الباحث القرآني

وقرأ أبو رجاء: بكسر اللام، وكسر الباء، وهي غريبة أيضاً. وقيل: اللُّبَد - بضم اللام وفتح الباء -: الشيء الدائم، واللبد أيضاً: الذي لا يسافر ولا يبرح؛ قال الشاعر: [البسيط] 4913 - من امْرِىءٍ ذِي سماحٍ لا تزَالُ لَهُ ... بَزْلاءُ يَعْيَا بِهَا الجثَّامةُ اللُّبَدُ ويروى: اللَّبد، قال أبو عبيد: وهو أشبه، ويقال: ألبدت القربة جعلتها في لبيد. ولبيد: اسم شاعر من بني عامر. قوله : ﴿إِنَّمَآ أَدْعُواْ ﴾ ، قرأ عاصم وحمزةُ: بلفظ الأمر التفاتاً، أي: قل يا محمد، والباقون: «قال» إخباراً عن «عبد الله» وهو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قال الجحدريُّ: وهي في المصحف كذلك. وقد تقدم لذلك نظائر في «قل سبحان ربي» آخر «الإسراء» ، وكذا في أول «الأنبياء» وآخرها، وآخر «المؤمنون» . قال المفسرون: سبب نزولِ هذه الآية أنَّ كفار قريش قالوا له: إنَّك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا ونحن نجيرك، فنزلت. قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَدًا﴾ . قرأ الأعرج: «رُشُداً» - بضمتين -. وجعل الضر عبارة عن الغي؛ لأن الضرر سبب عن الغي وثمرته، فأقام المسبب مقام السبب، والأصل: لا أملك غياً، ولا رشداً، فذكر الأهم. وقيل: بل في الكلام حذف، والأصل: لا أملكُ لَكُمْ ضراً ولا نَفْعاً ولا غيّاً ولا رشداً فحذف من كل واحدٍ ما يدل مقابله عليه. * فصل في معنى الآية المعنى لا أقدر أن أدفع عنكم ضراً ولا أسوق لكم خيراً. وقيل: ﴿لا أملك لكم ضرّاً﴾ ، أي: كفراً «ولا رَشداً» أي: هُدَى، أي: إنما عليَّ التبليغ. وقيل: الضَّرُّ: العذاب، والرشدُ: النعيم، وهو الأول بعينه. وقيل: الضرُّ: الموت، والرشد الحياة. قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ﴾ ، أي: لن يدفع عني عذابه أحدٌ إن استحفظته وذلك أنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه، ونحن نجيرُك. وروى أبو الجوزاء عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: انطلقتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليلة الجن حتى أتى الحجُون فخطَّ علينا خطّاً، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيد يقال له وِرْدان: أنا أزجلهم عنك، فقال: ﴿إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ﴾ ، ذكره الماورديُّ رحمة الله عليه، قال: ويحتمل معنيين: أحدهما: لن يجيرني مع إجارة الله لي أحد. الثاني: لن يجيرني مما قدره الله تعالى علي أحدٌ، ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: ملجأ الجأ إليه، قاله قتادة، وعنه نصيراً ومولى. وقال السدي: حِرْزاً، وقال الكلبيُّ: مدخلاً في الأرض مثل السِّرب، وقيل: مذهباً ولا مسلكاً، حكاه ابن شجرة؛ قال الشاعر: [البسيط] 4914 - يَا لَهْفَ نَفْسِي ولَهْفِي غَيْرُ مُجْزيَةٍ ... عَنِّي ومَا مِنْ قضَاءِ اللَّهِ مُلتَحَدُ و «مُلتَحَداً» مفعول «أحد» لأنها بمعنى «أصيب» قوله ﴿إِلاَّ بَلاَغاً﴾ ، فيه وجوه: أحدها: أنه استثناء منقطع، أي: لكن إن بلغت عن الله رحمتي، لأن البلاغ من الله - تبارك وتعالى - لا يكونُ داخلاً تحت قوله: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ . لأنه لا يكون من دون الله - عَزَّ وَجَلَّ - وبعنايته وتوفيقه. والثاني: أنَّه متصل، وتأويله، أن الإجارة مستعارة للبلاغ، أو هو سببها أو بسبب رحمته تعالى، والمعنى لن أجِدَ شيئاً أميل إليه وأعتصمُ به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني، وإذا كان متصلاً جاز نصبه من وجهين: أحدهما: أن يكون بدلاً من «مُلتحَداً» لأن الكلام غير موجب، وهذا اختيار الزَّجاجِ. والثاني: أنه منصوب على الاستثناء. الثالث: أنه مستثنى منقطع من قوله ﴿لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَراً﴾ . قال قتادة: أي: لا أملك إلا بلاغاً إليكم، وقرره الزمخشري، فقال: أي: لا أملك لكم إلا بلاغاً من الله، وقيل: ﴿إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله﴾ جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاسطاعة