الباحث القرآني

أي: فإن عذركم لا ينفع، وهذا النهي لتحقيق اليأس ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، ونظيره: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: 57] . قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ . فرأ الجمهور: بفتح نون «نَصُوحاً» . فهي صيغة مبالغة أسند النصح إليها مجازاً، وهي من: نصح الثوب، أي: خاطه فكأنه التائب يرقع ما حرقه بالمعصية. وقيل: هي من قولهم: عسل ناصح، أي: خالص. وقرأ أبو بكر: بضم النون. وهو مصدر «نَصَحَ» ، يقال: نصح نصحاً ونصوحاً، نحو: كَفَر كُفْراً وكُفُوراً، وشَكَرَ شُكْراً وشُكُوراً. وفي انتصابه أوجه: أحدها: أنه مفعول له، أي: لأجل النصح الحاصل نفعه عليكم. والثاني: أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: ينصحهم نصحاً. الثالث: أنه صفة لها، إما على المبالغة على أنها نفس المصدر، أو على حذف مضاف، أي: ذات نصوحٍ. وقرأ زيد بن عليّ: «تَوْباً» دون تاء. * فصل في تعلق هذه الآية بقوله يا أيها الذين كفروا قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه الآية بقوله: ﴿يا أيها الذين كَفَرُواْ﴾ أنه - تعالى - نبّههم على رفعِ العذاب في ذلك اليوم، بالتوبة في الدنيا، إذ في ذلك اليوم لا تفيدُ التوبةُ. فصل أمر بالتَّوبة، وهي فرض على الأعيان في كُلِّ الأحوال، وكُلِّ الأزمان واختلفوا في التوبة النَّصُوح: فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللَّبن إلى الضرع. روي عن عمر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، ورفعه معاذٌ إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال قتادة: «النَّصُوحُ» الصَّادقة الخالصة. وقيل: الخالصة. يقال: نصح له، أي: أخلص له القول. وقال الحسن: «النَّصُوحُ» أن يبغض الذنب الذي أحبه، ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها، ويكون على وجلٍ منها. وقال الكلبيُّ: التوبة النَّصوح، الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألاَّ يعود. وقيل غير ذلك. * فصل في الأشياء التي يُتَاب منها قال بعض العلماءِ: الذنبُ الذي لا يكونُ منه التوبةُ لا يخلو، إما أن يكون حقاً لله أو للآدميين، فإن كان حقاً لله عَزَّ وَجَلَّ كتركِ صلاة، أو صوم أو تفريط في زكاة؛ فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها. وإن كان قتل نفساً بغير حقٍّ، فإن تمكن من القصاص منه إن طلب به، فإن عُفِيَ عنه كفاه النَّدم، والعزم على ترك العودِ بالإخلاص، وكذلك إن عُفِي عنه في القَتْل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجداً له، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] . وإن كان ذلك من حدود الله - ما كان - فإنه إذا تاب إلى الله - تعالى - بالندم الصحيح سقط منه، وقد نصَّ الله - تعالى - على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرةِ عليهم، كما تقدم. وكذلك الشُّرَّاب، والسُّراق، والزُّناة إذا صلحوا، وتابوا، وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تُبْنا لم يتركهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا، هذا مذهب الشافعي. فإن كان الذنبُ من مظالم العباد، فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه، والخروج عنه - عيناً كان أو غيره - إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً، فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت، وأسرعه. وإن كان لواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، ولا يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه، ويستغفر له، فإذا عفى، فقد سقط الذنب عنه، وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفى ذلك المظلوم عن ظلمه عرفه بعينه، أو لم يعرفه، فذلك صحيح. وإن أساء رجل إلى رجل، بأن فزعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط وآلمه، ثم جاءه مستعفياً نادماً على ما كان منه عازماً على ألا يعود فلم يزل يتذلل له، حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط الذَّنب عنه، وهكذا إن شتمه بشتمٍ لا حدَّ فيه. قوله: ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ . «عَسَى» من الله واجبةً، وهو معنى قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «التَّائِبُ من الذَّنْبِ كمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ» . و «أنْ» في موضع نصب. قوله: «ويُدخِلَكُمْ» . معطوف على «يُكَفِّرَ» . قرأ العامة: بالنصب. وابن أبي عبلة: بسكون اللام. فاحتمل أن يكون من إجراء المنفصلِ مجرى المتصل، فسلبت الحركة؛ لأنه يتحلل من مجموع «يُكفِّرَ عَنْكُم» مثل «نطع وقمع» فيقال: فيهما: نَطْع وقَمْع. ويحتمل أن يكون عطفاً على محل «عَسَى أن يُكَفِّرَ» كأنه قيل: توبوا يوجب تكفير سيئاتكم، ويدخلكم، قاله الزمخشري. يعني أن «عَسَى» في محل جزم جواباً للأمر؛ لأنه لو وقع موقعها مضارع لانجزم كما مثل به الزمخشري. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن «عَسَى» جوابٌ ولا تقع جواباً؛ لأنها للإنشاء. قوله: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي﴾ . «يَوْمَ» منصوب ب «يُدخِلَكُم» ، أو بإضمار «اذْكُرْ» . ومعنى «يُخْزِي» هنا: يعذب، أي: لا يعذبه، ولا يعاقب الذين آمنوا معه. قالت المعتزلة: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾ يدل على أنه لا يعذب الذين آمنوا؛ لأن الإخزاء يقع بالعذاب، ولو كان أصحاب الكبائر من أهل الإيمان لم يخفف عليهم العذاب. قال ابنُ الخطيب: وأجاب أهل السُّنة بأنه - تعالى - وعد أهل الإيمان بألاَّ يخزيهم. من أهل السنَّةِ من يقف على قوله: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي﴾ ، ومعناه لا يخزيه في رد الشفاعة، والإخزاء: الفضيحة، أي: لا يفضحهم بين يدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا تقف الكفرة عليه. قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منسوقاً على «النَّبِي» ، أي: ولا يخزي الذين آمنوا، فعلى هذا يكون «نُورُهُمْ يَسْعَى» مُستأنفاً، أو حالاً. والثاني: أن يكون مبتدأ، وخبره «نُورُهُمْ يَسْعَى» ، و «يَقُولُون» خبر ثاني أو حال. وتقدم إعراب مثل هذه الجمل في «الحديد» وإعراب ما بعدها في «براءة» . وقرأ أبو حيوة، وأبو نهل الفهمي: «وبإيْمَانهِمْ» بكسر الهمزة. ومعنى قوله: ﴿نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: في الدنيا وبأيمانهم عند الحساب، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم، وفيه نور، وخير. وقيل: يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع أقدامهم «وبأيْمانِهِمْ» لأن خلفهم وشمالهم طرق الكفرة، وقولهم: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ قال ابن عباس: يقولون ذلك عند إطفاء نور المُنافقين إشفاقاً. وقال الحسنُ: إنه - تعالى - يتمّم لهم نورهم، ولكنهم يدعون تقرباً إلى حضرة الله تعالى، كقوله: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾ [غافر: 55] وهو مغفور. وقيل: أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر موضع قدمه، فيسألون إتمامه. وقال الزمخشري: السَّابقون إلى الجنَّة يمرون كالبرقِ على الصِّراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالجواد المسرع، وبعضهم حَبْواً، وهم الذين يقولون: ربنا أتمِمْ لنا نورنا. فإن قيل: إنه - تعالى - لا يخزي النبي في ذلك اليوم، ولا الذين آمنوا معه؟ . فالجوابُ: لأن فيه إفادة الاجتماع، بمعنى لا يخزي الله المجموع، أي: الذين يسعى نورهم، وفيه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا، وبين نبيهم تشريفٌ في حقهم وتعظيم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.