الباحث القرآني

قوله: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ﴾ . قرأ أبو عمرو والكسائيُّ: بكسر القاف، وفتح الباء، أي: ومن هو في جهته، ويؤيده قراءةُ أبي موسى: «ومن تلقاه» . وقرأ أبيٌّ وعبد الله: «ومنْ مَعَه» . والباقون: بالفتحِ والسكونِ على أنه ظرف، أي: ومن تقدمه. والقراءة الأولى اختارها أبو عبيدة، وأبو حاتم اعتباراً بقراءة أبيّ، وعبد الله. قوله: ﴿والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ﴾ . «المؤتفكات» : أهل قرى لوط. وقراءة العامة: بالألف. وقرأ الحسن والجحدريُّ: «والمُؤتَفكةُ» على التوحيد. قال قتادةُ: إنما سُمِّيتْ قرى لوط «مُؤتفِكَات» لأنَّها ائتفكت بهم، أي: انقلبت. وذكر الطبري عن محمد بن كعب القرظيِّ قال: خمس قريات: «صبعة، وصعرة وعمرة، ودوما، وسدوم» ، وهي القرية العظمى. وقوله: «بالخاطئة» . إما أن تكون صفة، أي: بالفعلة، أو الفعلات الخاطئة، وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد: بالخطايا كانوا يفعلونها. وقال الجرجاني: بالخطأ العظيمِ، فيكون مصدراً ك «العاقبة» و «الكاذبة» . قوله: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ إن عاد الضمير إلى فرعون، ومن قبله، فرسول ربِّهم موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -. وإن كان عائداً إلى أهلِ المؤتفكاتِ، فرسولُ ربِّهم لوط عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. قال الواحديُّ: والوجه أن يقال: المراد بالرسول كلاهما للخبر عن الأمتين بعد ذكرهما بقوله: «فَعَصَوْا» فيكون كقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] قال القرطبي: وقيل: «رسول» بمعنى رسالة، وقد يعبر عن الرسالة بالرسول، كقوله: [الطويل] 4843 - لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِندهُمْ ... بِسِرِّ ولا أرْسلتُهُمْ بِرسُولِ قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ ، أي: عالية زائدة على الأخذات، وعلى عذاب الأمم، يقال: ربا الشيء يربوا إذا زاد، ومنه الرِّبا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطي. والمعنى: أنها كانت زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار، كما أن أفعالهم كانت زائدة في القُبحِ على أفعال سائرِ الكفار. وقيل: إن عقوبة آل فرعون في الدنيا متعلقة بعذاب الآخرة، لقوله: ﴿أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً﴾ [نوح: 25] وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدُّنيا، فتلك العقوبة كأنها كانت تنمو وتربو. ثم ذكر قصة قومِ نوح، وهي قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ ، أي: ارتفع وعلا. وقال عليٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: طَغَى على خُزَّانه من الملائكة غضباً لربِّه، فلم يقدروا على حبسه. قال المفسرون: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً. وقال ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: طغى الماءُ زمن نوحٍ على خزانه، فكثر عليهم فلم يدروا كم خرج، وليس من الماء قطرة تنزل قبله، ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم، وقد تقدم مرفوعاً أوَّل السورةِ، والمقصود من ذكر قصص هذه الأممِ، وذكر ما حل بهم من العذاب، زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسولِ، ثم منَّ عليهم بأن جعلهم ذرية من نجا من الغرق بقوله: «حَمَلْناكُم» أي: حملنا آباءكم، وأنتم في أصلابهم، «فِي الجَاريَةِ» أي: في السفن الجاريةِ، والمحمولُ في الجارية إنَّما هو نوحٌ وأولاده، وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك. والجارية من أسماء السفينة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام﴾ [الرحمن: 24] ، وغلب استعمالُ الجاريةِ في السفينة؛ كقوله في بعض الألغاز: [البسيط] 4844 - رَأيْتُ جَاريَةٌ في بَطْنِ جَارِيَةٍ ... فِي بَطْنِهَا رجُلٌ في بطْنهِ جَمَلُ قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ ، أي: سفينة نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - جعلها الله تذكرة وعظةً لهذه الأمةِ حتى أدركها أوائلهم. في قول قتادة. قال ابن جريجِ: كانت ألواحُهَا على الجوديِّ، والمعنى: أبقيتُ لكم الخشباتِ حتى تذكروا ما حلَّ بقوم نوحٍ، وأنجى الله أباكم، وكم من سفينةٍ هلكت وصارت تراباً، ولم يبق منها شيءٌ، وهذا قولُ الفرَّاءِ. قال ابنُ الخطيبِ: وهذا ضعيفٌ، بل الصوابُ ما قاله الزجاج: أن الضمير في قوله: « لنجعلها» يعود إلى «الواقِعَة» التي هي معلومةٌ، وإن كانت هنا غير مذكورةٍ، والتقدير: لنجعل نجاةَ المؤمنين وإغراق الكافرين عظةً، وعبرةً، ويدل على صحته قوله: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ فالضمير في قوله: «وتَعِيهَا» لا يمكن عوده إلى السفينة، فكذا الضمير الأول. قوله: «وتَعِيهَا» العامة: على كسر العين وتخفيف التاء، وهو مضارع «وَعَى» منصوب عطفاً على «لنجْعَلهَا» . وابن مصرف وأبو عمرو في رواية هارون عنه وقنبل، قال القرطبي: وحميد والأعرج بإسكانها تشبيهاً له ب «رحم، وشهد» وإن لم يكن منه، ولكن صار في اللفظ بمنزلة الفعل الحلقي العين. قال ابن الخطيب: وروى عن ابن كثيرٍ إسكان العين، جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلةٍ واحدةٍ، فحذف وأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من «فَخْذ وكَبْد وكَتْف» ، وإنما فعل ذلك؛ لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل، فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال: وَهْو وَهْي، ومثل ذلك ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: 52] في قراءة من سكَّن القاف. وروي عن حمزة: إخفاء الكسرة. وروي عن عاصم وحمزة: بتشديد «الياء» . وهو غلط عليهما، وإنما سمعهما الراوي يثبتان حركة الياء، فظنَّها شدة. وقيل: أجريا الوصل مجرى الوقف فضعِّف الحرفُ، وهذا لا ينبغي أن يلتفت إليه. وروي عن حمزة أيضاً، وموسى بن عبد الله العبسي: «وتعِيهَا» بسكون «الياء» . وفيه وجهان: الاستئناف، والعطف على المنصوب، وإنما سكنا «الياء» استثقالاً للحركة على حرف العلة، كقراءة: ﴿تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] . * فصل في «وعى» قال الزَّجَّاجُ: يقال: وعيتُ كذا، أي: حفظتُه في نفسي، أعيه وعْياً ووعيتُ العلمَ، ووعيتُ ما قلته كله بمعنى، وأوعيت المتاع في الوعاء. قال الزجاجُ: يقال لكل ما حفظته في غير نفسك: أوعيتُه - بالألف - ولما حفظته في نفسك: وعيته، بغير ألف. قال ابن الخطيب: واعلم أن وجه التذكير في هذا أن نجاة قومٍ من الغرقِ في السَّفينة، وتغريق من سواهم يدل على قدرة مدبر العالم، ونفاذ مشيئته، ونهاية حكمته، ورحمته، وشدة قهره. «روي أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال عند نزول هذه الآية:» سَألْتُ اللَّه أنْ يَجْعلهَا أذنَكَ يا عليُّ» ، قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «فما نَسِيتُ شيئاً بعد ذلك» » . فإن قيل: لِمَ قال: «أذُنٌ واعِيَةٌ» على التوحيد والتنكير؟ . فالجوابُ: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلةٌ، ولتوبيخ الناس بقلة من يَعِي منهم، والدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعيت وعقلتْ عن الله، فهي السَّواد الأعظم عند الله، وأن سواها لا يلتفت إليهم، وإن امتلأ العالمُ منهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37] . قال قتادة: الأذُنُ الواعيةُ أذنٌ عقلتْ عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ. قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ . لما حكى هذه القصص الثلاثة ونبَّه بها على ثبوت القدرة والحكمة للصانع، فحينئذ ثبت بثبوت القدرة إمكان القيامة، ويثبت القدرة إمكان وقوع الحشر، ولما ثبت ذلك شرع سبحانه في تفاصيل أحوال القيامة، فذكر أولاً