وعلى هذا فالاستثناء منقطع. الرابع: أنَّ الكلام ليس استثناء، بل شرطاً، والأصل: «إن لا» ف «إنْ» شرطية وفعلها محذوفٌ، لدلالة مصدره، والكلام الأول عليه، و «لا» نافية، والتقدير: «إن لا أبلغ بلاغاً من الله فلن يجيرني من الله أحدٌ» . وجعلوا هذا كقول الآخر: [الوافر] 4915 - فَطلِّقْهَا فلسْتَ لهَا بِكُفءٍ ... وإلاَّ يَعْلُ مفْرِقَكَ الحُسامُ أي: وإن لا تطلقها يعلُ، فحذف الشرط ونفى الجواب، وفي هذا الوجه ضعف من وجهين: أحدهما: أن حذف الشرط دون أدلته قليل جداً. والثاني: أنَّه حذف الجزءان هنا، أعني الشرط والجزاء. فيكون كقول الشاعر: [الرجز] 4916 - قَالتْ بنَاتُ العَمِّ: يا سَلْمَى وإنْ ... كَانَ فَقيراً مُعدماً، قالتْ: وإنْ أي قالت: وإن كان فقيراً معدماً فقد رضيته. وقد يقال: إن الجواب مذكور عند من يرى جواز تقديمه، وإما في قوة المنطوق به لدلالة ما قبله عليه. وقال الحسنُ: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ﴾ . فإن فيه النجاة والأمان. قوله ﴿مِّنَ الله﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أن «مِنْ» بمعنى «عَنْ» لأن «بلغ» يتعدى بها، ومنه قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاَ بلَّغُوا عنِّي» . والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة ل «بلاغ» . قال الزمخشري: «مِنْ» ليست للتبليغ وإنما هي بمنزلة «مِنْ» في قوله تعالى ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1] ، بمعنى: «بلاغاً كائناً من اللَّهِ» . قوله ﴿وَرِسَالاَتِهِ﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنها منصوبة نسقاً على «بلاغاً» ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ، والرسالات ولم يقل الزمخشري غيره. والثاني: أنها مجرورة نسقاً على الجلالة، أي: إلا بلاغاً عن الله وعن رسالاته، قدره أبو حيَّان وجعله هو الظاهر، ويجوز في جعله «مِنْ» بمعنى «عَنْ» ، والتجوز في الحروف رأي الكوفيين ومع ذلك فغير متعارف عندهم. قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ﴾ ، في التوحيد، والعبادة ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ، العامة: على كسر «إن» جعلوها جملة مستأنفة بعد فاء الجزاء. قال الواحديُّ: «إن» مكسورة الهمزة لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء. ولذلك حمل سيبويه قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] ، ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ [البقرة: 126] ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ على أن المبتدأ فيها مضمر تقديره: فجزاؤه أنَّ له نار جهنَّم، أو فحكمه أنَّ له نار جهنَّم. قال ابن خالويه: «سمعت ابن مجاهد يقول: لم يقرأ به أحدٌ، وهو لحنٌ، لأنه بعد فاء الشرط، قال: سمعتُ ابن الأنباري يقول: هو صواب، ومعناه: فجزاؤه أنَّ لهُ نار جهنَّم» . قال شهاب الدين: ابن مجاهد، وإن كان إماماً في القراءات إلا أنه خفي عليه وجهها، وهو عجيبٌ جداً كيف غفل عن قراءتي ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54] في «الأنعام» ، لا جرم أن ابن الأنباري استصوب القراءة لطول باعه في العربية. قول «خالدينَ» . حالٌ من الهاء في «له» ، والعامل الاستقرار الذي تعلق به هذا الجار وحمل على معنى «مِنْ» فلذلك جمع؛ لأن المعنى لكل من فعل ذلك فوحد أولاً اللفظ، ثم جمع المعنى. * فصل في رد كلام المعتزلة استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية الكريمة على أن فُسَّاق أهل الصراة يخلدون في النار؛ لأن هذا العموم أقوى في الدلالة على المطلوب من سائرِ العمومات، وأيضاً: فقوله «أبداً» ينفي قول المخالف بأن المراد بالخلود المكثُ الطويلُ. والجوابُ: أنَّ السياقَ في التبليغ عن الله، والرسالة، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وإذا كان هنا محتملاً سقط الاستدلال، أو نقول: هذه الصورة لا بد وأن تندرج في العموم، وترك التبليغ عن الله تعالى أعظم، فلا يجوز أن تساويه الذنوب التي ليست مثله في العقوبة، فلا يتعدى هذا