الباحث القرآني

مكية وهي ثمان وعشرون آية، ومائتان وأربع وعشرون كلمة، وتسعمائة وتسعة وعشرون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ﴾ . روى قتادة عن ابن عبَّاسٍ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «أوَّل نبيٍّ أرسِلَ نوحٌ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وأرسِلَ إلى جَميعِ أهْلِ الأرضِ» . ولذلك لمَّا كفروا، أغرق الله أهل الأرض جميعاً، وهو نوح بنُ لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. قال وهبٌ: وكلهم مؤمنون، أرسل إلى قومهِ وهو ابنُ خمسين سنة. وقال ابن عبَّاسٍ: أربعين سنة. وقال عبد الله بن شداد: بعث وهو ابنُ ثلاثمائة وخمسين سنة. قوله: ﴿أَنْ أَنذِرْ﴾ . يجوز أن تكون المفسرة، فلا يكونُ لها موضع من الإعراب؛ لأن في الإرسال معنى الأمر فلا حاجة إلى إضمار الباءِ، ويجوز أن تكون المصدرية، أي: أرسلناه بالإنذار. قال الزمخشريُّ: والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له: أنذر، أي: أرسلناه بالأمر بالإنذار. انتهى. وهذا الذي قدره حسنٌ جدّاً، وهو جواب عن سؤال تقدَّم في هذا الكتاب، وهو قولهم: فإنَّ «أنْ» المصدرية يجوز أن توصل بالأمر مشكل؛ لأنه ينسبكُ منها وما بعدها مصدر، وحينئذ فتفوت الدلالة على الأمر؛ ألا ترى أنَّك إذا قدَّرت «كتبت إليهم بأن قم كتبت إليه القيام» تفوت بالدلالة على الأمر حال التصريح بالمصدر، فينبغي أن يقدر كما قاله الزمخشريُّ، أي: كتبت إليه بأن قلتُ له: قُمْ، أي: كتبتُ إليه بالأمر بالقيامِ. وقال القرطبي: «أي: بأن أنذر قومكَ، فموضع» أن «نصب بإسقاط الخافض» . وقرأ عبد الله: «أنذر قومك» بغير «أن» بمعنى: «قلنا له: أنذر قومك» . وقد تقدم معنى الإنذار في سورة «البقرة» . وقوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال ابن عبَّاسٍ: يعني عذاب النَّار في الآخرة. وقال الكلبيُّ: هو الطوفان. وقيل: أنذرهم بالعذاب على الجملة إن لم يؤمنوا، فكان يدعو قومه وينذرهم، فلا يجيبونه كما تقدَّم. ﴿قَالَ ياقوم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ، أي: مخوف مظهر لكم بلسانكم الذي تعرفونه. قوله: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ ، إما أن تكون تفسيرية ل «نَذِيْر» أو مصدرية، والكلامُ فيها كالكلام في أختها كما تقدم، والمعنى: وَحِّدوا اللَّه واتَّقُوه، أي: خافوه «وأطِيعُونِ» فيما آمركم به؛ فإنِّي رسول الله إليكم. ﴿يَغْفِرْ لَكُم﴾ جزم «يَغْفِرْ» لجواب الأمر. قوله: ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ . في «مِنْ» هذه أوجه: أحدها: أنَّها تبعيضية. الثاني: أنَّها لابتداء الغايةِ. الثالث: أنَّها لبيان الجنسِ، وهو مردود لعدم تقدم ما تبينُه. الرابع: أنَّها مزيدةٌ. قال ابن عطية: وهو مذهب كوفيٌّ. قال شهاب الدين: ليس مذهبهم ذلك؛ لأنهم يشترطون تنكير مجرورها، ولا يشترطون غيره. والأخفش لا يشترط شيئاً، فزيادتُها هنا ماشٍ على قوله لا على قولهم. قال القرطبي: وقيل: لا يصح كونها زائدة؛ لأن «مِنْ» لا تزاد في الواجب، وإنما هي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. وقال زيد بن أسلم: المعنى يُخرِجُكم من ذنوبكم. وقال ابن شجرة: المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها. قوله: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ﴾ . قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف قال: «يُؤخِّركُمْ» مع إخبارهِ بامتناع تأخيره؟ . قلتُ: قضى الله أنَّ قوم نوحٍ إن آمنوا عمَّرهُم ألف سنةٍ، وإن بقُوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة، قيل لهم: إن آمنتم أخِّرتُم إلى الأجلِ الأطولِ، ثم أخبرهُم أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخَّرُ انتهى. وقد تعلَّق بهذه الآية من يقول بالأجلين وتقدم جوابه. وقال ابن عباسٍ: أي: يُنْسِىءُ في أعماركم، ومعناه: أنَّ الله - تعالى - كان قضى قبل خلقهم، إنْ هم آمنوا بارك في أعمارهم وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أعماركم في عافية فلا يعاقبكم بالقحطِ وغيره، فالمعنى على هذا: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم. وقال الزجاج: «أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب» . وعلى هذا قيل: أجل مسمى عندكم تعرفونه لا يميتكم غَرْقاً ولا حَرْقاً ولا قَتْلاً، ذكره الفراء. وعلى القول الأول أجل مسمى عند الله. قوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ ، أي: إذا جاء الموتُ لا يؤخَّر بعذاب كان، أو بغير عذاب، وأضاف الأجلَ إليه سبحانه؛ لأنه الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 49] ؛ لأنه مضروبٌ لهم، و «لَوْ» بمعنى «إنْ» أي: إن كنتم تعلمون. وقال الحسن: معناه: لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يُؤخَّرُ. وعلى هذا يكون جوابُ «لَوْ» محذوفاً تقديره: لبادرتم إلى ما أمركم به أو لعلمتم كما قال الحسن. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ ، وهذان ظرفان ل «دَعوْتُ» ، والمراد: الإخبار باتصال الدعاء وأنَّه لا يفتر عن ذلك وقيل: معناه سراً وجهراً ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ ، أي: تباعداً من الإيمان، وهذا استثناء مفرغ وهو مفعول ثان. وقراءة العامة: بفتح الياء من «دُعَائِي» . وأسكنها الكوفيُّون، ويعقوب والدوري عن أبي عمرو. قوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ، أي: إلى سبب المغفرةِ، وهي الإيمانُ بك والطاعة لك ﴿جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ﴾ لئلاَّ يسمعُوا دُعائِي ﴿واستغشوا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: غطُّوا بها وجوههم لئلاَّ يرون. قال ابن عبَّاسٍ: جعلوا ثيابهم على رءوسهم لئلاَّ يسمعوا كلامي، فاستغشاءُ الثِّياب إذن زيادة في سدِّ الآذان حتى لا يسمعوا، أو لتنكيرهم أنفسهم حتى يسكت، أو ليعرفوه إعراضهم عنه. وقيل: هو كنايةٌ عن العداوةِ، يقال: لبس فلانٌ ثياب العداوةِ «وأصَرُّوا» على الكفر فلم يتوبوا، «واسْتَكْبَرُوا» عن قبول الحق، وهو قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: 111] . قوله: «لِتَغْفِرَ» ، يجوز أن تكون للتعليل، والمدعو إليه محذوفٌ، أي: دعوتهم للإيمان بك لأجلِ مغفرتك لهم، وأن تكونَ لام التَّعديةِ، ويكون قد عبَّر عن السبب بالمسبب، الذي هو حظهم، والأصل دعوتهم للتوبة التي هي سببٌ في الغفران. و «جَعلُوا» ، هو العامل في «كُلَّمَا» وهو خبر «إنِّي» . قوله: «جِهَاراً» ، يجوز أن تكون مصدراً من المعنى؛ لأنَّ المعنى يكون جهاراً وغيره، فهو من باب «قعد القُرفُصَاء» ، وأن يكون المرادُ ب «دعوتهم» : جاهرتهم. وأن يكون نعت مصدر محذوف أي: دعاء جهاراً. وأن يكون مصدراً في موضع الحالِ، أي: مجاهراً، أو ذا جهارٍ، أو جعل نفس المصدر مبالغة. قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: ذكر أنه دعاهم ليلاً ونهاراً، ثم دعاهم جهاراً، ثُمَّ دعاهم في السرِّ والعلن فيجب أن يكون ثلاث دعواتٍ مختلفاتٍ، حتى يصح العطفُ. قلتُ: قد فعل - عليه السلام - كما يفعل الذي يأمُر بالمعروفِ، وينهى عن المنكرِ في الابتداء بالأهون، والترقي إلى الأشدِّ فالأشدِّ، فافتتح