مقدماتها، فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ . قوله: «واحدةٌ» تأكيد، و «نَفْخَةٌ» مصدر قام مقام الفاعل. وقال ابنُ عطية: «لما نُعِتَ صحَّ رفعهُ» انتهى. ولو لم يُنعتْ لصحَّ رفعه؛ لأنه مصدر مختص لدلالته على الوحدة، والممنوع عند البصريين إنما هو إقامة المبهمِ، نحو: «ضَرَبَ» . والعامةُ على الرفع فيهما. وقرأ أبو السّمال: بنصبهما، كأنه أقام الجارَّ مقام الفاعلِ، فترك المصدر على أصله، ولم يؤنث الفعل وهو: «نُفِخَ» ؛ لأن التأنيث مجازي وحسَّنه الفصل انتهى. * فصل في النفخة الأولى قال ابن عباس: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلا يبقى أحد إلا مات. قال ابن الخطيب: لأن عندها يحصل خرابُ العالمِ. فإن قيل: لم قال بعد ذلك ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ والعرض إنما يكون عند النفخة الثانية؟ . قلت: جعل اليوم اسماً للحين الواسع الذي تقع فيه النَّفختان، والصَّعقة والنشور، والوقوف، والحساب، فكذلك ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ كقوله: «جئتُه عام كذا» وإنَّما كان مجيئُك في وقتٍ واحدٍ من أوقاته. وقيل: إنَّ هذه النَّفخة هي الأخيرةُ. وقال: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ، أي: لا تثنَّى. قال الأخفشُ: ووقع الفعلُ على النَّفخة، إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع، فقيل: نفخة. قوله: ﴿وَحُمِلَتِ الأرض﴾ ، قرأ العامة: بتخفيف «الميم» . أي: وحملتها الريحُ، أو الملائكةُ، أو القدرةُ، أي: رفعتْ من أماكنها، «فَدُكَّتا» ، أي: فُتَّتَا وكسِّرتا، ﴿دَكَّةً وَاحِدةً﴾ أي: الأرض والجبالُ؛ لأن المراد الشيئان المتقدمان، كقوله: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: 9] . ولا يجوزُ في «دكَّةً» إلا النصبُ؛ لارتفاع الضمير في «دُكَّتَا» . وقال الفرَّاءُ: لم يقلْ: «فَدُكِكْنَ» ؛ لأنه جعل الجبال كلها كالجملةِ الواحدة [والأرض كالجملة الواحدة] ومثله: ﴿أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً﴾ [الأنبياء: 30] ، ولم يقل: «كُنَّ» . وهذا الدَّكُّ، كالزلزلةِ لقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1] . وإما بريح بلغت من قوة عصفها أنَّها تحمل الأرض والجبال، أو بملك من الملائكة، أو بقدرة الله، «فَدُكَّتَا» ، أي: جملة الأرض، وجملة الجبال تضرب بعضها في بعض حتى تندق وتصير ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: 14] ، و ﴿هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 6] . والدَّكُّ أبلغُ من الدَّق وقيل: «دُكَّتا» أي: بُسطتا بسطةً واحدةً، ومنه اندكَّ سنامُ البعير، إذا انفرش في ظهره. وقرأ ابن عامرٍ في رواية، والأعمش، وابن أبي عبلة وابن مقسم: «وحُمِّلت» - بتشديد الميم -. فجاز أن يكون التشديد للتكثير، فلم يكسب الفعل مفعولاً آخر. وجاز أن يكون للتعدية فيكسبه مفعولاً آخر، فيحتمل أن يكون الثاني محذوفاً، والأول هو القائمُ مقام الفاعلِ تقديره: وحُمِّلت الأرض والجبال ريحاً تفتتها، لقوله: ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] . وقيل: التقدير: حملنا ملائكة، ويحتمل أن يكون الأول هو المحذوف، والثاني هو القائم مقام الفاعل. قوله: «فيَومئذٍ» منصوب ب «وقعت» ، و «وقَعَتِ الواقِعَةُ» لا بُدَّ فيه من تأويلٍ، وهو أن تكون «الوَاقعةُ» صارت علماً بالغلبةِ على القيامة، أو الواقعة العظيمة، وإلاَّ فقام القائمُ لا يجوز، إذ لا فائدة فيه، وتقدم هذا في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: 1] والتنوين في «يومئذٍ» للعوضِ من الجملة، تقديره: يومئذٍ نُفِخَ في الصُّوْرِ. * فصل في معنى الآية المعنى قامت القيامة الكبرى ﴿وانشقت السمآء﴾ أي: انصدعت وتفطرت. وقيل: انشقت لنزول الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ ، أي: ضعيفة مسترخيةٌ ساقطةٌ ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: 5] بعد ما كانت محكمةً. يقال: وهى البناء يَهِي وهْياً، فهو واهٍ إذا ضعف جدّاً. ويقال: كلامٌ واهٍ أي: ضعيف. فقيل: إنَّها تصير بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوهْي، ويكون ذلك لنزولِ الملائكةِ. وقيل: لهولِ يوم القيامةِ. وقال ابن شجرة: «واهية» أي: متخرقة، مأخوذ من قولهم: وهى السِّقاءُ، إذا انخرق. ومن أمثالهم: [الرجز] 4845 - خَلِّ سَبيلَ مَنْ وهَى سِقاؤهُ ... ومَنْ هُرِيقَ بالفَلاةِ مَاؤهُ أي: من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه. ﴿والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ . لم يردْ به ملكاً واحداً، بل المراد الجنس والجمع. «على أرجائها» «الأرجاء» في اللغة: النواحي والأقطار بلغة «هُذَيْل» ، واحدها: «رجا» مقصور وتثنيته «رجوان» ، مثل «عصا، وعصوان» ، قال الشاعر: [الوافر] 4846 - فَلاَ يُرْمَى بِيَ الرَّجوانِ أنَّي ... أقَلُّ القَوْمِ مَنْ يُغْنِي مَكانِي وقال آخر: [الطويل] 4847 - كَأنْ لَمْ تَرَي قَبْلِي أسِيراً مُقَيَّداً ... ولا رَجُلاً يُرْمَى بِهِ الرَّجوانِ و «رجاء» هذا يكتب بالألف عكس «رَجَا» ؛ لأنه من ذوات الواو، ويقال: «رجا» ، ورجوانِ، والجمع: «الأرجاء» ، ويقال ذلك لحرفي البئر وحرف القبر وما أشبهه. * فصل في تفسير الآية قاب ابن عباس: على أطرافها حين تنشق. قال الماورديُّ: ولعله قول مجاهد وقتادة، وحكاه الثعلبي عن الضحاك، قال: على أطرافها مما لم تنشقّ منها. وقال سعيد بن جبيرٍ: المعنى والملك على حافات الدنيا، أي: ينزلون إلى الأرض، ويحرسون أطرافها. وقال: إذا صارت السماءُ قطعاً، تقف الملائكةُ على تلك القطعِ التي ليست مُتشققة في أنفسها. فإن قيل: الملائكةُ يمُوتُونَ في الصَّعقةِ الأولى، لقوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ [الزمر: 68] فكيف يقال: إنهم يقفون على أرجاء السماء؟ . فالجوابُ من وجهين: الأول: أنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء، ثم يموتون. والثاني: المراد الذين استثناهم في قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ [الزمر: 68] [النمل: 87] . فإن قيل: إنَّ الناس إذا رأوا جهنَّم هالتهم، فندُّوا كما تندُّ الإبلُ، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلاَّ رأوا ملائكة، فيرجعون من حيثُ جاءوا. وقيل: ﴿على أَرْجَآئِهَآ﴾ ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النَّارِ من السَّوق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة، وهذا كلُّه راجعٌ إلى قول ابن جبير، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] . قوله: ﴿على أَرْجَآئِهَآ﴾ ، خبر المبتدأ، والضمير للسماء، وقيل: للأرضِ، على ما تقدم. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما الفرق بين قوله: «والمَلَكُ» وبين أن يقال: «والمَلائِكَةُ» ؟ قلت: الملكُ أعمُّ من الملائكةِ، ألا ترى إلى قولك: «ما من ملك إلاَّ وهو ساجدٌ» أعم من قولك: «ما مِنْ ملائكةٍ» انتهى. قال أبو حيَّان: ولا يظهر أنَّ الملك أعمُّ من الملائكةِ، لأن المفرد المحلَّى بالألف واللام، قُصاراه أن يكون مراداً به الجمع المحلَّى، ولذلك صح الاستثناءُ منه، فقصاراه أن يكون كالجمع المُحَلَّى بهما، وأما دعواه أنه أعم منه، بقوله: «ألا ترى» إلى آخره، فليس دليلاً على دعواه؛ لأن «مِنْ ملكٍ» نكرةٌ مفردة في سياق النفي قد دخلت عليها «مِن» المخلصة للاستغراق، فشملت كل ملكٍ فاندرج تحتها الجمعُ لوجود الفرد فيه، فانتفى كل فردٍ فرد، بخلاف «مِنْ ملائِكةِ» ، فإن «مِنْ» دخلت على جمع منكَّر، فعمّ في كل جمع جمع من الملائكةِ، ولا يلزم من ذلك انتفاء كلِّ فردٍ فردٍ من الملائكة، لو قلت: «ما في الدار من رجال» جاز أن يكون فيها واحدٌ، لأن النفي إنما انسحب على جمع، ولا يلزم من انتفاء الجمع أن ينتفي المفردُ، والملك في الآية ليس في سياق نفي دخلت عليه «مِنْ» وإنَّما جِيءَ به مفرداً؛ لأنه أخفُّ، ولأن قوله: ﴿على أَرْجَآئِهَآ﴾ يدلُّ على الجمع؛ لأن الواحد بما هو واحد لا يمكن أن يكون «على أرجائِهَا» في وقتٍ واحدٍ بل أوقات، والمراد - والله أعلم - أن الملائكة على أرجائها إلاَّ أنه ملك واحد ينتقل على أرجائها في أوقات. وقال شهاب الدين: إنَّ الزمخشريَّ منزعهُ في هذا ما تقدم عنه في أواخر سورة « البقرة» عند قوله: ﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] فليرجع ثمَّة. وأما قول أبي حيان: «ما مِنْ رجالٍ» أن النفي منسحبٌ على رُتَب الجمع، ففيه خلاف، والتحقيق ما ذكره. قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ . الضمير في «فَوقَهُمْ» يجوز أن يعود على «الملائكة» بمعنى كما تقدم، وأن يعود على الحاملين الثمانية. وقيل: إنَّ حملة العرشِ فوقَ الملائكةِ الذينَ في السماء على أرجائها. وقيل: يعود على جميع العالم، أي: أن الملائكة تحمل عرش الله فوق العالم كلِّه. * فصل في هؤلاء الثمانية قال ابن عباس: ثمانية صنوفٍ من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاكٍ. وعن الحسن: الله أعلمُ كم هم ثمانية، أم ثمانية آلاف، أو ثمانية صفوف. وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أَنَّ حَمَلةَ العَرْشِ اليَوْم أربعةُ أوعالٍ، فإذَا كان يومُ القيامةِ أيدهُم اللَّهُ بأربَعة آخرين، فكانُوا ثَمانيَةً» خرَّجَهُ الماورديُّ مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. ورواه العباسُ بنُ عبد المطّلب عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «هُمْ ثَمانِيَةُ أملاكٍ على صورةِ الأوعالِ، لكلِّ ملكٍ منهُم أربعةُ أوجهٍ: وجهُ رجُلٍ، ووجهُ أسدٍ، ووجهُ ثورٍ، ووجهُ نسْرٍ، وكلُّ وجهٍ مِنْهَا يسألُ اللَّهَ الرِّزقَ لذلك الجِنْسِ» . فإن قيل: إذا لم يكنْ فيهم صورةُ وعلٍ، فكيف سُمُّوا أوعالاً؟ . فالجواب: أنَّ وجْهَ الثَّور إذا كانت له قرون الوعْلِ أشبه الوعْلَ. وفي الخبرِ: «أنَّ فَوْقَ السَّماءِ السَّابعةِ ثمانيةَ أوْعالٍ بينَ أظلافهِنَّ ورُكبهنَّ مثلُ ما بَيْنَ سماءٍ إلى سماءٍ، وفوقَ ظُهورهِنَّ العَرْشُ» ذكره القشيريُّ، وخرَّجهُ الترمذيُّ من حديث العباس بن عبد المُطلبِ. وفي حديث مرفوع: «أنَّ حَمَلَةَ العرْشِ ثَمَانيَةُ أمْلاكٍ؛ على صُوَرِ الأوعالِ، ما بين أظْلافهَا إلى رُكَبِهَا مسِيْرةُ سبعِينَ عاماً للطَّائرِ المُسْرعِ» . ورُوي أنَّ أرجلهنَّ في السَّماءِ السَّابعةِ. * فصل في إضافة العرش إلى الله إضافة العرش إلى الله - تعالى - كإضافة البيت إليه، وليس البيتُ للسكنِ، فكذلك العرشُ، ومعنى «فوقهم» أي: فوق رءوسهم. قال ابنُ الخطيب: قالت المشبِّهةُ: لو لم يكن اللَّهُ في العرشِ لكان حملُ العرش عبثاً لا فائدة فيه، لا سيما قد أكَّد ذلك بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ ، والعرش إنَّما يكونُ لو كان الإلهُ حاضراً في العرش. وأجاب: بأنه لا يمكن أن يكون المراد أنَّ الله - تعالى - جالس في العرش؛ لأن كل من كان حاملاً للعرش؛ كان حاملاً لكل ما كان في العرش فلو كان الإلهُ على العرش لزم أن يكون الملائكة حاملين لله تعالى، وذلك محالٌ؛ لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدراً من الله، وكل ذلك كفرٌ، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل، فنقول: السببُ في هذا الكلام هو أنه - تعالى - خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتاً يزورونه ليس أنه يسكنه - تعالى الله عن ذلك - وجعل في ركن البيت حجراً، هو يمينه في الأرض إذْ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العبادِ حفظةً لا لأن النسيان يجوزُ عليه سبحانه، وكذلك أنَّ الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس على سريره، ووقفت الأعوانُ حوله، فسمى الله يوم القيامة عرشاً، وحفَّت به الملائكة لا لأنه يقعد عليه، أو يحتاجُ إليه، بل كما قلنا في البيت والطَّواف. قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ هو