الباحث القرآني

أي: كونوا حواريِّي نبيكم ليظهركم الله على من خالفكم كما أظهر حواريِّي عيسى على من خالفهم. قوله: ﴿أَنصَارَ الله﴾ . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: «أنصاراً» ، منوناً «لله» جاراً ومجروراً. والباقون: «أنصار» غير مُنوَّنٍ، بل مضافاً للجلالة الكريمة. والرسم يحتمل القراءتين معاً، واللام يحتمل أن تكون مزيدة في المفعول للتقوية لكون العامل فرعاً، إذ الأصل «أنصار اللَّهِ» وأن تكون غير مزيدة، ويكون الجار والمجرور نعتاً ل «أنصار» . والأول أظهر. وأما القراءة على الإضافة ففرع الأصل المذكور، ويؤيد قراءة الإضافة الإجماع عليها في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ الله﴾ ولم يتصور جريان الخلاف هنا، لأنه مرسوم بالألف. قال القرطبي: قيل: في الكلام إضمار، أي: قل لهم يا محمد: كونوا أنصار الله. وقيل: هو ابتداء خطاب من الله، أي: كونوا أنصار الله كما فعل أنصار عيسى، فكانوا بحمد الله أنصاراً وكانوا حواريين. * فصل في الحواريين قال القرطبيُّ: «الحواريون: خواص الرسل. قال معمر: كان ذلك بحمد الله تعالى، أي نصروه سبعون رجلاً، وهم الذين بايعوه ليلة العقبة، وقيل هم من قريش، وسماهم قتادة: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة واسمه عامر، وعثمان بن مظعون، وحمزة بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ولم يذكر سعيداً فيهم، وذكر جعفر بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أجمعين» . قوله: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾ . وهم أصفياؤه اثنا عشر رجلاً، وقد مضت أسماؤهم في «آل عمران» . وهم أول من آمن به من بني إٍسرائيل. قاله ابن عباس. وقال مقاتل: قال الله لعيسى: إذا دخلت القرية فأتِ النهر الذي عليه القصارون فاسألهم النصرة؛ فأتاهم عيسى وقال لهم: من أنصاري إلى الله؟ فقالوا: نحن ننصرك، فصدقوه ونصروه. قوله: «كَمَا» . فيه أوجه: أحدها: أن الكاف في موضع نصب على إضمار القول، أي: قلنا لهم ذلك كما قال عيسى. الثاني: أنه نعت لمصدر محذوف تقدير: كونوا كوناً. قاله مكي. وفيه نظرٌ؛ إذ لا يؤمروا بأن يكونوا كوناً. الثالث: أنه كلام محمول على معناه دون لفظه. وإليه نحا الزمخشري، قال: «فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه وظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أنصاري؟ قلت: التشبيه محمُول على المعنى، وعليه يصح، والمراد: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: مَنْ أنصَاري إلى اللَّهِ» ؟ . وتقدم في «آل عمران» تعدي أنصار ب «إلى» واختلاف الناس في ذلك. وقال الزمخشري هنا: «فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله﴾ ؟ فالجواب: يجب أن يكون معناه مطابقاً لجواب الحواريين ﴿نَحْنُ أَنصَارُ الله﴾ والذي يطابقه أن يكون المعنى من جندي متوجهاً إلى نصرة الله، وإضافة أنصاري خلاف إضافة» أنصَار اللَّهِ «فإن معنى ﴿نَحْنُ أَنصَارُ الله﴾ نحن الذين ينصرون الله، ومعنى» مَنْ أنصَارِي «من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله، ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله لأنه لا يطابق الجواب، والدليل عليه قراءة من قرأ: مَنْ أنَصارُ اللَّهِ» . انتهى. يعني: أن بعضهم يدعى أن «إلى» بمعنى «مع» أي من أنصاري مع الله؟! . وقوله: قراءة من قرأ «أنصَار اللَّهِ» ، أي: لو كانت بمعنى «مع» لما صح سقوطها في هذه القراءة. قال شهاب الدين: «وهذا غير لازم، لأن كل قراءة لها معنى يخصها إلا أن الأولى توافق القراءتين» . قوله: ﴿فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ﴾ . قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يعني في زمن عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق: فرقة قالوا كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه الله إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة طائفة من الناس فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث الله محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فظهرت فرقة المؤمنين على الكافرين، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ ، غالبين. وقال مجاهد: أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى؛ والأول أظهر؛ لأن عيسى لم يقاتل أحداً، ولم يكن في دين أصحابه بعده قتال. وقال زيد بن علي، وقتادة: «فأصْبَحُوا ظاهِرينَ» غالبين بالحُجَّة، والبرهان، لأنهم قالوا فيما روي: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام، والله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل، والله تعالى لا يأكل. وقيل: نزلت هذه الآية، في رسل عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال ابن إسحاق: وكان الذي بعثهم عيسى من الحواريين والأتباع بطريس وبولس إلى «رومية» ، واندراييس ومتى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس، وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق، وفيلبس إلى «قرطاجنة» ، وهي «إفريقية» ، ويحنّس إلى دقسوس قرية أهل «الكهف» ، ويعقوبس إلى أورشليم، وهي «بيت المقدس» ، وابن تلما إلى العرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر، ويهودا وبروس إلى «الإسكندرية» وما حولها فأيَّدهم الله تعالى بالحجة فأصبحوا «ظاهرين» أي: عالين، من قولك: ظهرت على الحائط أي علوت عليه. قوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ . من إيقاع الظاهر موقع المضمر مبهماً تنبيهاً على عداوة الكافر للمؤمن، إذ الأصل فأيدناهم عليهم، أي: أيدنا المؤمنين على الكافرين من الطائفتين المذكورتين. روى الثعلبي في تفسيره عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ الصَّف كَان عيسَى مُسْتغفِراً لَهُ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا، ويَوْمَ القِيَامَةِ هُوَ رَفِيقه» . سورة الجمعة [مدنية] وهي إحدى عشرة آية، ومائة وثمانون كلمة، وسبعمائة وعشرون حرفا. روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة ".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.