الباحث القرآني

وهي اثنتان وخمسون آية، وثلاثمائة كلمة، وألف ومائتان وستة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى «ن» كقوله ﴿ص والقرآن﴾ [ص: 1] ، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها. قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي. وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ . قال الواقديُّ: اسم النون ليوثا. وقال كعب الأحبار: لوثوثا. وعن علي: اسمه تلهوت. وقيل: إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -. وقيل: الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه. وقال الكلبي ومقاتل: اسم الحوت الذي على ظهر الأرض: البَهْمُوت. قال الراجز: [الرجز] 4805 - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَا ... واللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا وروى عكرمة عن ابن عباس: أن نون آخر حروف الرحمن. وقيل: إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس. قال القرطبيُّ: وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى» ن «والقلم» ومنه قول الشاعر: [الوافر] 4806 - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْ ... وألفَى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ. فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة. وقيل: النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً. وقيل: النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة. وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب: أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين. وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له: نون. وقيل: هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري. قال: لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور. قال الزمخشريُّ: «وأما قولهم: هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك» . قال شهاب الدين: «وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه» . وقال ابن الخطيب بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن: وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة. * فصل في قراءات «ن» قرأ العامة: «نُونْ» ساكن النون كنظائره. وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون. قال الفراء: «وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل» ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها. وقرأ ابن عباس والحسن وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ: بكسر النون. وسعيد بن جبير وعيسى بخلاف عنه: بفتحها. فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم «اللَّهِ لأفعلَنَّ» ، لوجهين: أحدهما: أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها. والثاني: أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال: هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة. وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك «أين وكيف» . الثاني: أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة «فالحقّ والحقِّ» [ص: 84] ، بجرّ «الحقّ» ، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة. والثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف، أي:، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله: «والقَلمِ» أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم؛ كقوله: [الوافر] - 4807 ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله. قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ . «ما» موصولة، اسمية أو حرفية، أي: والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم. والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها. وقال الزمخشري يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في «يَسْطُرونَ» لهم. يعني فيصير كقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: 40] تقديره: أو كذي ظلمات فالضمير في «يغْشَاه» يعود على «ذي» المحذوف. * فصل في المراد بالقلم في «القلم» المقسم به قولان: أحدهما: أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3، 4، 5] ، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: 3، 4] ، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر. والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. وروى مجاهد، قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه. قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة، ولا مدافعة. وقيل: القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار: أن أول ما خلق الله القلم. وفي خبر آخر: أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته. وفي خبر آخر: أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السموات، ومن الزبد الأرض. قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض. قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ، أي: وما يكتبون، يريد: الملائكة يكتبون أعمال بني آدم. قال ابن عباس. وقيل: وما يكتبون الناس ويتفاهمون به. وقال ابن عباس: معنى ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يعملون. ؟؟؟؟ قال ابن الخطيب: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ مع ما بعدهما في تقدير المصدر فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم وقيل: المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في «يَسْطرُونَ» لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله «ومَا يَسْطُرونَ» ، أي: وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ ولفظ الجمع في قوله «يَسْطُرونَ» ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة. قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . قد تقدم الكلام على نظيره في «الطُّور» في قوله ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ [الطور: 29] . إلا أن الزمخشري قال هنا: «فإن قلت: بم تتعلق الباء في» بِنعْمَةِ ربِّك «وما محله؟ قلت: متعلق بمجنون منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً كقولك: أنت بنعمة ربِّك عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً، فعمل الفعل منفياً ومثبتاً إعمالاً واحداً، ومحله النصب على الحال كأنه قال: ما أنت مجنوناً منعماً عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل» مَجْنُون «فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي» . قال أبو حيَّان: «وما ذهب إليْهِ الزمخشريُّ، من أن الباء يتعلق بمجنون، وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل، وذلك أنه إذا تسلط النفي في محكوم به، وذلك له معمول، ففي ذلك طريقان: أحدهما: أن النفي يسلط على المعمول فقط. والآخر: أن يسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه، ببيان ذلك أن تقول: ما زيد قائم مسرعاً، فالمتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه، فيكون قد قام غير مسرع، والوجه الآخر: أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه، أي: لا قيام، فلا إسراع، وهذا الذي قررناه لا يتأتى معه قول الزمخشري، بل يؤدي إلى ما لا يجوز النطق به في حق المعصوم» انتهى. واختار أبو حيان أن يكون «بِنعمَةِ» قسماً معترضاً به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم. وقال ابن عطية: «بنِعْمةِ ربِّك» اعتراض، كما تقول للإنسان: أنت بحمد الله فاضل، قال: ولم يبين ما تتعلق به الباء في «بِنعْمَةِ» . قال شهاب الدين: والذي تتعلق به الباء في هذا النحو معنى مضمون الجملة نفياً وإثباتاً كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد الله، والباء سببية، وثبت ذلك الفضل بحمد الله تعالى، وأما المثال الذي ذكره، فالباء تتعلق فيه بلفظ «فاضل» وقد نحا صاحب «المُنَتخَب» إلى هذا فقال: المعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك. وقيل: معناه مَا أنْتَ مجنُونٌ والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لله؛ وقول لبيد: [الطويل] 4808 - وأفْرِدْتُ في الدُّنْيَا بفقْدِ عشِيرَتِي ... وفَارقَنِي جارٌ بأربدَ نَافِعُ أي وهو أربد، وهذا ليس بتفسير إعراب بل تفسير معنى. * فصل في إعراب الآية قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . هذا جواب القسم، وهو نفي. قال الزجاج: «أنت» هو اسم «مَا» و «مَجْنُون» الخبر، وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كلام وقع في الوسط، أي: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت بحمد الله عاقل. روى ابن عباس: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غاب عن خديجة إلى حراء، وطلبته، فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير بلا غبار، فقالت: ما لك؟ . فذكر جبريل - عليه السلام - وأنه قال له: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] ، فهو أول من نزل من القرآن، قال: ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال: هكذا الصلاة - يا محمد - فذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك لخديجة، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل - وهو ابن عمها - وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال: أرسلي إليّ محمداً، فأرسلته فقال: هل أمرك جبريل - عليه السلام - أن تدعو أحداً؟ فقال: لا فقال: والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش، فقالوا: إنه مجنون، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آياتٍ من أول هذه السورة، قال ابن عباسٍ: أول ما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] ، وهذه الآية هي الثانية، نقله ابن الخطيب. وذكر القرطبيُّ: أن المشركين كانوا يقولون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: مجنون به شيطان وهو قوله ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29] أي: برحمة ربك، والنعمة هاهنا الرحمة. وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربِّك عليك بالإيمان والنبوة. قال القرطبي: «ويحتمل أن النعمة - هاهنا - قسم، تقديره: ما أنت، ونعمة ربك بمجنون لأن الواو والباء من حروف القسم» وقد تقدم. فصل قال ابن الخطيب: اعلم أنه تعالى وصفه - هاهنا - بصفات ثلاث: الأولى: نفي الجنون عنه ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يدل على أن نعم اللَّه تعالى ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراء من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم ظاهرة محسوسة ووجودها ينافي حصول الجنونِ، فالله تعالى نبه على أن هذه الحقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم: «إنه مجنُون» . الصفة الثانية: قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثواباً على ما تحملت غير منقوص ولا مقطوع منه، يقال: منَّ الشيء إذا ضعف، ويقال: مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين. قال لبيدٌ: [الكامل] 4809 - ... ... ... ... ... ... ... . ... غُبْسٌ كَواسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا أي: لا يقطع، يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] ، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي: غير محسوب عليك، قالت المعتزلة: لأنك تستوجبه على [عملك] ، وجوابهم: إن حملهم على هذا يقتضي التكرار، لأن قوله «أجراً» يفيده، وقال الحسنُ: غير مكدر بالمن. وقال الضحاك: أجراً بغير عمل، واختلفوا في هذا الأجرِ على أي شيء حصل؟ فقيل: معناه إن لك على احتمال هذا الطعن، والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً. وقيل: إن لك في إظهار النبوةِ، والمعجزات في دعاء الخلق إلى الله تعالى وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم فلا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم فإن لك بسببه المنزلةَ العالية. الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . قال ابن عباس ومجاهدٌ: «على خُلقٍ» على دين عظيمٍ من الأديان، ليس دين أحب إلى الله، ولا أرضى عنده منه. وروى مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن. وقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: هو أدب القرآن. وقيل: رفقه بأمته، وإكرامه إياهم. وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر اللَّهِ، وينتهي عنه مما نهى الله عنه. وقيل: إنَّك على طبع كريم. وقال الماوردي: حقِيقَةُ الخُلقِ في اللُّغةِ ما يأخذُ بِهِ الإنسانُ في نفْسِهِ من الأدبِ يُسَمَّى خُلُقاً، لأنَّه يصير كالخلقة فيه فأما ما طُبع عليه من الأدبِ فهو الخِيمُ، فيكون الخلق: الطبع المتكلف، والخِيم: الطبع الغريزي. قال القرطبي: «ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوالِ، وسئلت أيضاً عن خلقه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقرأت ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: 1] إلى عشر آياتٍ» . قال ابن الخطيب: وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيبِ وإلى كل ما يتعلق بها، وكانت شديدة النفرة من اللذات البدنية، والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، وقالت: مَا كَانَ أحدٌ أحْسنَ خُلُقاً من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما دعاه أحدٌ من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، ولذلك قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي الحظ الأوفر. وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إنَّ اللَّه بَعَثنِي لأتمِّمَ مكارِمَ الأخْلاق» . فصل قال ابن الخطيب: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كالتفسير لما تقدم من قوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ؛ لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه، وإذا كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال، لم يجز إضافة الجنون إليه؛ لأن أخلاق المجانين سيئة، ولما كانت أخلاقه الحميدة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة، ولهذا قال: ﴿مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] أي: لست مكلفاً فيما يظهر لكم من الأخلاق، لأنه تعالى قال: ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: 90] فهذا الهدي الذي أمر الله محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالاقتداءِ به ليس هو معرفة الله تعالى؛ لأن ذلك تقليداً، وهو غير لائق بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وليس هو الشرائع؛ لأن شريعته كشرائعهم، فتعين أن يكون المراد منه أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء فيما اختص به من الخلقِ الكريمِ، وكان كل واحد منهم مختصاً بنوع واحدٍ، فلما أمر محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحدٍ من الأنبياء قبله - لا جرم - وصف الله خلقه بأنه عظيم، وكلمة «عَلَى» للاستعلاءِ فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاقِ، ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الحميدة كالمولى بالنسبة إلى العبد، وكالأمير بالنسبة إلى المأمور. وقد ورد أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في مدح الخلق الحسن، وذم الخلق السّيّىء. قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ . قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة. وقيل: فسترى وترون يوم القيامة حتى يتبين الحق والباطل. وقيل: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ في الدنيا كيف تكون عاقبة أمرك وأمرهم فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون ذليلين ملعونين ويستولى عليهم بالقتل والنهب. قال مقاتل بن حيان: هذا وعيد العذاب ببدر. قوله ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو «بحسبك زيد» ، وإلى هذا ذهب قتادة وأبو عبيدة معمر بن المثنى. إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في «حَسْبُك» فقط. الثاني: أن الباء بمعنى «فِي» فهي ظرفية، كقولك: «زيْدٌ بالبصرةِ» أي: فيها، والمعنى: في أي فرقة، وطائفة منكم المفتون: أي المجنون في فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء. ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «فِي أيكمُ» . والثالث: أنه على حذف مضاف، أي «بأيكم فتن المفتون» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش. وتكون الباء سببية. والرابع: أن المفتون مصدر جاء على «مفعول» ك «المعقول» و «الميسور» ، والتقدير: «بأيكمُ المفْتُونُ» . فعلى القول الأول يكون الكلام تاماً عند قوله: «ويُبْصرُونَ» ، ويبتدأ بقوله «بأيكمُ المفتُونُ» . وعلى الأوجه بعده تكون الباء متعلقة بما قبلها، ولا يوقف على «يُبْصِرُونَ» . وعلى الأوجه الأول الثلاثة يكون «المَفْتُونُ» اسم مفعول على أصله، وعلى الوجه الرابع يكون مصدراً، وينبغي أن يقال: إن الكلام إنما يتم على قوله «المَفْتُونُ» سواء قيل: بأن الباء مزيدة أم لا، لأن قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ معلق بالاستفهام بعده، لأنه فعل بمعنى الرؤية البصرية تعلق على الصحيحِ، بدليل قولهم: أما ترى أن برق هاهنا، فكذلك الإبصار، لأنه هو الرؤية بالعين، فعلى القول بزيادة الباء، تكون الجملة الاستفهامية في محل نصب؛ لأنها واقعة موضع مفعول الإبصار. فصل قال القرطبيُّ: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ بأيكم المفتون، الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] و ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] ، وهو قول قتادة وأبي عبيدة كما تقدم وقيل: الباء ليست مزيدة، والمعنى «بأيكم المفتون» أي: الفتنة، وهو مصدر على وزن المفعول ويكون المعنى: المفتون، كقولهم: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي: عقل ولا جلادة، قاله الحسن والضحاك وابن عباس. قال الراعي: [الكامل] 4810 - حَتَّى إذَا لَمْ يَتركُوا لِعظامِهِ ... لَحْماً ولا لفُؤادِهِ مَعْقُولا أي عقلاً، والمفتون المجنون الذي فتنه الشيطانُ. وقيل: المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار، إذا حميته، قال تعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: 13] أي: يعذبون وقيل: المفتون: الشيطان؛ لانه مفتون في دينه , وكانوا يقولون: إن به شيطاناً , وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى لهم: فسيعلمون غداً بأيهم [المجنون] أي: الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ . أي: إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِ الْمُهْتَدِينَ﴾ , أي: الذين هم على الهدى، فيجازي كلاًّ غداً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.