الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني آدَمَ﴾ الآية. قال المفسِّرون: روى مسلم بنُ يسار الجهني أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: «سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُسألُ عنها، فقال: إنَّ الله تعالى خلق آدَم ثُمَّ مَسحَ ظهرَهُ؛ فاستخرَجَ منهُ ذُرِّيَةً فقال: خَلقْتُ هؤلاء للجنَّةِ وبعمل أهْلِ الجنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظهرَهُ واستَخرَجَ منه ذرِّيَّةً، فقال: هؤلاء للنَّارِ وبعمل أهلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ. فقال رجل: يا رسول الله: ففيم العمل؟ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -:» إنَّ اللَّه بتارَكَ وتعَالَى إذا خَلقَ العبْدَ للجنَّةِ استعملَهُ بعملِ أهْلِ الجنَّةِ حتَّى يمُوتَ على عملٍ مِنْ أعْمالِ أهْلِ الجنَّةِ فيدخله الله الجنَّة، وإذا خلق اللَّهُ العبدَ للنَّارِ استعملهُ بعملِ أهْلِ النَّارِ حتَّى يمُوتَ على عملِ أهلِ النَّارِ، فيدخلهُ اللَّهُ النَّار» وهذا حديثٌ حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم وعمر رجلاً. وقال مقاتل وغيره: إنَّ الله مسحَ صفحةَ ظهر آدمَ اليمنى فأخرج منه ذريةً بيضاء كهيئة الذر ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذريةً سوداء كهيئة الذَّرِّ، فقال يا آدم هؤلاء ذريتك. ثم قال لهم ألسْتُ بربكُمْ قالُوا بلى. فقال للبيض هؤلاء للجنَّة برحمتي، وهم أصحاب اليمين. وقال للسود هؤلاء للنَّار، ولا أبالي، وهم أصحاب الشِّمالِ، ثمَّ أعادهم جميعاً في صلب آدم فأهلُ القبورِ محبوسون حتَّى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلابِ الرجالِ، وأرحام النِّساءِ. قال تعالى يمن نقض العهد: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: 102] الآية. وإلى هذا القول ذهب سعيدُ بنُ المسيب، وسعيد بن جبير، والضَّحَّاكُ، وعكرمة والكلبي. وقال بعض أهل التفسير: إن أهل السَّعادَةِ أقَّرُّوا طوعاً وقالوا «بَلَى» ، وأهل الشقاوة قالُوه تقيةً وكرهاً. وذلك معنى قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [آل عمران: 83] . واختلفوا في موضع الميقاق. قال ابن عباس: ببطن نعمان، وهو وادٍ إلى جنب عرفة وروي عنه أنه بدَهْنا في أرض الهندِ، وهو الموضعُ الذي هبط آدم عليه. وقال الكلبيُّ: بين مكة والطائف. وروى السُّدي: أن الله أخرجهم جميعاً، وصورهم وجعل لهم عقولاً يعلمون بها، وألسناً ينطقون بها، ثمَّ كلمهم قبلاً أي: عياناً، وقال «ألسْتُ بِرِبِّكُمْ» ؟ . وقال الزَّجَّاجُ: وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذّر فَهْماً تعقل به كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18] . قال القرطبيُّ: قال ابنُ العربيُّ: فإن قيل: فكيف يجوز أن يُعذِّبَ الله الخلق قبل أن يذنبوا، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم؟ قلنا: ومن أيْنَ يمتنع ذلك، عقلاً أو شرعاً؟ فإن قيل: إن الرحيم الحكيم مِنَّا لا يجوز أن يفعل ذلك. قلنا: لأن فوقه آمراً يأمره وناهياً ينهاه، وربنا تعالى لا يسألُ عمَّا يفعل وهم يُسألُونَ، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخَالقِ، وبالحقيقة فإن الأفعال كلها لله تعالى، والخلقُ بأجمعهم له، يصرفهم كيف يشاء ويحكُم فيهم بما أراد، وهذا الذي يجدُهُ الآدميّ فإنَّما هو من رقة الجبلَّةِ، وشفقة الجنسيَّةِ وحُبِّ الثَّناءِ والمدح، والباري تعالى منزَّهٌ من ذلك. وأطبقت المعتزلةُ على أنَّهُ لا يجوزُ تفسير هذه الآية بهذا الوجه، واحْتَجُّوا على فساده بوجوه: الأول: قالوا إن قوله: ﴿مِن بني آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: 172] ف «مِنْ ظُهُورهمْ» بدلٌ من قوله «بَنِي