جواب «إذَا» من قوله: «فَإذَا نُفِخَ» . قاله أبو حيَّان. وفيه نظرٌ، بل جوابها ما تقدم من قوله: «وقَعَتِ الواقِعَةُ» و «تُعْرضُونَ» على هذا مستأنفة. قوله: ﴿لاَ تخفى﴾ . قرأ الأخوان: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي، كقوله: ﴿وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة﴾ [هود: 67] . واختاره أبو عبيد؛ لأنه قد حال بين الفعل والاسم المؤنث الجار والمجرور. والأخوان: على أصلهما في إمالة الألف. وقرأ الباقون: «لا تَخْفَى» بالتاء من فوق للتأنيث اللفظي والفتح وهو الأصل، واختاره أبو حاتم. * فصل في العرض على الله قال القرطبيُّ: هذا هو العرضُ على الله، ودليله: ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾ [الكهف: 48] وليس ذلك عرضاً ليعلم ما لم يكن عالماً، بل ذلك العرضُ عبارةٌ عن المحاسبة والمساءلة وتقدير الأعمال عليهم للمجازاة. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يُعْرَضُ النَّاسُ يوم القِيامةِ ثلاثَ عَرضَاتٍ، فأما عَرْضتانِ فَجِدالٌ، ومعَاذِيرٌ وأما الثَّالثةُ فعند ذلك تَطِيْرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي فآخِذٌ بيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشمالهِ» . وقوله: ﴿لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ . قال ابن شجرة: أي: هو عالم بكل شيء من أعمالكم، ف «خَافِيَة» على هذا بمعنى «خفيَّة» كانوا يخفونها من أعمالهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر: 16] . قال ابن الخطيب: فيكون الغرضُ المبالغة في التهديدِ، يعني: «تُعرَضُون على من لا يخفى عليه شيء» . وقيل: لا يخفى عليه إنسان لا يحاسب. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لا يَخْفَى المُؤمِنُ من الكافر، ولا البَرُّ من الفاجرِ. وقيل: لا يتسر منكم عورة، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «يُحْشرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً» . قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ، وهذا دليلٌ على النجاة. قال ابن عباسٍ: أول من يُعْطَى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمرُ بن الخطاب، وله شعاعٌ كشعاع الشمس، وقيل له: فأين أبو بكر، فقال: هيهات، زفَّته الملائكةُ إلى الجنَّة. قال القرطبي: وقد ذكرناه مرفوعاً من حديث زيد بن ثابت بلفظه، ومعناه في كتاب «التذكرة» . قوله: «هَاؤمَ» ، أي: خذوا ﴿اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ يقول ذلك ثقة بالإسلام وسروراً بنجاته؛ لأن اليمين عند العرب من دلائلِ الفرح. قال الشاعر: [الوافر] 4848 - إذَا مَا رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... لقَّاهَا عَرابَةُ باليَميْنِ وقال: [الطويل] 4849 - أبِينِي أفِي يُمْنَى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي ... فأفْرَحُ أمْ صيَّدْتِنِي بِشمَالِكِ وقال ابن زيدٍ: معنى: «هَاؤمُ» : تعالوا، فتتعدى ب «إلى» . وقال مقاتلُ: «هَلُمَّ» . وقيل: خذوا، ومنه الحديث في الربا: «إلا هَاء وهَاءَ» ، أي: يقول كل واحد لصاحبه: خُذْ، وهذا هو المشهورُ. وقيل: هي كلمةٌ وضعت لأجابة الدَّاعي عند الفرح، والنَّشاط. وفي الحديث: «أنَّه نَاداهُ أعرَابِيٌّ بصَوْتٍ عَالٍ، فأجَابَهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» هَاؤمُ «يطول صوته.» . وقيل: معناها «اقصدوا» . وزعم هؤلاء أنها مركبة من هاء التنبيه، وأموا، من الأم، وهو القصدُ، فصيره التخفيف والاستعمال إلى «هاؤم» . وقيل: «الميمُ» ضميرُ جماعةِ الذكور. وزعم القتيبي: أنَّ «الهمزة» بدلٌ من «الكاف» . فإن عنى أنها تحلُّ محلَّها فصحيح، وإن عنى البدل الصناعي فليس بصحيح. فقوله: «هاؤم» يطلب مفعولاً يتعدى إليه بنفسه إن كان بمعنى: «خُذْ» أو «اقْصِد إليّ» إن كان بمعنى: «تَعَالَوْا» ، و «اقرأوا» يطلبه أيضاً، فقد تنازعا في: «كِتَابِيَه» وأعمل الثاني للحذف