الباحث القرآني

قَدِيرٌ} [التغابن: 1] ، فإن من كان موصوفاً بهذه الأوصاف هو الذي لا إله إلا هو» . قوله: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ . قال الزمخشري: هذا بعث لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على التوكل عليه حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه. قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ . قال ابن عبَّاس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكى إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جفاء أهله وولده، فنزلت، ذكره النحاس. وحكاه الطَّبريّ عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التَّغابن كلها ب «مكة» إلا هؤلاء الآيات: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد وكان إذا أراد الغزو بكوه ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا فيَرقّ فيقيم فنزلت هذه الآية إلى آخر السورة بالمدينة. روى الترمذي عن ابن عباس، وسئل عن هذه الآية قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلما أتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإذا الناس قد تفقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. حديث حسن صحيح. فصل قال ابن العربي: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدواً لذاته، وإنما كان عدواً بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدواً ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد والطاعة. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ فِي طريقِ الإيمانِ، فقَال لَهُ: أتُؤمِنُ وتَذَرُ دينكَ ودينَ أهْلكَ ومالكَ فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر وتترك أهلك فَخالفَهُ وهاجَرَ، ثُمَّ قَعدَ لَهُ على طريقِ الجهادِ، فقَالَ لَهُ: أتُجَاهدُ فتَقْتُلَ نَفْسَك فتنُكَحَ نِسَاؤكَ ويُقسَّم مالك فخَالفَهُ فَجَاهَدَ فقُتِلَ فحقٌّ على اللَّهِ أن يُدْخِله الجَنَّة» . وقعود الشَّيطان يكون بوجهين: أحدهما: أن يكون بالوسوسة. والثاني: أن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب، فقال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: 25] ، وفي حكمة عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: من اتخذ أهلاً ومالاً وولداً كان في الدنيا عبداً. وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «تَعِسَ عَبدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عبدُ الدِّرهَمِ، تعِسَ عبْدُ الخَميصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ القَطِيفَة» ، ولا دَنَاءَةَ أعْظَمُ مِنْ عبادَة الدِّينار والدِّرهم، ولا همَّة أخسُّ من همَّة تَرْتَفِعُ بثَوبٍ جَديدٍ. واعلم أن قوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يدخل فيه الذكر والأنثى، فكما أن الرجل تكون زوجته وولده عدوّاً له، كذلك المرأة يكون زوجها عدوّاً لها بهذا المعنى. قوله: ﴿فاحذروهم﴾ . أي: فاحذروهم على أنفسكم، والحذر على النفس يكون بوجهين: إما لضرر في البدنِ، أو لضررٍ في الدين، وضرر البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة، فحذر الله تعالى العبد من ذلك. قال ابن الخطيب: وقيل: أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جملة ما تقع به الفتنة، وهذا عام يعم جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، فإنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله كغصب مال الغير وغيره. قوله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . روى الطَّبري عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ . قال: كان الرجل يريد أن يأتي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيقول أهله: أين تذهب وتدعنا؟ . قال: فإذا أسلم وفَقُهَ قال: لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر فلأفعلن ولأفعلن. قال: فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . وقال مجاهد في هذه الآية: ما عادوهم في الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم لهم على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم. والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد، وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم. قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ . أي: بلاء واختبار يحملكم على كسب الحرام ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم في معصية الله. وفي الحديث: «يُؤتى بِرَجُلٍ يوم القِيامَةِ، فيُقال: أكَلَ عياله حَسَنَاته» . وقال بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وقال ابن مسعود: لا يقولن أحدكم، اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنةٍ، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مُضلاّت الفتن. وقال الحسنُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ ، أدخل «من» للتبعيض؛ لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر من في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ؛ لأنهما لا يخلوان من الفتنة، واشتغال القلب بهما. روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يخطب، فجاء الحسن والحُسَين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ نظرتُ إلى هذينِ الصَّبيَّين يمشيان ويعثُرانِ فلمْ أصْبِرْ حتَّى قطعتُ حديثي ورَفعتُهُمَا ثُمَّ أخَذَا في خُطْبَتِهِ» . ﴿والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . يعني: الجنة، فلا أعظم أجراً منها. قوله: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ . قال قتادة، والربيع بن أنس، والسُّدي، وابن زيد: هذه الآية ناسخة لقوله ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102] . ذكر الطبري عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102] قال: جاء أمر شديد، قال: ومن يعرف هذا ويبلغه، فلما عرف الله أنه اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم، وجاء بهذه الآية الأخرى فقال: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ . وقال ابن عباس: هي محكمة لا نسخ فيها، ولكن حق تقاته أن تجاهد لله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. فإن قيل: إذا كانت الآية غير منسوخة، فكيف الجمع بين الآيتين، وما وجه الأمر باتقائه حق تقاته مطلقاً من غير تخصيص، ولا مشروط بشرط، والأمر باتقائه بشرط الاستطاعة؟ . فالجواب: أن قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ معناه فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعله فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة وأنتم مستطيعون، وذلك أن الله - تعالى - قد كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] إلى قوله: ﴿فأولئك عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 99] ، فأخبر أنه قد عفا عمن لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً بالإقامة في دار الشرك، فكذلك معنى قوله: ﴿مَا استطعتم﴾ في الهجرة من دار الشِّرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم. ويدل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ عقيب قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ ، ولا خلاف بين علماء التأويل أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كانوا تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم، وهذا اختيار الطبري. وقال ابن جبير: قوله: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ فيما تطوع به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل قوله تعالى: ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102] اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرَّحت جباهُهُمْ، فأنزل الله تخفيفاً عنهم: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ فنسخت الأولى. قال الماوردي: ويحتمل أن يثبت هذا النَّقْل، لأن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها. قوله: ﴿واسمعوا وَأَطِيعُواْ﴾ . أي: اسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا ما تؤمرون به، وتنهون عنه. وقال مقاتل: «اسْمَعُوا» أي: أصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله، وهو الأصل في السَّماع «وأطِيعُوا» الرسول فيما يأمركم أو ينهاكم. وقيل: معنى «واسْمَعُوا» أي: اقبلوا ما تسمعون وعبر عنه بالسماع؛ لأنه فائدته. قوله: ﴿وَأَنْفِقُواْ﴾ . قال ابن عباس: هي الزكاة. وقيل: هي النفقة في النفل. وقال الضحاك: هي النفقة في الجهاد. وقال الحسن: هي نفقة الرجل لنفسه. وقال ابن العربي: وإنما أوقع قائل هذا، قوله: «لأنفُسِكُمْ» وخفي عليه قوله: إن نفقة الفرض والنَّفْل في الصَّدقة على نفسه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] . فكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه، والصحيح أنها عامة. قوله: ﴿خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾ . في نصبه أوجه: أحدها: قال سيبويه: إنه مفعول بفعل مقدر، دلَّ عليه «وأنفقوا» ، تقديره: ايتوا في الإنفاق خيراً لأنفسكم وقدموا لأنفسكم كقوله: ﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: 171] . الثاني: تقديره: يكن الإنفاق خيراً، فهو خبر كان المضمرة، وهو قول أبي عبيدة. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، وهو قول الكسائي والفراء، أي: إنفاقاً خيراً. الرابع: أنه حال، وهو قول الكوفيين. الخامس: أنه مفعول بقوله «أنفِقُوا» ، أي: أنفقوا مالاً خيراً. قوله: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ . تقدم نظيره. وكذا ﴿إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ . تقدم في سورة البقرة والحديد. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ . تقدم معنى الشكر في «البقرة» . والحليم: الذي لا يعجل. قال بعضهم القَرْض الحسن: هو التصدق من الحلال. وقيل: التصدق بطيب النفس، والقرض هو الذي يرجى بدله. قوله: ﴿عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ . أي: ما غاب وحضر، «وهُوَ العَزيزُ» الغالب القاهر، فهو من صفات الأفعال، ومنه قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ [الزمر: 1] أي: من الله القاهر المُحْكم خالق الأشياء. وقال الخطابي: وقد يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: «عَزَّ يَعِزُّ» - بكسر العين - فيكون معنى العَزِيز على هذا أنه لا يعادله شيء وأنه لا مثل له «الحَكِيمُ» في تدبير خلقه. وقال ابن الأنباري: «الحَكِيمُ» هو المُحْكِم الخلق للأشياء، صرف عن «مفعل» إلى «فعيل» ومنه قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ [لقمان: 1، 2] . فصرف عن «مفعل» إلى «فعيل» والله أعلم. روى الثعلبي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ مولُودٍ يُولَدُ إلاَّ وهو على الفطرة فِي تَشَابِيكِ رَأسِهِ مَكتُوبٌ خَمْسُ آيَاتٍ من فَاتحةِ سُورةِ التَّغَابنِ» . وعن زرّ بن حبيش قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَن قَرَأ سُورَةَ التَّغَابُنِ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْتَ الفُجَاءَةِ» والله أعلم. سورة الطلاق
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.