في المناصحة بالسرِّ فلما لم يقبلوا ثَنَّى بالمجاهرة، فلمَّا لم يقبلوا ثلَّث بالجمع بين السرِّ والإعلان، ومعنى» ثُمَّ «للدلالة على تباعد الأحوال؛ لأن الجهاد إذا غلظ من الإسرار، والجمعُ بين الأمرين، أغلظُ من إفراد أحدهما» . وقال أبو حيان: «وتكرر كثيراً له أنَّ» ثُمَّ «للاستبعاد، ولا نعلمه لغيره» . وقوله: «اسْتِكبَاراً» . قال القرطبيُّ: تفخيم. * فصل في معنى الآية معنى: «جِهَاراً» ، أي: مظهراً لهم الدعوة، وهو منصوب ب «دَعوْتهُمْ» بنصب المصدر. ﴿ثُمَّ إني أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ . أي: لم أبقِ مجهوداً. وقال مجاهد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: معنى «أعْلَنْتُ» صِحْتُ، ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ بالدعاءِ عن بعضهم من بعض. وقيل: «أسْرَرْتُ لهم» أتيتُهم في منازلهم وكلُّ هذا من نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - مبالغةٌ في الدعاءِ، وتلطف في الاستدعاءِ. وفتح الياء من «إنِّي أعلنْتُ» ، الحرميون وأبو عمرو، وأسكنها الباقون. قوله: ﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ﴾ ، أي سلوه المغفرة لذنوبكم بإخلاص الإيمان ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ وهذا منه - تعالى - ترغيبٌ في التوبة، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الاسْتغفَارُ مَمحاةٌ للذنُوبِ» . قوله: ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾ . أي: يرسل ماء السماءِ، ففيه إضمار. وقيل: السماء: المطر، أي يرسلُ المطر؛ قال الشاعر: [الوافر] . 4878 - إذَا نَزََل السَّماءُ بأرْضِ قَوْمٍ ... رَعيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غِضَابَا و «مِدْراراً» يجوز أن يكون حالاً من «السَّماء» . ولم يؤنث؛ لأن «مفعالاً» لا يؤنث، تقول: «امرأة مِئْنَاث، ومِذْكَار» ولا يؤنث بالتاء إلا نادراً، وحينئذ يستوي فيه المذكر والمؤنث، فتقول رجُلٌ مخدامةٌ، ومطرابةٌ، وامرأة مخدامة ومطرابة، وأن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي: إرسالاً مدراراً. وتقدم الكلام عليه في الأنعام. وجزم «يرسل» جواباً للأمر، و «مِدْرَاراً» ذا غيث كثيرٍ. * فصل في حكاية قوم نوح قال مقاتل: لما كذَّبوا نوحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - زماناً طويلاً حبس اللَّهُ عنهم المطر، وأعقم أرحامَ نسائهم أربعين سنة، فهلكت مواشيهم وزروعهم فصاروا إلى نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - واستغاثوا به، فقال: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ ، أي: لمن أناب إليه، ثم رغبهم في الإيمان فقال: ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ . قال قتادة: علم نبيُّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم أهل حرصٍ على الدنيا، فقال: هلموا إلى طاعة الله، فإنَّ في طاعة الله درك الدنيا والآخرة. * فصل في استنزال الرزق بالاستغفار. في هذه الآية والتي قبلها في «هود» دليلٌ على أنَّ الاستغفار يستنزلُ به الرزق والأمطار قال الشعبيُّ: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماءِ التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا﴾ . قال ابن الأثير: المجاديحُ واحدها «مجدح» والياء زائدة للإشباع، والقياس أن يكون واحدها مجداح، فأما مجدح فجمعه «مجادح» ، والمجدح: نجمٌ من النجوم. قيل: هو الدبران. وقيل: هو ثلاثةُ كواكب، كالأثافي تشبيهاً له بالمجدح، الذي له ثلاث شعبٍ، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبهاً بالأنواء، مخاطبة لهم بما يعرفونه لا قولاً بالأنواء، وجاء بلفظ الجمع؛ لأنه أراد الأنواء جميعها التي يزعمون أن من شأنها المطر. وشكى رجلٌ إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى آخر إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادعُ الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخرُ جفاف بساتينه فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك، فقال ما قلت من عندي شيئاً، إنَّ الله تعالى يقول في سورة «نوح» : ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ . فإن قيل: إنَّ نوحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أمر الكفار أولاً بالعبادة، والطَّاعة، فأيُّ فائدةٍ في أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار. فالجوابُ: لمَّا أمرهم بالعبادة قالوا له: إن كان الدين الذي كُنَّا عليه حقاً، فلم تأمرنا بتركه، وإن كان باطلاً، فكيف يقبلنا بعد أن عصيناه، فقال نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: إنكم وإن كنتم قد عصيتموه ولكن استغفروا من تلك الذنوب فإنَّه سبحانه كان غفاراً. فإن قيل: فلم قيل: إنه كان غفاراً، ولم يقل: إنَّه غفار؟ . فالجوابُ: كأنه يقول: لا تظنوا أن غفرانه إنما حدث الآن بل هو أبداً هكذا عادته أنه غفارٌ في حق من استغفر. قوله: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ . قيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف، أي: ما لكم لا تخافون لله عظمة، وقدرة على أحدكم بالعقوبة، أي: أيُّ عذر لكم في ترك الخوف من الله؛ قال الهذليُّ: [الطويل] 4879 - إذَا لَسَعتْهُ النَّخْلُ لمْ يَرْجُ لَسْعهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... وقال سعيد بن جبيرٍ وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح: ما لكم لا ترجون لله ثواباً، ولا تخافون له عقاباً. وقال سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ﴾ ، لا تخشون لله عقاباً وترجون منه ثواباً. وقال الوالبي والعوفي عنه: ما لكم لا تعلمون لله عظمة. وقيل: ما لكم لا تعتقدون لله عظمة. وقال ابن عباس ومجاهد: ما لكم لا ترون لله عظمة. قال قطرب: هذه لغةٌ حجازيةٌ، وهذيل وخزاعةُ ومضر يقولون: لم أرج، أي: لم أبال. قوله: «وقَاراً» ، يجوز أن يكون مفعولاً به على معان، منها: ما لكم لا تأملون له توقيراً، أي: تعظيماً. قال الزمخشريُّ: والمعنى ما لكم لا تكونون على حالٍ، تأملون فيها تعظيم الله إيَّاكم في دار الثواب «ولله» بيانٌ للموقر، ولو تأخر لكان صلته. انتهى. أي: لو تأخر «للَّهِ» عن «وقَاراً» لكان متعلقاً به، فيكون التوقير منهم لله تعالى وهو عكس المعنى الذي قصده، ومنها: لا تخافون لله حلماً وترك معاجلة بالعقاب فتؤمنوا. ومنها: لا تخافون لله عظمة، وعلى الأول يكون الرجاء على بابه، وقد تقدم أن استعماله بمعنى الخوف مجاز ومشترك. وأن يكون حالاً من فاعل «تَرجُونَ» ، أي: موقرين الله تعالى، أي: تعظمونه ف «لِلَّهِ» على هذا متعلق بمحذوف على أنه حالٌ من «وقَاراً» أو تكون اللام زائدة في المفعول به، وحسنه هنا أمران: كون العامل فرعاً، وكون المعمول مقدماً، و «لا تَرْجُونَ» حال. وقد تقدم نظيره في المائدة. والوقارُ: العظمة، والتوقيرُ التعظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] . وقال قتادةُ: ما لكم لا ترجون لله عاقبة كأن المعنى: ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان. وقال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله، وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيراً. وقال