من الأول. وقد تقدم تحقيق هذا في سورة «الكهف» . وفيها لغاتٌ: وذلك أنها تكون فعلاً صريحاً، وتكون اسم فعل، ومعناها في الحالين: «خذ» فإن كانت اسم فعلٍ، وهي المذكورة في الآية الكريمة، ففيها لغتان: المدّ والقصر تقول: «هَا درهماً يا زيدُ، وهاء درهماً» ، ويكونان كذلك في الأحوال كلها من إفراد وتثنيةٍ وجمعٍ وتذكيرٍ وتأنيثٍ، ويتصل بهما كافُ الخطاب، اتصالها بإسم الإشارة، فتطابق مخاطبك بحسب الواقع مطابقتها وهي ضميره، نحو: «هَاكَ، هَاكِ، هاءَكَ» إلى آخره. وتخلف كافُ الخطابِ همزة «هاءَ» مصرفة تصرف كاف الخطاب، فتقول: «هَاءَ يا زيدُ، هاءِ يا هندُ، هاؤم، هاؤن» وهي لغةُ القرآن. وإذا كانت فعلاً صريحاً؛ لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها كان فيها ثلاثة لغاتٍ: إحداها: أن يكون مثل «عَاطَى يُعَاطِي» ، فيقال: «هاء يا زيدُ، هائِي يا هندُ، هائيَا يا زيدان أو يا هنداتُ، هاءوا يا زيدون، هائين يا هنداتُ» . الثانية: أن تكون مثل: «هَبْ» فيقال: «هَأ، هِىء، هَاءَا، هِئُوا، هِئْنَ» ، مثل: «هَبْ، هِبِي، هِبَا، هِبُوا، هِبْنَ» . الثالثة: أن تكون مثل: «خَفْ» أمراً من الخوف، فيقال: «هَأْ، هَائِي، هَاءَا، هَاءُوا، هَأنَ» ، مثل: «خَفْ، خَافِي، خَافَا، خَافُوا، خفْنَ» . قوله: «كتابيه» . منصوب ب «هاؤم» عند الكوفيين، وعند البصريين ب «اقرأوا» ؛ لأنه أقربُ العاملين، والأصل «كتابي» فأدخل «الهاء» لتبين فتحة «الياءِ» و «الهاء» في «كتابيه» و «حسابيه» و «سلطانيه» و «ماليه» للسكتِ، وكان حقُّها أن تحذف وصلاً وتثبت وقفاً، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف، أو وصل بنية الوقف في «كتابيه» و «حسابيه» اتفاقاً، فأثبت «الهاء» . وكذلك في «مَاليَه» و «سلطانيه» و ﴿مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: 10] في القارعة، عند القُرَّاء كلهم إلا حمزة، فإنه حذف الهاء من هذه الكلم الثلاث وصلاً، وأثبتها وقفاً؛ لأنها في الوقف يحتاج إليها؛ لتحصينِ حركةِ الموقوفِ عليه، وفي الوصل يستغنى عنها. فإن قيل: فَلِمَ لم يفعل ذلك في «كتابيه» و «حسابيه» ؟ . فالجواب: أنه جمع بين اللغتين، هذا في القراءات السبعِ. وقرأ ابن محيصن: بحذفها في الكلم كلِّها وصلاً ووقفاً إلا في «القارعة» ، فإنه لم يتحقق عنه فيها نقل. وقرأ الأعمشُ، وابن أبي إسحاق: بحذفها فيهن وصلاً، وإثباتها وقفاً. وابن محيصن: يسكنُ الهاء في الكلم المذكورة بغيرها. والحق أنها قراءةٌ صحيحةٌ، أعني ثبوت هاء السكتِ وصلاً؛ لثبوتها في خط المصحف الكريم، ولا يلتفت إلى قول الزهراوي إن إثباتها في الوصل لحن لا أعلم أحداً يجيزه. وقد تقدم الكلام على هاء السكت في البقرة والأنعام. قوله: ﴿إنِّي ظَنَنتُ﴾ . قال ابن عباس: أي: أيقنتُ وعلمتُ. وقيل: ظننتُ أن يؤاخذني الله بسيئاتي إن عذبني فقد تفضَّل علي بعفوه، ولم يؤاخذني بها. قال الضحاك: كل ظن من المؤمن في القرآن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد: ظَنُّ الآخرة يقين وظَنُّ الدنيا شَكٌّ. وقال الحسن في هذه الآية: إنّ المؤمن من أحسن الظَّن بربّه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بربه، فأساء العمل. وقوله: ﴿أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ، أي: في الآخرة، ولم أنكرْ البعث، يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب؛ لأنه تيقّن أن الله يحاسبه، فعمل للآخرة. قوله: ﴿رَّاضِيَةٍ﴾ ، فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على المجاز جعلت العيشة راضية؛ لمحلها في مستحقيها، وأنها لا حال أكمل من حالها، والمعنى في عيش يرضاه لا مكروه فيه. الثاني: أنه على النَّسب، أي: ذات رضا، نحو: «لابنٌ وتامرٌ» لصاحب اللَّبن والتَّمْرِ والمعنى: ذات رضا يرضى بها صاحبها. الثالث: قال أبو عبيدة والفراء: إنه مما جاء فيه «فاعل» بمعنى مفعول نحو: ﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] ، أي: مدفوق، كما