينهم. فصل قال عبادةُ بن الصامت: «أخذ علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما أخذ على النساء: أنْ لا تُشرِكُوا باللَّه شَيْئاً ولا تَسْرقُوا ولا تزْنُوا ولا تقتلُوا أوْلادكُمْ، ولا يعضه بعضُكُمْ بعضاً، ولا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ آمُرُكمْ بِهِ» . معنى «يعضه» : يسحر، والعضه: السحر. ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ﴾ إنه: السحر. وقال الضحاكُ: هذا نهي عن البهتان، أن لا يعضه رجل ولا امرأة «بِبُهتَانٍ» أي: بسحر، والجمهور على أن معنى «ببهتان» : بولد، يفترينه «بين أيديهن» : ما أخذته لقيطاً، «وأرجلهن» : ما ولدته من زنا كما تقدم. * فصل في هذا الأمر قال المهدويُّ: أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا، والأمر بذلك ندب لا إلزام. وقال بعض العلماء: إذا احتيج إلى المِحْنَةِ من أجل تباعد الدَّار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة. قوله: ﴿فَبَايِعْهُنَّ واستغفر لَهُنَّ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: ﴿أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً﴾ قالت: وما مسَّتْ يَدُ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلا يد امرأة يملكها. وقالت [أميمة] بنت رقيقة: «بايعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في نسوة، فقالت:» فِيْمَا اسْتطعْتُنَّ وأطَعْتُنَّ» ، فقلت: يا رسول الله صافحنا، فقال: «إنِّي لا أصَافِحُ النِّساءَ، إنَّما قَوْلِي لامرأةٍ كَقوْلِي لمِائةِ امرأة»
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.