ابن زيد: ما لكم لا تؤتون لله تعالى طاعة. وقال الحسنُ: ما لكم لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرون له نعمة. وقيل: ما لكم لا توحدون الله لأن من عظمه فقد وحَّده. وقيل: إن الوقار هو: الثبات لله عَزَّ وَجَلَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] أي: اثبتن، والمعنى: ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى، وأنه إلهكم، لا إله لكم غيره، قاله ابن بحر، ثم دلَّهم على ذلك فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ . يعني نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ولحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر. وقيل: «أطْوَاراً» صبياناً، ثم شباناً، ثم شيوخاً، وضعفاء، ثم أقوياء. وقيل: «أطواراً» ، أي: أنواعاً، صحيحاً، وسقيماً، وبصيراً، وضريراً، وغنياً، وفقيراً. وقيل: الأطوار: اختلافهم في الأخلاق، والأفعال. قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ ، جملة حالية من فاعل «تَرْجُونَ» . والأطوار: الأحوال المختلفة. قال الشَّاعرُ: [البسيط] 4880 - فإنْ أفَاقَ فقَدْ طَارتْ عَمايَتُهُ ... والمَرْءُ يُخلقُ طَوْراً بَعْدَ أطْوارِ وانتصابهُ على الحال، أي: منتقلين من حال إلى حال، أو مختلفين من بين مُسِيءٍ، ومحسن، وصالح، وطالح. قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ . لما ذكر لهم دليل التوحيد من أنفسهم، أتبعه بدليل الآفاق فقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ ، أي: ألم تعلموا أنَّ الذي قدر على هذا، فهو الذي يجب أن يعبد، ومعنى: «طباقاً» قال ابن عباس والسدي: أي: بعضها فوق بعض كل سماء منها وطبقة على الأخرى كالقبابِ. فإن قيل: هذا يقتضي ألا يكون بينهما فرج، وإذا كان كذلك فكيف تسلكها الملائكة؟ . فالجواب: أن الملائكة أرواح. وأيضاً قال المبرِّد: معنى طباقاً، أي: متوازية لا أنها متماسة. وقرا الحسنُ: «خلَق الله سبعَ سماواتٍ طِباقاً» على سبع أرضين بين كل أرض وأرض وسماء خلق وأمر. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ﴾ ، على جهة الإخبار، لا المعاينة كما تقول: ألمْ ترنِي كيف صنعتُ بفلان كذا، و «طِبَاقاً» نصب على أنه مصدر طابقه طباقاً، أو حال بمعنى: «ذات طباقٍ» ، فحذف «ذات» وأقام «طِباقاً» مقامه، وتقدم الكلامُ عليه في سورة «الملك» . وقال مكيّ: وأجاز الفرَّاء في غير القرآنِ جر «طِباق» على النعت ل «سماوات» . يعني أنه يجوز أن يكون صفة للعدد تارة وللمعدود أخرى. قوله: ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ ، أي: في السماوات، والقمر إنَّما هو في سماءٍ واحدةٍ منهن قيل: هو في السماء الدنيا، وإنَّما جاز ذلك لأن بين السماواتِ ملابسة فصح ذلك، وتقول: زيد في المدينة، وإنَّما هو في زاوية من زواياها. وقال ابن كيسانِ: إذا كان في إحداهنَّ فهو فيهنَّ. وقال قطرب: «فِيهِنَّ» بمعنى: «مَعهُنَّ» . وقال الكلبيُّ: أي: خلق الشمس والقمر مع خلق السماوات والأرض. وقال جُلُّ أهل اللغةِ في قول امرىء القيس: [الطويل] 4881 - وهَلْ يَنعَمَنْ مَنْ كَانَ آخِرُ عَهدِهِ ... ثَلاثِينَ شَهْراً في ثلاثةِ أحْوالِ «في» بمعنى: «مَعَ» . وقال النحاس: سألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية. فقال: جوابُ النحويين: أنه إذا جعله في إحداهن، فقد جعله فيهن، كما تقول: أعطني الثيابَ المعلمة، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وجواب آخر: أنه يروى أنه وجه القمر إلى داخل السماء، وإذا كان إلى داخلها فهو متصل بالسماوات، ومعنى: «نُوْراً» ، أي: لأهل الأرض، قاله السدي. وقال عطاءُ: نورٌ لأهل السماوات والأرض. وقال ابن عباس وابن عمر: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء. قوله: ﴿وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً﴾ . يحتمل ان يكون التقدير: وجعل الشمس فيهن - كما تقدم - والشمس، قيل: في الرابعة، وقيل: في الخامسة، وقيل: في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة والله أعلم. وقوله: «سِراجَاً» . يعني مصباحاً لأهل الأرض، ليتوصلوا إلى التصرف لمعايشهم، وفي إضاءتها لأهل السماء، القولان الأولان، حكاه الماورديُّ. وحكى القشيريُّ عن ابن عباسٍ: أن الشمس وجهه في السماوات وقفاه في الأرض. وقيل: على العكس. وقيل لعبد الله بن عمر: ما بالُ الشمس تقلينا أحياناً وتبرد علينا أحياناً؟ . فقال: إنَّها في الصيف في السماء الرابعة، وفي الشتاء في السماء السابعة عند عرش الرحمنِ، ولو كانت في السَّماء الدنيا، لما قام لها شيء. ولما كانت الشمس سبباً لزوال الليلِ وهو ظل الأرض أشبهت السِّراجَ، وأيضاً فالسراجُ له ضوءٌ والقمرُ له نورٌ، والضوء أقوى من النور، فجعل للشمس كما قال ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً﴾ [يونس: 5] . قوله: ﴿والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ . يعني آدمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خلقه من أديم الأرض كلِّها، قاله ابن جريج. وقد تقدم بيانه. و «نَبَاتاً» . إما مصدر ل «أنبت» على حذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، لأن مصدر «أنْبَتَ» «إنباتاً» فجعل الاسم الذي هو النباتُ في موضع المصدر وإمَّا ب «نَبَتُّمْ» مقدراً، أي: «فَنَبَتُّمْ نَبَاتاً» ، فيكون منصوباً بالمضارع المقدر. قال الزمشخريُّ: أو نصب ب «أَنْبَتَكُمْ» لتضمنه معنى: «نَبَتُّمْ» . قال أبو حيَّان: ولا أعقل معنى هذا الوجه بالثاني. قال شهابُ الدين: هذا الوجه المتقدم، وهو أنه منصوب ب «أَنْبَتَكُمْ» على حذف الزوائد ومعنى قوله: لتضمنه معنى «نَبَتُّمْ» ، أي: مشتمل عليه، غاية ما فيه أنه حذفت زوائدهُ. قال القرطبيُّ: «وقال الخليلُ والزجاجُ: إنه محمول على المعنى، لأن معنى» أنْبتَكُم «جعلكم تنبتون نباتاً. وقيل: معناه أنبت لكم من الأرض النبات، ف» نَبَاتاً «على هذا نصب على المفعول الصريح، والأول أظهر» . قال ابن بحر: أنبتكم في الأرض بالكبر بعد الصغر، وبالطول بعد القصر، ثم يعيدكم فيها، أي عند موتكم بالدفن ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ بالنشور والبعث يوم القيامة. والإنبات: استعارة بليغة، قيل: المراد أنبت أباكم. وقيل: المراد أنبت الكلَّ لأنهم من النطف، وهي من الأغذية التي أصلها الأرض، وهذا كالتفسير لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ ، ثم قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ ، وهذا إشارة إلى الطريقة المعهودة في القرآن، من أنه تعالى لما كان قادراً على الابتداء، فهو قادر على الإعادة، وقوله: ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ ، أكده بالمصدر فإنه قال: يخرجكم حتماً لا محالة. قوله: ﴿والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً﴾ ، أي: مبسوطة. ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ أي: طرقاً واسعة، والسُّبُل: الطرقُ، والفجاجُ: جمع فجٍّ، وهو الطريق الواسعة، قاله الفراءُ. وقيل: الفَجُّ: المسلك بين الجبلين، وفي «الأنبياء» ، قدَّم الفجاج لتناسب الفواصل. وقد تقدم الكلام على ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.