جاء مفعول بمعنى فاعل، كقوله: ﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: 45] ، أي: ساتراً. * فصل في تنعم أهل الجنة. قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّهُم يَعِيشون فلا يَمُوتُون أبداً، ويصحُّونَ فلا يَمْرضُونَ أبداً، وينعَمُونَ فلا يَرَوْنَ بأساً أبَداً ويَشِبُّونَ فلا يَهْرمُونَ أبداً» . قوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ، أي: عظيمةٌ في النفوس، ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ ، القطوف جمع: قطف، وهو فعل بمعنى مفعول، ك «الدِّعْي» و «الذِّبْح» ، وهو ما يَجتنِيهِ الجاني من الثِّمار، و «دَانِيَةٌ» ، أي: قريبة التناولِ يتناولها القائم، والقاعد، والمضطجع. والقِطْف - بكسر القاف - وهو ما يقطفُ من الثِّمار، والقَطْفِ - بالفتح - المصدر، والقِطَاف - بالفتح والكسر - وقت القطف. ﴿كُلُواْ﴾ ، أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، وهذا أمر امتنان، لا أمرُ تكليف. وقوله: «هنيئاً» قد تقدم في أول النساء وجوَّز الزمخشريُّ فيه هنا أن ينتصب نعتاً لمصدر محذوفٍ، أي: «أكْلاً هنيئاً وشُرْباً هنيئاً» ، وأن ينتصب على المصدر بعامل من لفظه مقدر، أي: «هَنِئْتُم بذلك هَنِيئاً» . و «الباء» في «بما أسْلفتُمْ» سببية، و «ما» مصدرية أو اسمية، ومعنى «هَنِيئاً» ، لا تكدير فيه ولا تنغيص، «بما أسْلَفْتُم» قدمتم من الأعمال ﴿فِي الأيام الخالية﴾ ، أي: في الدنيا. قالت المعتزلةُ: وهذا يدل على أنَّ العمل يوجبُ الثوابَ، وأن الفعل للعبدِ، وقال: «كُلُوا» بعد قوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ لقوله: ﴿فأما من أوتي كتابه﴾ ، و «من» تتضمنُ معنى الجمعِ. * فصل فيمن نزلت فيه الآية ذكر الضحاكُ: أن هذه الآية نزلت في أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي. وقال مقاتل: والآية التي قبلها في أخيه الأسود بن عبد الأسد في قول ابن عبَّاس والضحاك. قال الثعلبي: ويكون هذا الرجل، وأخوه سبب نزول هذه الآيات، ويعم المعنى جميع أهل الشقاوةِ، والسعادة، بدليل قوله تعالى: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ . وقيل: إنَّ المراد بذلك كل من كان متبوعاً في الخير والشر يدعو إليه، ويأمر به. قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ لما نظر في كتابه وتذكر قبائح أفعاله يخجل منها ويقول: ﴿ياليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ ثُم يتمنَّى الموت، ويقول: ﴿ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ . فالضَّميرُ في «لَيْتهَا» قيل: يعود إلى الموتةِ الأولى، وإن لم تكن مذكورة، إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة. و «القَاضِيَة» : القاطعةُ من الحياة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة﴾ [الجمعة: 10] ، ويقال: قُضِيَ على فلان، إذا مات، والمعنى: يا ليتها الموتة التي كانت القاطعة لأمري، ولم أبْعَثْ بعدها، ولم ألقَ ما وصلت إليه. قال قتادة: يتمنى الموت، ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت، وشرٌّ من الموت ما يطلب منه الموت؛ قال الشاعر: [الطويل] 4850 - وشَرٌّ مِنَ الموْتِ الذي إنْ لَقيتُهُ ... تَمَنَّيتُ مِنْهُ المَوْتَ، والمَوْتُ أعْظَمُ وقيل: يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليَّ. قوله: ﴿مَآ أغنى عَنِّي﴾ ، يجوزُ أن يكون نفياً، وأن يكون استفهام توبيخٍ لنفسه، أي: أيُّ شيءٍ أغنى عني ما كان لي من اليسار. ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال ابن عباس: هلكتْ عنِّي حُجَّتِي، والسلطانُ: الحجةُ التي كنتُ أحتجُّ بها، وهو قول مجاهدٍ وعكرمة والسُّدي والضَّحاك. وقال مقاتل: ضلت عني حجّتي حين شهدت عليه الجوارح. وقال ابن زيد: يعني مُلكي وتسلّطي على الناس، وبقيت ذليلاً فقيراً، وكان مُطاعاً في أصحابه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.