الباحث القرآني

قوله تعالى: واخْتَارَ مُوسَى. الآية، «اخْتَار» يتعدَّى لاثنين، لإى أوَّلهما بنفسه، وإلى ثانيهما بحرف الجرِّ، ويجوزُ حذفُهُ. تقول: اخْتَرْتُ زيداً من الرِّجالِ ثم تتسع فتحذف «من» فتقولُ «زَيْداً الرِّجَالَ» قال: [البسيط] 2587 - اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إذْ رَثَّتْ خلائِقُهُمْ ... واعْقَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عندهُ السُّؤلُ وقال الرَّاعي: [الطويل] 2588 - فَقُلْتُ لَهُ اخْتَرْهَا قَلُوصاً سَمِينَةً ... وناباً علينا مِثْلَ نَابِكَ فِي الحَيَا وقال الفرزدق: [الطويل] 2589 - مِنَّا الذي اخْتِير الرِّجالَ سَماحَةً ... وجُوداً إذَا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعازعُ وهذا النوعُ مقصورٌ على السَّماعِ، حصرهُ النحاة في ألفاظ، وهي: «اختار» و «أمَرَ» . كقوله: [البسيط] 2590 - أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ مَا أمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشَبِ و «اسْتَغْفَرَ» ، كقوله: [البسيط] 2591 - سْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العبادِ إليهِ الوَجْهُ والعملُ و «سَمَّى» ؛ كقوله: سَمَّيْتُ ابني بِزَيْدٍ، وإن شِئْتَ: زَيْداً، و «دَعَا» بمعناه؛ قال: [الطويل] 2592 - دَعَتْنِي أخَاهَا أم عَمْرٍو، ولمْ أكُنْ ... أخَاهَا ولمْ أرْضَعْ لَهَا بِلَبَانِ و «كَنَى» ؛ تقولُ: كَنَيْتُه بفلانٍ، وإن شئت: فلاناً. و «صَدَقَ» قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: 152] ، و «زَوَّجَ» ؛ قال تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ . ولم يزد أبُو حيَّان عليها. ومنها أيضاً: «حدَّث» و «نَبَّأ» و «أخْبَرَ» و «خَبَّرَ» إذا لم تُضُمَّنْ معنى «أعْلَمَ» . قال تعالى: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هذا﴾ [التحريم: 3] ؛ وقال: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ [مريم: 3] . وتقول حدَّثْتُكَ بكذا، وإن شئت: كذا؛ قال: [الطويل] 2593 - لَئِنْ كانَ مَا حُدِّثْتُهُ اليَوْمَ صَادِقَاً ... أصُمْ في نَهَارِ القَيْظِ للشَّمْسِ بَادِيَا و «قومه» مفعولٌ ثانٍ على أوَّلِهِمَا، والتقديرُ: واختار موسى سبعين رجلاً من قومه، ونقل أبُو البقاءِ عن بعضهم أنَّ «قَومَهُ» مفعول أول، و «سَبْعِينَ» بدلٌ، أي: بدل بعض من كل، ثم قال: «وأرى أنَّ البدل جائزٌ على ضَعْفٍ، وأنَّ التقدير: سَبْعِينَ رجلاً منهم» . قال شهابُ الدِّين: إنَّما كان ممتنعاً أو ضعيفاً؛ لأنَّ فيه حذف شيئين. أحدهما: المختار منه؛ فإنَّهُ لا بُدَّ للاختيار من مختارٍ، ومختار منه، وعلى البدل إنَّما ذُكِر المختارُ دون المختار منه. والثاني: أنَّه لا بُدَّ من رابط بين البدل والمبدل منه، وهو «مِنْهُمْ» كما قدره أبُو البقاء، وأيضاً فإنَّ البدل في نيَّةِ الطَّرح. قال ابْنُ الخطيبِ: وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى قومه لميقاتنا، وأراد ب «قَوْمَهُ» السبعين المعتبرين منهم؛ إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منه. وقوله سَبْعينَ رجلاً عطف بيانٍ؛ وعلى هذا فلا حاجةَ إلى ما ذكروه من التكلُّفات. فصل الاختيار: افتعالٌ من لفظ الخير كالمصطفى من الصفوة. يقال: اختار الشَّيء إذا أخذ خيره وخياره، وأصل اختارَ: اختير، فتحرّكت الياءُ وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً نحو: بَاعَ: ولذلك استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما مختار، والأصل مختيِر ومختَير فقلبت الياء فيهما ألفاً. فصل ذكروا أنَّ مُوسَى - عليه الصَّلاة والسَّلام - اختار من قومه اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة؛ فاصرُوا اثنين وسبعين. فقال: ليتخلف منكم رجلان؛ فتشاجروا. فقال: إنَّ لمن قعد منكم أجر مَنْ خرج، فقعد كالب ويوشع. وروي أنَّهُ لم يجد إلاَّ ستين شيخاً، فأوْحَى الله إليه أن يختار من الشَّبابِ عشرةً، فاختارهم، فأصبحوا شيوخاً فأمرهم اللَّهُ أن يصوموا، ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى الميقات. واختلفوا في هذا الاختيار هل هو الخروج إلى ميقات الكلام، وسؤال موسى ربَّه عن الرؤيّةِ أو للخروج إلى موضع آخر؟ فقال بعضً المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ لميقات الكلامِ وطلب الرُّؤية. قالوا: إنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء، فلما دَنَا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى، ودخل فيه. وقال للقوم: ادنُوا، فدنوا فلما دخلوا الغمام وقعوا سجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام وأقبلوا إليه. وقالوا: ﴿ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ [البقرة: 55] وهي الرَّجفة المذكورة ههنا. فقال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ﴾ [الأعراف: 155] وهو قولهم ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ [النساء: 153] . وقيل: المراد من هذا الميقات غير ميقات الكلام، وطلب الرُّؤيةِ، واختلفوا فيه. فقيل: إنَّ قوم موسى لمَّا عَبَدُوا العجل ثم تَابُوا أمر الله تعالى موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - أن يجمع السَّبعين ويحضروا موضعاً يظهرون فيه تلك التَّوْبة، فأوحى اللَّهُ تعالى إلى تلك الأرضِ، فرجفت بهم فعند ذلك قال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ﴾ ، وإنَّمَا رجفت بهم الأرض لوجوه. أولها: أنَّ هؤلاء السبعين وإن كانُوا ما عبدُوا العجل، إلاَّ أنهم ما فارقُوا عبدة العجل عن اشتغالهم بعبادة العجل. وثانيها: أنَّهم ما بالغُوا في النهي عن عبادة العجل. وثالثها: أنَّهُم لمَّا خرجوا إلى الميقاتِ ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا: اعْطِنَا ما تُعْطِه أحداً قبلنا، ولا تعطيه أحداً بعدنا، فأنكر اللَّهُ عليهم ذلك فأخذتهم الرجفة. واحتجوا لهذا القول بوجوه: أحدها: أنَّهُ تعالى ذكر قصة ميقات الكلام، وطلب الرُّؤيَةِ ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة، وظاهر الحال يقتضي أن هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة، ويمكن أن يكون عَوْداً إلى تتَّمةِ الكلام في القصة الأولى، إلاَّ أنَّ الأليق بالفصاح إتمام الكلام في القصَّةِ الواحدة في موضع واحد، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها، فأما ذكر بعض القصَّةِ، ثم الانتقال إلى قصَّة أخرى، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصَّة الأولى؛ فإنَّه يوجب نوعاً من الخبط والاضطراب، والأولى صون كلام الله عنه. وثانيها: أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم ينكر منهم إلاَّ قولهم ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ [النساء: 153] فلو كانت الرجفة المذكورة ههنا إنما حصلت بسبب هذا القول لوجب أن يقال: أتهلكنا بما يقول السفهاء مِنَّا؟ فلمَّا لم يقُلْ ذلك بل قال ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ﴾ علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بإقدامهم على عبادة العجل لا على القول. وثالثها: أن في ميقات الكلام أو الرؤية خرَّ موسى صعقاً وجعل الجبل دكّاً وأمَّا هذا الميقات فذكر تعالى أن القوم أخذتهم الرَّجفَةُ، ولم يذكر أن موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أخذته الرَّجفة، وكيف يقال أخذته الرجفة، وهو الذي قال: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ﴾ [الأعراف: 155] وهذه الخصوصيات تدلُّ على أن هذا الميقات غير ميقات الكلام وطلب الرُّؤية. وقيل: المراد بهذا الميقات ما رُوي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «إنَّ موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبلٍ؛ فنام هارون فتوفَّاهُ الله، فلمَّا رجع موسى قالوا إنَّهُ هو الذي قتل هارون: فاختار موسى سبعين رجلاً وذهبُوا إلى هارونَ فأحياه الله وقال ما قتلني أحدٌ، فأخذتهم الرَّجفة هناك. فصل اختلفُوا في تلك الرَّجفةِ. فقيل: إنَّهَا رجفة أوْجَبتِ الموتَ. قال السُّديُّ: قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل، وقد أهلكت خيارهم ولم يبق منهم رجل واحد؟ فما أقول لبني إسرائيل، وكيف يأمنوني على أخدٍ منهم؟ فأحياهم الله. فمعنى قوله ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ﴾ أنَّ مُوسى خاف أن يتَّهِمَهُ بنو إسرائيل عن السَّبعين إذا عاد إليهم، ولم يصدقوا أنهم ماتوا. فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك، ولا يتهموني. وقيل: إنَّ تلك الرَّجفة ما كانت موتاً، ولكن القومَ لمَّا رأوا تلك الحالةَ المهيبة أخذتهم الرعدة، ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم، وخاف موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - الموت فعند ذلك بكى، ودعا؛ فكشف الله عنهم الرعدة. قوله: «لميقاتِنَا» متعلقٌ ب» اختيارَ «أي: لأجل ميقاتنا، ويجوز أن يكون معناها الاختصاصَ أي: اختارهم مخصصاً بهم الميقات، كقولك: اختر لك كذا. قوله» لَوْ شِئْتَ «مفعلوُ المشيئة محذوف، أي: لو شئت إهلكانا، و» أهلكْتَهُم «جواب» لَوْ «والأكثر الإتيانُ باللاَّم في هذا النحو ولذلك لم يأتِ مجرداً منها إلاَّ هنا وفي قوله: ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: 100] وفي قوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الواقعة: 70] . ومعنى من قبل أي قبل الاختيار، وأخذ الرَّجفة. وقوله:» وإيَّايَ» قد يتعلَّقُ به من يرى جواز انفصال الضمير مع القُدْرِةِ على اتصاله، إذ كان يمكن أن يقال: أهلكتنا. وهو تعلُّقٌّ واهٍ جداً، لأنَّ مقصوده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ التنصيص على هلاك كُلٍّ على حده تعظيماً للأمر، وأيضاً فإنَّ موسى لَمْ يتعاط ما يقتضي إهلاكهُ، بخلاف قومه. وإنَّما قال ذلك تسليماً منه لربِّه، فعطلف ضميرَه تنبيهاً على ذلك، وقد تقم نظيرُ ذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [النساء: 131] وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: 1] . قوله: «أتُهْلِكُنَا» يجوزُ فيه أن يكون على بابه أي: أتَعْمُّنَا بالإهلاك أم تخصُّ به السفهاء مِنَّا؟ ويجوز أن يكون بمعنى النَّفي، أي: ما تُهْلك مَنْ لَمْ يُذْنِبْ بذنب غيره، قاله ابنُ الأنباري. قال وهو كقولك: أتهينُ من يكرمك» ؟ وعن المُبرِّدِ هو سؤالُ استعطاف ومِنَّا في محل نصب على الحال من السُّفَهَاء ويجوز أن يكون للبيان. قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ . قال الواحديُّ: الكناية في قوله هِيَ عائدة على الفِتْنَةِ كما تقولُ: إن هو إلاَّ زيد، وإن هي إلاَّ هند، والمعنى: إنَّ تلك الفتنة التي وقع فيها السُّفهاءُ لم تكن إلاَّ فتنتك أضللت بها قوماً فافتنوا، وعصمْتَ قوماً فثبتُوا على الحق. ثُمَّ أكَّد بيان أنَّ الكل من الله تعالى، فقال: ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ﴾ . ثم قال الواحديُّ: وهذه الآية من الحُجَّج الظَّاهرة على القدريَّةِ التي لا يبقى لهم معها عذر. قالت المعتزلةُ لا تعلق للجبريَّةِ بهذه الآية؛ لأنه لم يقل: تضلُّ بها من تشاء عن الدين؛ ولأنه قال تُضِلُّ بِهَا أي بالرَّجْفة، والرَّجفة لا يضِلُّ اللَّهُ بها؛ فوجب تأويل الآية. فمعنى قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ أي: امتحانُك وشدة تعبدك؛ لأنَّهُ لمَّا أظْهَرَ الرَّجْفَة