الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية. قال مقاتلٌ: «نزلت في عثمان بن مظعون، قال: يا رسول الله، لو أذنت لي فطلقت خولة، وترهبت واختصيت، وحرمت اللحم، ولا أنام بليل أبداً، ولا أفطر بنهار أبداً، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنَّ من سُنَّتِي النَّكاحَ فلا رهْبانِيَةَ في الإسْلامِ وإنَّما رَهْبانِيةُ أمَّتِي الجهادُ في سبيلِ اللَّهِ، وخصاء أمَّتِي الصَّومُ، فلا تُحرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لكُم، ومِنْ سُنَّتِي أنَامُ وأقُومُ وأفْطِرُ وأصُومُ، فمنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فليْسَ منِّي «، فقال عثمان: لوددت يا نبي الله، أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها» ، فنزلت. وقيل: «أدُلُّكُمْ» أي: سأدلكم، والتجارة: الجهاد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾ [التوبة: 111] : الآية، وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل: لأهل الكتاب. وقيل: نزل هذا حين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا. قال البغويُّ: وجعل ذلك بمنزلة التجارة؛ لأنهم يرجون بها رضا الله عَزَّ وَجَلَّ، ونيل جنته والنجاة من النار. والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء، كما أن التجارة تنجي التاجر من الفقر فكذا هذه التجارة، وكما أن في التجارة الربح والخسران، فكذلك هذه التجارة، فمن آمن وعمل صالحاً، فله الأجر الوافر، ومن أعرض عن الإيمان والعمل الصالح، فله الخسران المبين. قوله: ﴿تُنجِيكُم﴾ . هذه الجملة صفة ل «تجارة» . وقرأ ابن عامر: ﴿تُنجّيكُم مِن عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ بالتشديد. والباقون: بالتخفيف، من «أنْجَى» ، وهما بمعنى واحد؛ لأن التضعيف والهمزة متعديان. والمعنى: يخلصكم من عذاب أليم، أي مؤلم. قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ . لا محلّ له لأنه تفسير ل «تجارة» . ويجوز أن يكون محلها الرفع خبراً لمبتدأ مضمر، أي تلك التجارة تؤمنون، والخبر نفس المبتدأ، فلا حاجة إلى رابط. وأن تكون منصوبة المحل بإضمار فعل، أي «أعني تؤمنون» ، وجاز ذلك على تقدير «أن» وفيه تعسف. والعامة على: «تؤمنون» خبراً لفظياً ثابت النون. وعبد الله: «آمنُوا، وجاهدُوا» أمرين. وزيد بن علي: «تؤمنوا، وتجاهدوا» بحذف نون الرفع. فأما قراءة العامة، فالخبر بمعنى الأمر، يدل عليه القراءتان الشاذتان فإن قراءة زيد: على حذف لام الأمر، أي: «لتؤمنوا، ولتجاهدوا» . كقوله: [الوافر] 4765 - مُحَمَّدُ تَفْدِ نفسكَ كُلُّ نَفْسٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . وقوله تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة﴾ [إبراهيم: 31] في وجه، أي: لتَفْدِ ولتقيموا، ولذلك جزم الفعل في محل جوابه في قوله: «يتقي» . وكذلك قولهم: «اتقى الله امرؤ فعل خيراً يثب عليه» ، تقديره: ليتق الله. وقال الأخفش: أن «تؤمنون» : عطف بيان ل «تجارة» . وهذا لا يتخيل إلا بتأويل أن يكون الأصل: أن تؤمنوا، فلما حذفت ارتفع الفعل كقوله: [الطويل] 4766 - ألاَ أيُّهَذا الزَّاجِرِي أحْضُرَ الوَغَى ... الأصل: أن أحضر الوغى. وكأنه قيل: هل أدلّكم على تجارة منجية: إيمان وجهاد، وهو معنى حسن، لولا ما فيه من التأويل، وعلى هذا يجوز أن يكون بدلاً من «تِجارةٍ» . وقال الفراء: هو مجزوم على جواب الاستفهام، وهو قوله: «هل أدلكم» . واختلف الناس في تصحيح هذا القول. فبعضهم غلطه. قال الزجاج: ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. يعني: أنه ليس مرتباً على مجرد الاستفهام ولا على مجرد الدلالة. قال القرطبي: و «تُؤمِنُونَ» عند المبرد والزجاج في معنى «آمِنُوا» ولذلك جاء «يَغْفِر لَكُمْ» مجزوماً على أنه جواب الأمر. قال ابن الخطيب: «هَلْ أدلكُمْ» في معنى الأمر عند الفرَّاء، يقال: هل أنت ساكت أي: اسكت، وبيانه أن «هَلْ» بمعنى الاستفهام ثم يندرج إلى أن يصير عرضاً وحثًّا، والحث كالإغراء، والإغراء أمر. وقال المهدوي: إنما يصح حمله على المعنى، وهو أن يكون «تُؤمِنُونَ، وتجاهدون» : عطف بيان على قوله: «هل أدلكم» . كأن التجارة لم يدر ما هي فبينت بالإيمان والجهاد، فهي هما في المعنى، فكأنه قيل: هل تؤمنون وتجاهدون؟ . قال: فإن لم يقدر هذا التقدير لم يصح، لأنه يصير إن دُللتم يغفر لكم والغفران إنما يجب بالقبول والإيمان لا بالدلالة. وقال الزمشخري قريباً منه أيضاً. وقال أيضاً: إن «تؤمنون» استئناف كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: تؤمنون. وقال ابن عطيَّة: «تُؤمِنُونَ» : فعل مرفوع، تقديره: ذلك أنه تؤمنون. فجعله خبراً، وهي وما في حيّزها خبر لمبتدأ محذوف، وهذا محمول على تفسير المعنى لا تفسير الإعراب فإنه لا حاجة إليه. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف أمرهم بالإيمان بعد قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ ؟ . فالجواب: يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين وهم الذين آمنوا في الظاهر، ويمكن أن يكون أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة. فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله وبمحمد، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [التوبة: 124] ، أو يكون المراد الأمر بالثبات على الإيمان، كقوله: ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت﴾ [إبراهيم: 27] . فإن قيل: كيف ترجى النجاة إذا آمن بالله ورسوله ولم يجاهد في سبيل الله وقد علق بالمجموع؟ . فالجواب: أن هذا المجموع هو الإيمان بالله ورسوله والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله خير في نفس الأمر. قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ . قال القرطبي: ذكر الأموال أولاً، لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق، «ذَلِكُمْ» أي: هذا الفعل ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من أموالكم وأنفسكم، ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه خير لكم. قوله: ﴿يَغْفِرُ لَكُمْ﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مجزوم على جواب الخبر بمعنى الأمر، كما تقدم. والثاني: أنه مجزوم على جواب الاستفهام، كما قاله الفراء. الثالث: أنه مجزوم بشرط مقدر، أي: إن تؤمنوا يغفر لكم. قال القرطبي: «وأدغم بعضهم، فقرأ:» يَغْفر لَكُمْ «، والأحسن ترك الإدغام لأن الراء حرف متكرر قويّ فلا يحسن الإدغام في اللام؛ لأن الأقوى لا يدغم في الأضعف» . قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ . روى الحسنُ قال: «سألت عمران بن حصينٍ وأبا هريرة عن قوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ ، فقالا: على الخبير [سقطت] ، سألنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنها فقال:» قَصْرٌ مِن لُؤلُؤة في الجنَّةِ، في ذلِكَ القصْرِ سَبْعُونَ داراً من ياقُوتةٍ حَمْراءَ، فِي كُل دَار سَبْعُونَ بَيْتاً من زَبرْجدة خَضْراءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً، عَلَى كُلِّ سَريرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً من كُلِّ لَوْنٍ على كُلِّ فِراشٍ سَبعُونَ امْرَأةً، من الحُورِ العِينِ، فِي كُلِّ بيتٍ سَبْعُونَ مَائدةً، عَلى كُلِّ مائدةٍ سَبْعُون لوْناً من الطَّعام، فِي كُلِّ بَيْتٍ سبعُون وصيفاً ووصيفَةً، فيُعْطِي اللَّهُ تعالى المُؤمِنَ القُوَّة في غَدَاةٍ واحدةٍ مَا يَأتِي ذَلِكَ كُلِّهِ «. قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ . أي دار إقامة. ﴿ذلك الفوزُ العظيمُ﴾ أي: السعادة الدائمة الكبيرة، وأصل الفوز الظفر بالمطلوب. قوله: ﴿وأخرى تُحِبُّونَهَا﴾ . فيها أوجه: أحدها: أنها في موضع رفع على الابتداء وخبرها مقدر، أي: ولكم أو وثمَّ أو عنده خصلة أخرى أو مثوبة أخرى، و» تُحِبُّونهَا» : نعت له. الثاني: أن الخبر جملة حذف مبتدؤها، تقديره: هي نصر، والجملة خبر «أخرى» . قاله أبو البقاء. الثالث: أنها منصوبة بفعل محذوف للدلالة عليه بالسِّياق، أي: ويعطكم، أو يمنحكم مثوبة أخرى، و «تُحِبُّونهَا» نعت لها أيضاً. الرابع: أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره» تُحِبُّونهَا «فيكون من الاشتغال، وحينئذ لا يكون» تحبونها «نعتاً لأنه مفسر للعامل فيه. الخامس: أنها مجرورة عطفاً على» تجارة» . وضعف هذا بأنها ليست مما دلَّ عليه إنما هي ثواب من عند الله. قال القرطبي: «هذا الوجه منقول عن الأخفش والفراء» . قوله: ﴿نَصْرٌ مِّنَ الله﴾ . خبر مبتدأ مضمر، أي: تلك النعمة، أو الخلة الأخرى نصر،» من الله «نعت له أو متعلق به، أي: ابتداؤه منه. ورفع» نَصْرٌ، وفَتْحٌ «قراءة العامة. ونصب ابن أبي عبلة الثلاثة. وفيه أوجه ذكرها الزمخشري. أحدها: أنها منصوبة على الاختصاص. الثاني: أن ينتصبن على المصدرية، أي: ينصرون نصراً، ويفتح لهم فتحاً قريباً. الثالث: أن ينتصبن على البدل من «أخْرَى» ، و «أخرى» منصوبة بمقدر كما تقدم، أي يغفر لكم ويدخلكم جنات ويؤتكم أخرى، ثم أبدل منها نصراً وفتحاً قريباً. * فصل في معنى الآية ومعنى الآية أي: ولكم نصر من الله ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ، أي: غنيمة في عاجل الدنيا قبل فتح مكة. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - يريد فتح فارس والروم ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾ برضا الله عنهم. وقال البغوي: «وبشر المؤمنين» يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة. ثم حضهم على نصر المؤمنين وجهاد المخالفين، فقال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾ }
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.