آدمَ» فيكون المعنى: وإذْ أخذ ربُّكَ من ظُهورِ بَنِي آدَمَ، وعلى هذا التقدير: فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً. الثاني: لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم ذرية لما قال: «مِنْ ظُهورِهمْ» بل قال: من ظهره؛ لأنَّ آدم ليس له إلا ظهر واحد، وكذلك قوله: «ذُريَّتَهُمْ» ولو كان المرادُ آدم لقال: ذُرّيته. الثالث: أنَّهُ تعالى حكى عن أولئك الذُّريَّةِ أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: 173] وهذا لا يليق بأولاد آدم؛ لأنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام ما كان مشركاً. الرابع: أنَّ أخذ الميثاق لا يمكن إلاَّ من العاقِلِ، ولو كان أولئك الذر عقلاء، وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة فإنَّهُ لا يجوزُ مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كليّاً لا يتذكر منها قليلاً ولا كثيراً، وبهذا الدليل يبطلُ القول بالتَّناسخ؛ لأنَّا نقولُ لو كانت أرواحنا قد جعلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى، لوجب أن نتذكَّرَ الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر، وحيثُ لم نتذكر كان القول بالتَّناسخ باطلاً. وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة فوجب القول بمقتضاه، فلو جاز أن يقال: إنَّا كنا في وقت الميثاق أعطينا العهد مع أنَّا في هذا الوقت لا نتذكر شيئاً منه، فلمَ لا يجوز أيضاً أن يقال: إنَّا كنَّا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئاً من تلك الأحوال. الخامس: أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرَّة من ذرات الهباء أن تكون عاقلاً فاهماً مصنفاً للتَّصانيف الكثيرة في العلوم الدَّقيقة، وفتح هذا الباب يؤدِّي إلى التزام الجماداتِ، وإذا ثبت أن هذه البنية شرط لحصول الحياة، فكل واحد من تلك الذّرات لا يمكن أن يكون عاقلاً عالماً فاهماً إلاَّ إذا حصلت له بنية وحمية، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجودِ من أول تخليق آدم إلى قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن يقال إنَّهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام -. السادس: قالوا باطلٌ لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من المثاق لا يصيرون مستحقّين للثواب والعقاب، ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في الدنيا، لأنهم لمَّا لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير عليهم حجة في التمسك بالإيمان. السابع: قال الكعبيُّ: إن حال أولئك الذّر لا يكونُ أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال، فلمَّا لم يمكن توجيه التَّكاليف على الطِّفل، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذّرِّ؟ وأجاب الزَّجَّاج عنه بما تقدَّم من تشبيهه بقصة النَّملة، وأيضاً لا يبعدُ أن يعطي اللَّهُ الجبل الفهم حتى يسبح، كما قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: 79] وكما أعطى اللَّهُ العقل للبعير حتَّى سجد للرَّسُول، وللنَّخْلَةِ حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا هَهُنَا. الثامن: أن أولئك الذّر في ذلك الوقت إمّا أن يكون كاملي العقول أم لا، فإن كان الأوَّلُ كانوا مكلفين لا محالة، وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله تعالى بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت على أحوالهم في هذه الحياة الدُّنْيَا، فلو افتقر التكليف في الدُّنيا إلى سبق ذلك الميثاق؛ لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولم التَّسلسل وهو محال. وإن قيل: إنَّهُمْ ما كانوا كاملي العقول في ذلك الوقت، فيمتنع توجيه الخطاب والتَّكليف عليهم. التاسع: قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ﴾ [الطارق: 5 - 6] ولو كانت تلك الذَّرات عقلاء فاهمين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدَّافق، ولا معنى للإنسان إلاَّ ذلك الشيء فحينئذٍ لا يكون الإنسان مخلوقاً من الماء الدَّافق وذلك رد لنصِّ القرآن. فإن قالوا: لِمَ لا يجُوزُ أن يقال إنَّهُ تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى الحياةِ؟ قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقاً على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقاً على سبيل الإعادة، وأجمع المسلمون على أنَّ خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ، فبطل ما ذكرتموه. العاشر: أن تلك الذَّرات إمَّا أن تكون عين هؤلاء الناس أو غيرهم، والثاني باطل بالإجماع بقي الأول. فنقولُ: إمَّا أن يُقالَ إنَّهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفه وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك، والأوَّلُ باطلٌ ببديهة العقل. والثاني: يقتضي أن يقال إن الإنسان حصلت له الحياة أربع مرات: وقت الميثاق، وفي الدُّنْيَا، وفي القبر، وفي القيامةِ وأنه حصل له الموت ثلاث مرات: بعد الحياة الحاصلة من الميثاق الأولِ، وموت في الدُّنيا وموت في القبر، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين﴾ [غافر: 11] . الحادي عشر: لو كان القولُ بهذا الذَّرِّ صحيحاً لكان ذلك الذَّر هو الإنسان؛ لأنَّهُ هو المكلَّف المخاطب المثاب المعاقب، وذلك باطلٌ؛ لأنَّ ذلك الذّر غير مخلوق من النطفة والعلقة، والمضغة، والقرآن يدلُّ على أنَّ الإنسان خلق من النُّطفةِ، والعلقة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12] الآيات. وقوله: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 17 - 19] فهذه الوجوه دلَّتْ على ضعف هذا القول. وقال أربابُ المعقولات: إنَّ الله تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من صلب آبائهم، وذلك الإخراج حال كونهم نطفاً، فأخرجها الله تعالى فأودعها أرحام الأمهَّات، وجعلها علقة ثم مضغة حتى جعله بشراً سويّاً وخلقا كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيَّته، وغرائب صنعته، فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا: بلى، وإن لم يكن هناك قول باللِّسانِ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40] . وقال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11] . قول العرب: قال الجدار للوتدِ لِمَ تَشقُّنِي قال: سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي. وقال الشاعر: [الرجز] 2617 - امتلأ الحَوْضً وقَالَ قَطْنِي ... مَهْلاً رُوَيْداً قَدْ مَلأتَ بَطْنِي فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام، فوجب حمل الكلام عليه، وهذا القول لا طعن فيه ألبتة، وليس منافياً لصحة القول الأول. فصل قال القرطبيُّ: استدلَّ بهذه الآية على أنَّ مَنْ مات صغيراً دخل الجنَّة لإقراره في الميثاق الأول ومنْ بلغ لمْ يُغنِهِ الميثاق الأول. قوله «مِنْ ظُهُورهِمْ» بدل من قوله: «مِن بَنِي آدَمَ» بإعادةِ الجارِّ، كقوله: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: 33] ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: 75] وهل هو بدلُ اشتمال أو بدلُ بعض من كل؟ قولان: الأول لأبي البقاء، والثاني للزمخشري، وهو الظاهر كقولك: ضربتُ زيداً ظهره وقطعتُه يده، لا يُعْرِب هذا أحد بدل اشتمالٍ، و «ذُرِّيَتَهُمْ» مفعول به. وقرأ الكوفيون وابن كثير ذُرِّيتهُمْ بالإفراد، والباقون «ذُرِّيَّاتهم» بالجمع. قال أبو حيان: ويحتمل في قراءة الجمع أن يكون مفعولُ «أخذ» محذوفاً لفهم المعنى وذُرِّيَّاتهم بدلٌ من ضمير «ظُهُورِهِمْ» كما أنَّ من ظُهُورِهِمْ بدلٌ من بَنِي آدَمَ والمفعولُ المحذوفُ هو الميثاق كقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: 154] . قال: وتقديرُ الكلامِ: وإذ أخذ ربُّكَ من ظهور ذُرِّيات بني آدم ميثاق التوحيد لله، واستعارَ أن يكون أخذ الميثاق من الظهر كأن الميثاق لصعوبته والارتباط به شيءٌ ثقيلٌ يحمل على الظَّهْرِ. وكذلك قرأ الكوفيُّون وابن كثير في سورة يس، وفي الطُّورِ في الموضعين ذُرِّيَّتَهُم بالإفراد؛ وافقهم أبو عمرو على ما في يس، وناف وافقهم في أول الطور، وهي ذُرِّيَّتَهُم بإيمانٍ دون الثانية، وابن عامر على الجمع، وأبو عمرو ونافع جمعوا بين الأمرين. قال أبو حيان في قراءة الإفراد في هذه السُّورةِ: ويتعيَّن أن يكون مفعولاً ب «أخذ» وهو على حذف مضاف، أي: ميثق ذريتهم. يعني أنه لم يَجُزْ فيه ما جازَ في ذُرِّيَاتهم من أنَّه بدل، والمفعولُ محذوف وذلك واضحٌ؛ لأنَّ من قرأ: «ذُرِّيَّتَهُمْ» بالإفراد لم يَقْرَأهُ إلاَّ منصوباً، ولو كان بدلاً من هُمْ في ظُهُورِهِمْ لكان مجرورً، بخلاف ذُرِّيَّاتهم بالجمع فإنَّ الكسرة تَصْلُح أن تكون علامة للجر وللنصب في جمع المُؤنَّثِ السَّالمِ. قال الواحديُّ: الذرية تقع على الواحِدِ والجمع، فمنْ أفردَ فقد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع كالبشر فإنه يقع على الواحد، كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31] وعلى الجمع، كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: 6] ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: 10] فكما لم يجمع «بشر» جمع تصحيح، ولا تكسير كذلك لا يجمع «الذريَّة» . ومن جمع قال: إنَّ الذرية وإن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه، وإن كان جمعاً فجمعه حسن، لأنَّ الجموع المكسرة قد معت نحو: الطرقات والجدرات. قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ﴾ . أمَّا على قولِ مَنْ أثْبَتَ الميثاق الأوَّل فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها، وأمَّا من أنكره، قال: إنَّهَا محمولة على التَّمثيل، أي: أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذَا أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ . وكأنهم قالوا بلى أنت ربُّنَا. قوله: «بَلَى» جواب: «ألَسْتُ» . قال ابنُ عبَّاس: لو قالوا «نَعَمْ» لكفروا، يريد أنَّ النَّفيَ إذا أجيب ب «نعم» كان تصديقاً له، فكأنهم أقَرُّوا بأنه ليس بربهم، هكذا ينقلونه عن ابن عباس. وفيه نظرٌ - إن صحَّ عنه - وذلك أن هذا النفي صار مُقرَّراً، فكيف يكفرون بتصديق التقرير؟ وإنَّما المانعُ من جهةِ اللغة، وهو أنَّ النفيَ مطلقاً إذا قُصدَ إيجابه أجيب ب «بَلَى» وإن كان مقرراً بسبب دخول الاستفهام عليه، وإنَّما كان ذلك تغليباً لجانب اللفظ، ولا يجوز مراعاةُ جانب المعنى إلاَّ في شعر، كقوله: [الوافر] 2618 - ألَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أمَّ عَمْرٍو ... وإيَّانَا فَذاكَ بِنَا تَدَأنِي نَعَمْ وأرَى الهلالَ كما تَرَاهُ ... ويَعْلُوهَا النَّهارُ كَمَا عَلانِي فأجاب قوله ألَيْسَ ب «نَعَمْ» ، مراعاةً للمعنى؛ لأنه إيجاب. قوله شَهِدْنضا هذا من كلامِ اللَّهِ تعالى، وقيل: من كلام الملائكة، لأنهم لمَّا قالوا بَلَى، قال الله للملائكة: اشهدوا فقال: شهدنا، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله: «قالوا بَلَى» لأن كلامَ الذرية قد انقطع ههنا. وقوله: «أنْ تقُولُوا» أي: لئلا تقولوا ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾ تقريره: أنَّ الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرارِ؛ يقولوا ما أقررنا، فأسقط كلمة «لِئَلاَّ» كقوله ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] ، أي: لئلاَّ تميد بكم. قاله الكوفيون، وعند البصريين تقديره: شَهِدْنَا كراهة أن تقولوا. وقيل: من كلام الله تعالى والملائكة. وقيل: من كلام الذُّريَّةِ، وعلى هذا فقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾ تقديره: وأشهدهم على نفسهم بكذا وكذا لئلاَّ يقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾ أو كراهية أن يقولوا ذلك. قال الواحديُّ: وعلى هذا لا يحسن الوقفُ على قوله: بَلَى ولا يتعلَّقُ أن تقوُلُوا ب «شَهِدْنَا» ولكن بقوله: «وأشهدَهُمْ» فلم يجز قطعه عنه. قوله «أنْ تقُولُوا» مفعولٌ من أجله، والعامِلُ فيه إمَّا شَهِدْنَا أي: شهدنا كراهة أن تقولوا. هذا تأويل البصريين، وأما الكوفيون: فقاعدتهم تقدير «لا» النافية، أي: لئلاَّ تقولوا: كقوله ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] . كما تقدم. وقول القطامي: [الوافر] 2619 - رَأيْنَا مَا يَرَى البُصَرَاءُ فِيهَا ... فَآلَيْنَا عَلَيْهَا أنْ تُبَاعَا أي: أن لا تُباع، وأما: «وأشهدَهُمْ» أي: وأشهدهم لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا، وقد تقدم أن الواحدي قد قالك إنّ شَهِدْنا إذا كان من قول الذُّريَّةِ يتعيَّنُ أن يتعلَّق أن تقولوا ب «أشْهَدَهُمْ» كأنَّه رأى أن التركيب يصير: شَهِدْنَا أن تقولوا، سواءً قرىء بالغيبة أو الخطاب، والشَّاهدُون هم القائلون في المعنى، فكان ينبغي أن يكون التركيب: شهدنا أن نقول نحن، وهذا غيرُ لازم؛ لأنَّ المعنى: شهد بعضهم على بعض، فبعضُ الذرية قال شهدنا أان يقول البعضُ الآخر كذلك. وذكر الجرجانيُّ عن بعضهم وجهاً آخر: وهو أن يكون قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ إلى قوله «قَالُوا بَلَى» تمام قصة الميثاق، ثم ابتدأ عزَّ وجلَّ خبراً آخر بذكر ما يقوله المشركون يوم القيمة، فقال: «شَهِدْنَا» بمعنى: نشهد؛ كقوله الحطيئة: [الكامل] 2620 - شَهِدَ الحُطَيئَةُ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... أي: يشهد، فيكون تأويله: يَشْهَدُ أن يقولوا. وقرأ أبو عمرو: «يَقُولُوا» في الموضعين بالغيبةِ، جرياًعلى الأسماء المتقدمة، والباقون بالخطاب، وهذا واضحٌ على قولنا: إنّ شَهِدْنَا مُسْنَدٌ لضمير الله تعالى. وقيل: على قراءة الغيبة يتعلَّق أن يقولوا ب «أشهدهم» ، ويكون قالوا شِهِدْنَا معترضاً بين الفعل وعلَّته، والخطابُ على الالتفات، فتكون الضَّمائر لشيء واحد. فإن قيل: كيف يلزم الحجة وأحدٌ لا يذكر الميثاقَ؟ فالجوابُ: أن الله تعالى قد أوضح الدَّلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد، ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة. قوله: ﴿أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ . قال المفسرون: المعنى أنَّ المقصود من هذا الإِهاد ألاَّ يقول الكفار إنما أشركنا لأنَّ آباءنا أشركوا فقلَّدناهم فكان الذَّنب لآبائنان فكيف تعذبنا على هذا الشرك، وهو المراد من قوله ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون﴾ والحاصل: أنه تعالى لمَّا أخذ عليهم الميثاق، امتنع عليهم التسمك بهذا العذر، وأمَّا الذين حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل، قالوا: معنى الآية: إنَّ نصبنا الدلائل وأظهرنا للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾ ما نبَّهنا عليه مُنبِّهٌ، أو كراهة أنْ يقولوا: إنَّما أشركنا على سبيل التَّقليد لأسلافنا؛ لأنَّ نصب الأدلَّةِ على التَّوحيد قائمٌ مقام منعهم. ثم قال: ﴿وكذلك نُفَصِّلُ الآيات﴾ أي: أن مثل ما فصَّلنا وبينَّا في هذه الآية بين سائر الآيات ليتدبَّرُوا فيرجعوا إلى الحقّ. وقرأ فرقة يُفَصِّل بياء الغيبة، وهو الله تعالى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.