كلَّفهم بالصَّبْرِ عليها، وأمَّا قوله: ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ﴾ ففيه وجوه: أحدها: تَهْدِي بهذا الامتحان إلى الجنَّةِ والثَّوابِ بشرط أن يؤمن ذلك المكلف، ويبقى على الإيمان، وتُعاقِب من تشاء بشرط ألا يؤمن، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه، وثانيها: أن يكون المرادُ بالإضلال الإهلاك، أي: تُهلك من تشاء بهذه الرَّجفة وتصرفُها عَمَّنْ تشاء، وثالثها: أنَّهُ لمَّا كان هذا الامتحان كالسَّببِ في هداية من اهتدى، وضلال من ضَلَّ، جاز أن يُضافَ إليه. فصل واعلم أن هذه تأويلات مُتعَسَّفة، والدلائل العقليَّة دالةٌ على أنَّ المراد ما ذكرناه، وتقريره من وجوه: الأول: أنَّ القدرة الصَّالحة للإيمان والكفر لا يترجحُ تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطَّرَف الآخر، إلاَّ لداعية مرجحة، وخالف تلك الداعية هو اللَّهُ تعالى، وعند حصول الداعية يجب الفعل، وإذا ثَبَتَتْ هذه المقدمات ثبت أنَّ الهداية والإضلال من الله تعالى. الثاني: أنَّ العاقل لا يُريدُ إلاَّ الإيمان، والحقَّ، والصدقَ، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كلُ أحدٍ مؤمناً محقاً، وحيثُ لم يكن الأمر كذلك؛ ثبت أنَّ الكل من الله تعالى. الثالث: لو كان حصولُ الهداية بفعل العبد فبما لم يتميز عنده اعتقاد الحق من اعتقاد الباطل؛ امتنع أن يخصّ أحدُ الاعتقادين بالتَّحْصيلِ، لكن علمه بأنَّ هذا الاعتقاد هو الحق، وأنَّ الآخر هو الباطل، يقتضي كونه عالماً بذلك المعتقد أولاً كما هو عليه، فلزمَ أن تكون القدرة على تحصيل الاعتقاد هو الأول، وأنَّ الآخر مشورطاً بكون ذلك الاعتقاد حاصلاً وذلك يقتضي كون الشَّيء مَشْرُوطاً بنفسه، وهو محالٌ، فامتنع أن يكون حصولُ الهداية بتحصيل العبد، وأمَّا إبطال تأويلاتهم، فقد تقدَّم مراراً. قله تُضِلُّ بِهَا يجوزُ فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مستأنفةً فلا مَحَلَّ لها، والثاني أن تكون حالاً من فِتْنَتُكَ أي: حال كونها مُضلاًّ بها، ويجوزُ أن تكون حالاً من الكاف؛ لأنَّهَا مرفوعةٌ تقديراً بالفاعليَّةِ، ومنعه أبُو البقاءِ قال: «لعدم العامل فيها» وقد قدم البحث معه مراراً. قوله: «أنْتَ وَلينَا» يفيد الحَصْرَ، أي: لا ولي لنا، ولا ناصر، ولا هادي إلاَّ أنت، وهذا من تمام ما تقدَّم من قوله: ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ﴾ . وقوله: ﴿فاغفر لَنَا وارحمنا﴾ المُرادُ منه: أنَّ إقدامه على قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ جراءة عظيمة، فطلب من الله غفرانها والتَّجاوز عنها. وقوله: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين﴾ أي: أنَّ كلَّ مَنْ سواك فإنَّمَا يتجاوزُ عن الذَّنب إمَّا طلباً للثناء الجميل، أو للثَّواب الجزيل، أو دفعاً للرقة الخسيسة عن القلب، أمَّا أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب غرض وعوض، بل لمحض الفضل والكرم. قوله: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين﴾ الكتابة تذكر بمعنى الإيجاب. ولمَّا قرَّرَ أنَّه لا ولي له إلاَّ الله، والمتوقع من الولي والنَّاصر أمران: أحدهما: دفع الضَّرر والثاني: تحصيل النَّفع، ودفع الضَّرر مقدم على تحصيل النَّفع؛ فلهذا السَّبَبِ بدأ بطلب دفعِ الضَّررِ وهو قوله: ﴿فاغفر لَنَا﴾ [الأعراف: 155] ثُمَّ أتبعه بتحصيل النَّفْعِ، وهو قوله ﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً﴾ والمُرادُ بالحسنة في الدُّنْيَا، النَّعمةُ والعافيةُ، والحسنةُ في الآخرة: المغفرة والجنة. قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ العامَّةُ على ضم الهاءِ، من هاد يَهُود بمعنى: مال؛ قال: [السريع] 2594 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وجَارَاتُهَا ... أنِّي مِنَ اللَّهِ لَهَا هَائِدُ أو «تَابَ» من قوله: [الرجز] 2595 - إنِّي امْرؤ مِمَّا جَنَيْتُ هَائِدُ ... ومن كلام بعضهم: {المجتث] 2596 - يَا رَاكِبَ الذَّنْبِ هُدْهُدْ ... واسْجُدَ كأنَّكَ هُدْهُدْ وقرأ زيد بنُ علي، وأبو وجزة «هِدْنَا» بكسر الهاء مِنْ «هَادَ يَهِيدُ» أي: حَرَّكَ. أجاز الزمخشريُّ في «هُدْنا» ، و «هِدْنا» - بالضمِّ والكسر - أن يكون الفعلُ مبنياً للفاعل أو للمفعول في كُلٍّ منهما بمعنى: مِلْتَا، أو أمَالَنَا غَيْرُنَا، أو حَرَّكْنَا نَحْنُ أنفسنَا، أو حَرَّكَنَا غَيْرُنَا، وفيه نظر؛ لأنَّ بعض النَّحويين قد نصَّ على أنَّهُ متى ألْبِسَ، وجبَ أن يُؤتَى بحركةٍ تزيل اللبس. فيقال في «عقتُ» من العوق إذَا عاقك غَيْرُكَ: «عِقْت» بالكَسْرِ فقط، أو الإشمام، وفي: «بعت يا عبد» إذا قصد أن غيره باعه «بُعْت» بالضم فقط أو الإشمام، ولكن سيبويه جوَّز في «قيل وبيع» ونحوهما الأوجه الثلاثة من غير احتراز. و «هِيَ» ضميرٌ يُفَسِّره سياقٌ الكلام إذ التقديرُ: إنْ فَتنتُهُمْ إلاَّ فِتنَتُكَ. وقيل يعندُ على مسألة الإرادة من قوله: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ [النساء: 153] أي: إنَّهُ من مسألة الرُّؤيةِ. قوله: ﴿عذابي أُصِيبُ بِهِ﴾ مبتدأ وخبر. والعامَّةُ على «مَنْ أشَاءُ» بالشِّينِ المعجمةِ. وقرأ زيدُ بن علي، وطاووس، وعمرو بن فائد «أسَاءُ بالمهملة. قال الدَّانِي: لا تصحُّ هذه القراءة عن الحسن، ولا عن طاووس، وعمرو بن فائد رجل سَوْءَ واختار الشَّافعيُّ هذه القراءة، وقرأها سفيان بْنُ عيينة، واستحسنها فقام عبد الرَّحْمنِ المقرىء فصاح به وأسمعه. فقال سفيانُ:» لَمْ أفطِنْ لِمَا يقولُ أهل البدع» . يعني عبد الرحمن أنَّ المعتزلة تعلَّقُوا بهذه القراءة في أنَّ فعل العَبْدِ مَخْلُوقٌ لهُ، فاعتذرَ سفيان عن ذلك. ومعنى الآية: إنِّي أعذبُ مَنْ من أشَاءُ، وليس لأحدٍ عليَّ اعتراض ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أنَّ رحمته في الدُّنيا تعُمُّ الكل، وأمَّا في الآخرةِ فهي مختصة بالمؤمنين لقوله هنا ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وهذا من العام الذي أريد به الخاص كقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23] . قال عطيَّةُ العوفي: «وَسِعَتُ كُلَّ شيءٍ» ولكن لا تَجِب إلاَّ للمُتَّقينَ، وذلك أنَّ الكافر يرزق ويدفع عنه ببركة المؤمن، لسعة رحمةِ الله للمؤمن، فإذا صار للآخرة وجبت للمؤمن خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السِّراج بسراجه. قال ابنُ عباس وقتادة وابن جريج: لما نزلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال إبليس أنا من ذلك الشيء فقال الله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ فتمنَّاها اليهودُ والنصارى. وقالوا: نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن فجعلها اللَّهُ لهذه الأمَّة بقوله ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي﴾ [الأعراف: 157] . واعلم أنَّ جميع التَّكاليف محصورة في نوعين: الأول: المتروك وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، وهو المُرادُ بقوله: «للَّذينَ يتَّقُونَ» . والثاني: الأفعال، وهي إمَّا أن تكون في مال الإنسان أو في نفسه، فالأول: هو الزكاة وهو المراد بقوله» ويُؤتُونَ الزَّكاةِ «والثاني يدخل فيه ما يجب على الإنسان علماً وعملاً أمَّا العلمُ فالمعرفةُ، وأمَّا العملُ فالإقرارُ باللسان والعمل بالأركان، فيدخل فيه الصَّلاة وإلى هذا المجموع أشار بقوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ونظيره قوله تعالى في أوَّل سورة البقرةِ ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 2، 3] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.