الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ ، أي: السماء القربى؛ لأنها أقرب السماوات إلى النَّاس، والمعنى: السَّماء الدُّنيا من النَّاس أي: الدنيا منكم لأنها «فعلى» تأنيث «أفعل» التفضيل، «بِمصَابِيحَ» جمع مصباح وهو السِّراجُ، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها وسماها زينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال: ولقد زيَّنَّا سقف الدارِ التي اجتمعتم فيها بمصابيح الأنوار. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ . الضمير في «وَجَعَلْنَاهَا» يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه يعود على «مَصَابِيحَ» . قيل: وكيفية الرَّجْم أن توجد نار من ضوء الكواكب يرمي بها الشيطانُ، والكوكب في مكانه لا يرجم به. قاله أبو علي جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوم لا تبقى؟ . قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكوكب. والثاني: أن الضمير يعود على السماء، والمعنى: وجعلنا منها؛ لأن ذات السماء ليست للرجوم. قاله أبو حيان. وفيه نظر لعدم عود الضمير على السَّماء. قال القرطبي: والمعنى جعلنا شُهُباً، فحذف المضاف، بدليل قوله ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] ، قال: وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. قال المهدويُّ: وهذا على أن يكون الاستراق دون موضع الكوكب. وقال القشيريُّ: وأحسن من قول أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. والرجوم: جمع رجمٍ، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير. ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم. وجمع المصدر باعتبار أنواعه، فعلى الأول يتعلق قوله: «للشَّياطينِ» بمحذوف على أنه صفة ل «رُجُوماً» . وعلى الثاني: لا تعلق له؛ لأن اللام مزيدة في المفعول به، وفيه دلالة حينئذ على إعمال المصدر منوناً مجموعاً. ويجوز أن تكون صفة له أيضاً كالأول، فيتعلق بمحذوف. وقيل: الرجوم هنا الظنون، والشياطين: شياطين الإنس. كما قال: [الطويل] 4796 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِ فيكون المعنى: جعلناها ظُنُوناً ورجوماً بالغيبِ، لشياطين الإنس، وهم الأحكاميون من المنجمين. * فصل في خلق النجوم قال قتادةُ: خلق الله النُّجوم لثلاثٍ: زينة السَّماءِ ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في البرِّ والبحرِ والأوقاتِ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتَّخذون الكهانة، ويتَّخذون النُّجوم علةً. فصل قال ابن الخطيب: ظاهر الآيةِ لا يدلّ على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا؛ لأن السماوات إذا كانت شفافة، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا، أو في سماوات أخرى فوقها، فهي ولا بُد أن تظهر في السَّماء الدنيا، ولتلوح منها، فعلى التقدير تكون السماء الدنيا متزينة، واعلم أنَّ أصحاب الهيئةِ اتفقوا على أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن الذي فوق كرات السياراتِ، واحتجوا أن بعض الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك. وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، لأن الكواكب القريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة وإنما قلنا: إن الثوابت لما كانت في الفلك الثَّامن وجب أن تكون كلها هناك؛ لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلا بُدَّ وأن تكون مركوزةً في كرة واحدة. قال ابن الخطيب: وهذه استدلالاتٌ ضعيفة؛ فإنه لا يلزم من كون بعض الثَّوابت فوق السيارة كون كلها هناك؛ لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر، وتكون في النظر مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيها مقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية؛ إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون المصابيح مركوزة في سماء الدنيا، فثبت بهذا ضعف مذاهب الفلاسفة. * فصل في سبب الرجوم قال ابن الخطيب: يروى أن السبب في الرجوم أن الجن كانت تسمع خبر السماء فلما بعث محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حرست السماء ورجمت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب، فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض، فيلقيه إلى النَّاس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب النَّاس بخبره. ومن النَّاس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس إذا بلغ النَّار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب. وثانيها: أن الجن إذا شاهدوا جماعة منهم يسترقون، فيحرقون إن امتنع أن يعودوا لذلك. وثالثها: أن ثُخْنَ السماء مسيرة خمسمائة سنةٍ، فالجن لا يقدرون على خرقها؛ لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور، وثخنها يمنعهم من السمع لأسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، وإذا سمعوه من ذلك البعد، فهم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض. ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ، أو لأنهم نقلوها من وحي الله إليهم، وعلى التقديرين، فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يمكنوا الجن من معرفتها. وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار، بل تقويها. وسادسها: إن كان هذا القذف لأجل النبوة فلم بقي بعدها؟ . وسابعها: أن هذ الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، لأنا نشاهدها بالعين، ومع البعد لا نشاهدها كما لا نشاهد حركات الكواكب. وثامنها: إن كانت الشياطين ينقلون أخبار الملائكةِ عن المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بذلك إلى إلحاق الضرر بالمؤمنين؟ . وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء؟ . والجواب عن الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشُّهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وعن الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها بالحرق لطغيانها قيَّض الله لها من الدواعي ما يقدمها على العملِ المفضي إلى هلاكها. وعن الثالث: أن نمنع كون ثخن الفلك ما ذكروه، بأن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: «بينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالساً في نفرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: مَا كُنْتُمْ تقُولُونَ فِي الجَاهليَّةِ إذَا حدث؟ قال: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» فإنَّها لا تُرْمَى لمَوْتِ أحدٍ، ولا لِحياتهِ، ولكِنَّ اللَّه - تعالى - إذا قَضَى الأمْرَ في السَّماءِ سبَّحتْ حملةُ العرشِ، ثُمَّ يُسبِّحُ أهلُ كُلِّ سماءٍ، وتسبِّحُ كُل سماءٍ، حتى ينتهي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتخبرُ أهلُ السَّماءِ حملة العَرْشِ ماذا قال ربُّكُمْ؟ فيُخبرُونهُمْ، ولا يَزالُ يَنْتَهِي ذلِكَ الخَبَرُ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن يَنْتَهِي الخبرُ إلى هذه السَّماء فتَخْطَفُهُ الجِنُّ فَيُرمَونَ، فمَا جَاءُوا به فَهُوَ حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فِيهِ «» . وعن الخامس: أنَّ نار النجومِ قد تكون أقوى من نارِ الجن. وعن السادس: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أخبر ببطلان الكهانةِ، فلو لم ينقطعوا لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وعن السابع: أن البعد غير مانع من السماءِ عندنا. وعن الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة، وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين. وعن التاسع: أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ . لما ذكر منافع الكواكب، وذكر من جملة تلك المنافع أنها رجوم للشياطين قال بعد ذلك: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ ، أي: وأعتدنا للشَّياطين بعد الإحراق بالشُّهب في الدنيا عذاب السَّعير في الآخرة، وهو أشدُّ الحريقِ. قال المبردُ: سعرت النَّار فهي مسعورة وسعير، مثل قوله: مقتولة وقتيل. وهذه الآية تدل على أن النَّار مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي. قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خبر مقدم في قراءة العامة، و «عذابُ جهنَّم» مبتدؤه. وفي قراءة الحسن والأعرج والضحاك: بنصب «عَذَابَ» فيتعلق ب «أعْتَدْنَا» عطفاً على «لَهُمْ» و «عَذابَ السَّعيرِ» ، فعطف منصوباً على منصوب، ومجروراً على مجرور، وأعاد الخافض، لأن المعطوف عليه ضمير. والمخصوص بالذَّم محذوف، أي: وبئس المصير مصيرهم، أو عذاب جهنَّم، أو عذاب السَّعير. * فصل في معنى الآية والمعنى لكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم؛ ليبين أن الشياطين المرجومين مخصوصون بذلك، ثم إنه - تعالى - وصف ذلك العذاب بصفات، أولها قوله تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ يعني الكفار ﴿إِذَآ أُلْقُواْ﴾ طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ﴿سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ أي: صوتاً. قال ابن عباس: الشَّهيق لجهنم عند إلقاء الكُفار فيها كشهيق البغلةِ للشعير. وقال عطاءٌ: الشَّهيق من الكُفَّار عند إلقائهم في النار. وقال مقاتلٌ: سمعُوا لجهنم شهيقاً. قال ابن الخطيب: ولعل المراد تشبيه صوت لهبِ النَّار بالشهيق، وهو كصوت الحمار. وقال المبرد: هو - والله أعلم - تنفس كتنفس التغيُّظ. قال الزجاجُ: سمع الكُفَّار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات. وقيل: سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] . قوله: «لَهَا» متعلق بمحذوف على أنه حال من «شَهيقاً» لأنه في الأصل صفته، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها، وهي تَفُور: جملة حالية. * فصل في معنى الشهيق والزفير قال القرطبيُّ: «والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة» هود «» . وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ . أي: تغلي؛ ومنه قول حسَّان: [الوافر] تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لا شيءَ فِيهَا ... وقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفورُ قال مجاهد: تفور كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن عباس: تغلي بهم على المراجل، وهذا من شدّة لهب النار من شدّة الغضب كما تقول: فلان يفور غيظاً. قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ . قرأ العامة: «تَميَّزُ» بتاء واحدة مخففة، والأصل «تتميَّز» بتاءين، وهي قراءة طلحة. والبزي عن ابن كثير: بتشديدها، أدغم إحدى التاءين في الأخرى. وهي قراءة حسنة لعدم التقاء الساكنين بخلاف قراءته ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] ، و ﴿نَاراً تلظى﴾ [الليل: 14] وبابه. وأبو عمرو: يدغم الدَّال في التاء على أصله في المتقاربين. وقرأ الضحاك: «تَمَايَزُ» والأصل: «تتمايزُ» بتاءين، فحذف إحداهما. وزيد بن علي: «تَمِيزُ» من «مَازَ» . وهذا كله استعارة من قولهم: تميز فلان من الغيظ، أي: انفصل بعضه من بعض من الغيظ، فمن سببية، أي: بسبب الغيظ، ومثله في وصف كَلْب، أنشد عروة: [الرجز] 4798 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهَابِهِ قال ابن الخطيب: ولعل سبب هذا المجاز أن دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق، حتَّى تكاد تتمزَّق. فإن قيل: النَّار ليست من الأحياء، فكيف توصف بالغيظ؟ . قال ابن الخطيب: والجواب: أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، فلعل الله - تعالى - يخلق فيها وهي نار حياة، أو يكون هذا استعارة يشبه صوت لهبها وسرعة مبادرتها بالغضبان وحركته، أو يكون المراد الزبانية. * فصل في تفسير الآية قال سعيد بن جبير ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يعني تنقطع، وينفصل بعضها من بعض. وابن عباس والضحاك وابن زيد: تتفرق من الغيظ من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ . تقدم الكلام على «كُلَّمَا» . وهذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير جهنم. والفَوْج: الجماعة من الناس، والأفْوَاج: الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: 18] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ وهم مالك، وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ، أي: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم، حتى تحذروا. قال الزَّجَّاج: وهذا التوبيخُ زيادة لهم في العذاب. قوله: ﴿بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ﴾ . فيه دليل على جواز الجميع بين حرف الجواب، ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا: بلى، لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في تغميمهم على تفريطهم في قبُول قول النذير؛ فعطفوا عليه: «فكَذَّبْنَا» إلى آخره. قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ظاهره أنه من مقول الكفار للنذير، أي: قلنا: «مَا أنْزَلَ اللَّهُ من شَيءٍ» أي: على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل ﴿إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ اعترفوا بتكذيب الرسلِ، ثم اعترفوا بجهلهم، فقالوا وهم في النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ من النذر يعني: الرسل ما جاءوا به «أوْ نَعْقِلُ» عنهم. وجوز الزمخشريُّ أن يكون من كلام الرُّسل للكفرةِ، وحكاه الكفرة للخزنةِ، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبلهُ. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، أي: لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ . قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير﴾ . قال ابن الخطيب: احتجّ بهذه الآية من قال: إنَّ الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأنه قدم السمع على العقل، فدل على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد غلب عليه تأمل السامع فيما ندب العلم. وأجيب: بأنه إنما قدم السمع؛ لأن الرسول إذا دعا، فأول المراتب أنه يسمع كلامه، ثم يتفكر فيه فلما كان السمع مقدماً على التعقل لا جرم قدم عليه في الذكر. * فصل فيمن فضل السمع على البصر واحتج بهذه الآيةِ من قدم السمع على البصر، قالوا: لأنه جعل للسمع مدخلاً في الخلاص من النار، والفوز بالجنة، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. قوله «بِذنْبِهِمْ» وحَّده؛ لأنه مصدر في الأصل، ولم يقصد التنويع بخلاف «بِذُنُوبِهِم» في موضع؛ ولأنه في معنى الجمع؛ ولأن اسم الجنس إذا أضيف عم. * فصل في المراد بالضلال الكبير قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد من الضَّلال الكبير ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم، ويحتمل أن يكون المراد بالضَّلال الهلاك، ويحتمل أن يكون قد سمى عقاب الضلال باسمه. * فصل في الرد على المرجئة احتجت المرجئةُ بهذه الآية على أنه لا يدخل النارَ إلا الكفار قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: فكذبنا النذير، وهذا يدل على أن من لم يكذب الله ورسوله لا يلقى في النار، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرَّ لا يدخل النار، وأجاب القاضي عنه: بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المخوفة، وكل من يدخل النار مخالف للدليل. * فصل في معرفة الله بعد ورود السمع واحتج بهذه الآية من قال: إن معرفة الله، وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع، قالوا: لأنه تعالى إنما عذبهم؛ لأنه أتاهم النذير، فدل على أنه لو لم يأتهم النذير لم يعذبوا. قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المفعول به، أي: ألزمهم الله سحقاً. والثاني: أنه منصوب على المصدر، تقديره: «أسحقهم الله سحقاً» فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو «جَدْعاً له، وغفراً» فلا يجوز إظهار عامله. واختلف النحاة: هل هو مصدر لفعل ثلاثي، أم لفعل رباعي، فجاء على حذف الزوائد. فذهب الفارسي والزجاج إلى أنه مصدر «أسْحَقهُ اللَّهُ» أي: أبعده. قال الفارسي: فكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، كقوله: [الوافر] 4799 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وإنْ يَهْلِكْ فذلِكَ كانَ قَدْرِي أي: تقديري. والظاهر أن لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه سمع «سَحَقَهُ اللَّهُ» ثلاثياً؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4800 - يَجُولُ بأطْرَافِ البِلادِ مُغَرِّباً ... وتَسْحَقُهُ ريحُ الصَّبَا كُلَّ مَسْحَقِ والذي يظهر أن الزجاج والفارسي إنما قالا ذلك فيمن يقول من العرب: أسحقه الله سحقاً. وقرأ العامة: بضم وسكون. والكسائي وآخرون: بضمتين. وهما لغتان، والأحسن أن يكون المثقل أصلاً للمخفف، و «لأصْحابِ» بيان ك ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23] ، وسقياً لَكَ. وقال مكيٌّ: «والرفع يجوز في الكلام على الابتداء» . أي: لو قيل: «فسحق» جاز، لا على أنه تلاوة، بل من حيث الصناعة، إلاَّ أن ابن عطية قال ما يضعفه، فإنه قال: «فسحقاً، نصباً على جهة الدعاء عليهم، وجاز ذلك فيه وهو من قبل الله - تعالى - من حيث إن هذا القول فيهم مستقر أزلاً، ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه كما تقول: سُحْقاً لزيد، وبُعْداً له، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، فأما ما وقع وثبت، فالوجه الرفع، كما قال تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] ، وغير هذا من الأمثلة» ، انتهى. فضعف الرفع كما ترى؛ لأنه لم يقع، بل هو متوقع في الآخرة. فصل قال المفسِّرون: ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السعير﴾ ، أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: هو واد في جهنَّم يقال له: السحق.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.