الحكمُ إلى غيره من الذنوب، أو نقول: إن الله تعالى لم يقيد في سائر عمومات الوعيد في القرآن بالتأبيد إلا في هذه الآيةِ الكريمة فلا بد وأن يكون لهذا التخصيص فائدة، ومعنى، وليس المعنى إلا أن يكون هذا الذنب أعظم الذُّنُوبِ، وإذا كان السبب في هذا التخصيصِ هذا المعنى، علمنا أن هذا الوعيد مختص بهذا الذنب، فلا يتعدى إلى غيره من الذنوب فدلت هذه الآيةُ على أن حال سائر المذنبين مخالف لذلك، أو نقول: ﴿وَمَن يَعْصِ الله﴾ إلا في الكفر وإلا في الزنا وإلا في شرب الخمر، فإن مذهب القائلين بالوعيد أنَّ الاستثناءَ إخراج ما لولاه كان داخلاً تحت اللفظ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله تعالى ﴿وَمَن يَعْصِ الله﴾ متناولاً لكل من أتى بكل المعاصي. فإن قيل: يستحيلُ العموم هنا لأن من جملة المعاصي التجسيم والتعطيل، والقائل بالتجسيم يمتنع أن يكون مع ذلك قائلاً بالتعطيل. قلنا: يخص هذا بدليل الفعل فيحمل على جميع ما لا يستحيل اجتماعه. * فصل في أن الأمر للوجوب دلت هذه الآية على أن الأمر مقيد بالوجوب لأن تارك المأمورية عاص لقوله ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: 93] ، ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: 6] ، ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ [الكهف: 69] . والعاصي مستحق للعقاب لقوله تعالى ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ . قوله: ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾ . قال الزمخشريُّ: فإن قلت: بم تعلق حتى، وجعل ما بعده غاية له؟ . قلت: بقوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن: 19] على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة، ويستضعفون أنصاره، ويستقلون عددهم ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾ من بوم بدر، وإظهار الله عليهم، أو من يوم القيامة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذٍ ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً﴾ . قال: ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار، واستقلالهم لعددهم، كأنه قال لا يزالون على ما هم عليه، حتى إذا رأوا ما يوعدون، قال المشركون: متى هذا الوعد؟ إنكاراً له. فقال: «قُلْ» : إنه كائن لا ريب فيه. قال أبو حيان: قوله: بم تعلق، إن عنى تعلق حرف الجر فليس بصحيح لأنها حرف ابتداءٍ، فما بعدها ليس في موضع جر خلافاً للزجاج، وابن درستويه، فإنهما زعما أنها إذا كان حرف ابتداءٍ فالجملة الابتدائية بعدها في موضع جر، وإن عنى بالتعلق اتصال ما بعدها بما قبلها وكون ما بعدها غاية لما قبلها، فهو صحيح، وأما تقديره: أنها تتعلق بقوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ فهو بعيد جداً لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة وقدر بعضهم ذلك المحذوف، فقال: تقديره: دعهم حتَّى إذا رأوا. وقال التبريزي: جاز أن يكون غاية لمحذوف، ولم يبيِّن ما هو. وقال أبو حيان: «والذي يظهر لي أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم لكينونة النار لهم كأنه قيل: إن العاصي يحكم له بكينونة النار، والحكم بذلك هو وعيد حتى إذا رأوا ما حكم بكينونته لهم فيسعلمون» . قوله: ﴿مَنْ أَضْعَفُ﴾ . يجوز في «مَنْ» أن تكون استفهامية فترفع بالابتداء، و «أضْعَفُ» خبره، والجملة في موضع نصب سادَّةٌ مسدَّ المفعولين لأنها معلقة للعلم قبلها. وأن تكون موصولة، و «أضعف» خبر مبتدأ مضمر، أي: هو أضعف، والجملة صلة وعائدٌ وحسن الحذف طول الصلة بالتمييز، والموصول مفعول للعلم بمعنى العِرفَان. قال القرطبي: «حتى» هنا مبتدأ، أي «حتى أذا رأوا ما يوعدون» من عذاب الآخرة أو ما يوعدون من عذاب الدنيا، وهو القتل يوم بدر ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً﴾ . و «مَنْ» يظهر أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم، بكينونة النار لهم، كأنه قيل: إن العاصي أهم أم المؤمنون؟ و «أقَلُّ عَداداً» معطوف.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.