الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ﴾ . قرأ نافع والكسائي، وهاشم وأبو بكر، «سَلاسِلاً» والباقون: بغير تنوين. ووقف هؤلاء، وحمزة، وقنبل عليه بالألف بلا خلاف. وابن ذكوان والبزي وحفص: بالألف وبدونها - يعني بلا ألف - والباقون: وقفوا بالألف بلا خلاف. فقد تحصّل من هذا أن القراء على أربع مراتب، منهم من ينون وصلاً ويقف بالألف وقفاً بلا خلاف وهما حمزة وقنبل، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف بلا خلاف، وهو أبو عمرو وحده، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف تارة وبدونها أخرى، وهم ابن ذكوان وحفص والبزي، فهذا ضبط ذلك. فأما التنوين في «سَلاسِل» فذكروا له أوجهاً: منها: أنه قصد بذلك التناسب؛ لأن ما قبله وما بعده منون منصوب. ومنها: أن الكسائي وغيره من أهل «الكوفة» حكوا عن بعض العرب أنهم يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا «أفعل منك» . قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف؛ لأن الأصل في الأسماء الصرف، وترك الصرف لعارض فيها، وأن هذا الجمع قد جمع وإن كان قليلاً قالوا: «صواحب وصواحبات» ، وفي الحديث: «إنَّكُنَّ لصَواحِباتُ يُوسُف» ؛ وقال: [الرجز] 5028 - قَدْ جَرتِ الطَّيْرُ أيَامِنينَا ... فجمع «أيامن» جمع تصحيح المذكر. وأنشدوا: [الكامل] 5029 - وإذَا الرِّجالُ رَأوا يَزيدَ رَأيْتهُمْ ... خُضعَ الرِّقابِ نَواكِس الأبْصَارِ بكسر السين من «نواكس» وبعدها ياء تظهر خطًّا لا لفظاً لالتقاء الساكنين، وهذا على رواية كسر السين، والأشهر فيها نصب السين، فلما جمع شابه المفردات فانصرف. ومنها: أنه مرسوم في إمام «الحِجَاز» و «الكوفة» بالألف، رواه أبو عبيد، ورواه قالون عن نافع، وروى بعضهم ذلك عن مصاحف «البصرة» أيضاً. وقال الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما: أن تكون هذه النون بدلاً من حرف الإطلاق، ويجري الوصل مجرى الوقف. والثاني: أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف ما لا ينصرف. قال شهاب الدين: «وفي هذه العبارة فظاظة وغلظة، لا سيما على مشيخة الإسلام، وأئمة العلماء الأعلام، ووقف هؤلاء بالألف ظاهر» . وأما لمن لم ينونه فظاهر، لأنه على صيغة منتهى الجموع. وقولهم: قد جمع نحو «صواحبات، وأيامنين» لا يقدح؛ لأن المحذور جمع التكسير، وهذا جمع تصحيح، وعدم وقوفهم بالألف واضح أيضاً. وأما من لم ينون ووقف بالألف فاتباعاً للرسم الكريم كما تقدم. وأيضاً: فإن الروم في المفتوح لا يجوزه القراء، والقارئ قد يبين الحركة في وقفه فأتوا بالألف ليبين منها الفتحة. وروي عن بعضهم أنه يقول: «رَأيْتُ عُمَراً» بالألف، يعني عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والسلاسل: جمع سلسلة وهي القيود في جهنم، وقد تقدم الكلام عنها في سورة «الحاقة» . فصل اعلم أنه بيّن - هاهنا - حال الفريقين، وأنه تعبد العقلاء، وكلّفهم ومكّنهم مما أمرهم فمن كفر فله العقاب، ومن وحد وشكر فله الثَّواب، والاعتداد هو اعتداد الشَّيء حتى يكون عتيداً حاضراً متى احتيج إليه، كقوله تعالى: ﴿هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23] ، والأغلال: جمع غل، تغلّ بها أيديهم إلى أعناقهم. وقد تقدم الكلام في السعير أيضاً. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ الآية. لما ذكر ما أعد للكافرين ذكر ما أعد للشاكرين، والأبرار أهل الصدق، واحدهم: برّ، وهو من امتثل أمر الله تعالى. وقيل: البر: الموحد، والأبرار: جمع «بار» مثل: «شاهد وأشهاد» . وقيل: هو جمع «بر» مثل: «نهر وأنهار» . وفي «الصحاح» : وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة، وفلان يبرُّ خالقه ويتبرره أي يطيعه، والأم برة بولدها. وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّما سمَّاهُم اللهُ - تَعالَى - الأبْرَارَ؛ لأنَّهُمْ بَرُّوا الآبَاءَ والأبناءَ، كما أنَّ لِوالديكَ عَلَيْكَ حقًّا، كذَلكَ لَوَلدكَ عَليْكَ حقًّاً» . وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذَّرَّ. وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدّون حق الله، ويوفون بالنذر، وفي الحديث: «الأبْرَارُ الَّذينَ لا يُؤذُوَن أحَداً» . ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . أي: من إناء فيه الشراب. قال ابن عباس: يريد الخمر. والكأس في اللغة: الإناء فيه الشراب، وإذا لم يسمَّ كأساً. قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ المزاج: ما يمزج به أي: يخلط، يقال: مزجه يمزجه مزجاً أي: خلطه يخلطه خلطاً. قال حسان: [الوافر] 5030 - كَأنَّ سَبيَئةً من بَيْتِ رَأسٍ ... يَكونُ مَزَاجهَا عَسلٌ ومَاءُ فالمزاج كالقِوام اسم لما يقاوم به الشيء، ومنه مزاج البدن: وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة. و «الكافور» : طيب معروف، وكأن اشتقاقه من الكفر، وهو الستر لأنه يغطي الأشياء برائحته، والكافور أيضاً: كمائم الشجر الذي يغطّي ثمرتها. قال بعضهم: الكافُور: «فاعول» من الكفر كالنّاقور من النَّقر، والغامُوس من الغمس، تقول: غامسته في الماء أي: غمسته، والكفر: القرية والجبل العظيم؛ قال: [الطويل] 5031 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... تُطَلَّعُ ريَّاهُ من الكفَرَاتِ والكافور: البحر، والكَافِر: الليل، والكَافِر: الساتر لنعم الله تعالى، والكَافِر: الزارع لتوريته الحب في الأرض؛ قال الشاعر: [السريع] 5032 - وكَافرٍ مَاتَ على كُُفْرِهِ ... وجَنَّةُ الفِرْدَوسِ للكَافِرِ والكفَّارة: تغطية الإثم في اليمين الفاجرة والنذور الكاذبة بالمغفرة، والكافور: ماء جوف شجر مكنون، فيغرزونه بالحديد، فيخرج إلى ظاهر الشجر، فيضربه الهواء فيجمد وينعقد كالصمغ الجامد على الأشجار. ويقال: كفر الرجل يكفر إذا وضع يده على صدره. * فصل في الآية قال ابن الخطيب: مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذاً، فما السبب في ذكره؟ . والجواب من وجوه: أحدها: قال ابن عباس: اسم عين ماء في الجنة يقال له: عين الكافور أي: يمازجه ماء هذا العين التي تسمى كافوراً في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته. وثانيها: أن رائحة الكافور عرض، والعرض لا يكون إلا في جسم، فخلق الله تلك الرائحة في جرم ذلك التراب فسمي ذلك الجسم كافوراً وإن كان طعمه طيباً فيكون ريحها لا طعمها. وثالثها: أن الله تبارك وتعالى يخلق الكافور في الجنة مع طعم لذيذ ويسلب عنه ما فيه من المضرّة، ثم إنه - تعالى - يمزجه بذلك الشراب كما أنه تعالى يسلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها من المضرات في الدنيا. قال سعيد عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. وقيل: أراد بالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب، كقوله تعالى: ﴿حتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾ [الكهف: 96] ، أي: كَنَارٍ. وقيل: كان في علم الله تعالى، و «كان» زائدة، أي: من كأس مزاجها. قال القرطبي: ويقال: «كافور وقافور» وهي قراءة عبد الله بالقاف بدل الكاف، وهذا من التعاقب بين الحرفين كقولهم: «عربي فجّ وكجّ» . ومفعول «يشربون» إما محذوف، أي: يشربون ماء أو خمراً من كأس، وإما مذكور وهو «عيناً» ، وإما «من كأس» و «من» مزيدة فيه، وهذا يتمشّى عند الكوفيين والأخفش. وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولاً، وبحرف الإلصاق آخراً؟ قلت: لأن الكأس مبدأ شربهم، وأول غايته، وأما العين فبها يمزجون شرابهم، فكأن المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر كما تقول: شربت الماء بالعسل» . قوله: ﴿عَيْناً﴾ . في نصبها أوجه: أحدها: بدل من «كافوراً» ؛ لأن ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وفي برده. الثاني: أنها بدل من محل «من كأس» . قاله مكي. ولم يقدر حذف مضاف. وقدر الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف، قال: كأنه قيل: يشربون خمراً، خمر عين. وأما أبو البقاء فجعل المضاف مقدراً على وجه البدل من «كافور» . قال: «والثاني: بدل من كافور، أي: من ماء عين، أو خمر عين» . وهو معنى حسن. والثالث: أنها مفعول ب «يشربون» يفسره ما بعده، أي يشربون عيناً من كأس. الرابع: أن ينتصب على الاختصاص. الخامس: بإضمار «يشربون» يفسره ما بعده، قاله أبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن الظاهر أنه صفة ل «عين» فلا يصح أن يفسر. السادس: بإضمار «يعطون» . السابع: على الحال من الضمير في «مزاجها» . قاله مكي. وقال القرطبي: «نصب بإضمار أعني» . قوله: «يشرب بها» . في الباء أوجه: أحدها: أنها مزيدة، أي: يشربها، ويدل له قراءة ابن أبي عبلة: يشربها معدى إلى الضمير بنفسه. الثاني: أنها بمعنى «من» . الثالث: أنها حالية، أي: يشرب ممزوجة بها. الرابع: أنها متعلقة ب «يشرب» والضمير يعود على الكأس، أي: يشربون العين بذلك الكأس، والباء للإلصاق كما تقدم في قول الزمخشري. الخامس: أنه على تضمين «يشربون» معنى يلتذّون بها شاربين. السادس: على تضمينه معنى يروى، أي: يروى بها عباد الله، وكهذه الآية الكريمة في بعض الأوجه قول الهذلي: [الطويل] 5033 - شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرفَّعَتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ فهذه يحتمل الزيادة ويحتمل أن تكون بمعنى «من» . وقال الفراء: «يشربها ويشرب بها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها: يروى بها وينفع بها، وأما يشربونها فبيِّن، وأنشد قول الهذلي، قال: ومثله: يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاماً حسناً» . والجملة من قوله «يشرب بها» في محل نصب صفة ل «عيناً» إن جعلنا الضمير في «بها» عائداً على «عيناً» ولم نجعله مفسراً لناصب كما قاله أبو البقاء، و «يفجرونها» في موضع الحال. * فصل في المراد بعباد الله هاهنا قال ابن الخطيب: قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ يفيد أن كل عباد الله يشربون منها، والكفار بالاتفاق لا يشربون على أن لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان، وإذا ثبت هذا فقوله تعالى: ﴿وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر﴾ [الزمر: 7] لا يتناول الكفار، بل يختص بالمؤمنين، فيصير تقدير الآية: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، ولا تدل الآية على أنه - تعالى - لا يريد الكفر للكفار. قوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ . أي: يشققونها شقًّا كما يفجر الرجل النَّهر هاهنا وهاهنا إلى حيث شاءوا، ويتبعهم حيث مالوا مالت معهم. روى القرطبي عن الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أرْبع عُيونٍ في الجَنَّةِ اثْنان يَجْرِيَانِ مِنْ تَحْتِ العَرْشِ؛ إحداهما الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تعالى يُفجِّرونها تفجيراً وعينان يجريان من فَوْقِ العرشِ نضَّاختان: إحداهُما الَّتي ذكر اللهُ تعالى سبيلاً، والأُخرى: التَّسْنِيمُ» ذكره الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» . وقال: فالتَّسْنيم للمقربين خاصة، شراباً لهم، والكافور للأبرار شراباً لهم، يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزَّنجبيل والسَّلسبيل فللأبرار [منها مزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب فما كان للأبرار مزاج] للمقربين صرف، وما كان للأبرار صرف فهو لسائر أهل الجنة مزاج، والأبرار هم الصادقون والمقربون: هم الصديقون. قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً لا محلَّ له ألبتة، ويجوز أن يكون خبراً ل «كان» مضمرة. قال الفراء: التقدير «كانوا يوفون بالنَّذر في الدنيا، وكانوا يخافُون» انتهى. وهذا لا حاجة إليه. الثالث: جواب لمن قال: ما لهم يرزقون ذلك؟ . قال الزمخشري: «يوفون» جواب من عيسى يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟ . قال أبو حيان: «واستعمل» عسى «صلة ل» من «وهو لا يجوز، وأتى بالمضارع بعد» عسى «غير مقرون ب» أن «وهو قليل أو في الشعر» . * فصل في معنى الآية معناه: لا يخلفون إذا نذروا، وقال معمر عن قتادة: يأتون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغيره من الواجبات. وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله تعالى. وقال الفراء والجرجاني: وفي الكلام إضمار، أي: كانوا يوفون بالنذر في الدنيا والعرب قد تزيد مرة «كان» وتحذف أخرى. وقال الكلبي: «يُوفُونَ بالنَّذرِ» أي: يتممون العهود لقوله تعالى ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله﴾ [النحل: 91] و ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ [المادة: 1] أمرٌ بالوفاء بها؛ لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان. قال القرطبي: «والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلف على نفسه [من شيء يفعله، وإن شئت قلت في حد النذر هو إيجاب المكلف على نفسه] من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه» . وقال ابن الخطيب: الإيفاءُ بالشيء هو الإتيان به وافياً. وقال أبو مسلم: النذر كالوعد، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر، وإن كان من الله فهو وعد، واختص هذا اللفظ في عرف الشرع بأن تقول: لله عليَّ كذا وكذا من الصدقة، أو يسلم بأمر يلتمسه من الله - تعالى - مثل أن تقول: إن شفى الله مريضي، أو ردَّ غائبي فعليَّ كذا وكذا، واختلفوا فيما إذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر كقوله: إن أتى فلان الدَّار فعلى هذا، فمنهم من جعله كاليمين، ومنهم من جعله من باب النذور. * فصل في المراد بالإيفاء بالنذر قال القشيري: روى أشهب عن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه قال «يُوفُونَ بالنَّذْرِ» هو نذر العتق، والصيام والصلاة. وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال: قال مالك: «يُوفُونَ بالنَّذرِ» قال: النذر هو اليمين. قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأنه تعالى قال عقيبه: «ويخَافُونَ يَوْماً» وهذا يقتضي أنهم إنما وفَّوا بالنذر خوفاً من شر ذلك اليوم، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجباً ويؤكده قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] وهذا محتمل ليوفوا أعمال نسكهمُ التي ألزموها أنفسهم. * فصل في زيادة كان قال الفراء وجماعة من أهل المعاني: «كان» في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ زائدة وأما هاهنا فكان محذوفة، والتقدير: كانوا يوفون بالنذر. قال ابن الخطيب: ولقائل أن يقول: إنا بينا أن «كان» في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ ليست بزائدة، وأما في هذه الآية فلا حاجة إلى إضمارها؛ لأنه - تعالى - ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي: سيشربون، فإن لفظ المضارع مشترك ين الحال والاستقبال، ثم قال السبب في ذلك الثواب الذي سيجدونه أنه الآن يوفون بالنذر. قوله: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ، أي: يخافون يوم القيامة، و «كَانَ شَرُّهُ» في موضع نصب صفة ل «يَوْم» . و «المُسْتطِيرُ» : المنتشر، يقال: اسْتَطَار يَسْتطِيرُ اسْتيطَاراً، فهو مستطير، وهو «استفعل» من الطيران. قال الأعشى: [المتقارب] 5034 - فَبَانَتْ وقَدْ أسْأرَتْ في الفُؤا ... دِ صَدعاً على نَأيِهَا مُسْتَطيرَا والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة والزجاجة، أو استطال إذا امتدّ، ويقال: استطار الحريق إذا انتشر. وقال الفرَّاء: المستطير: المستطيل، كأنه يريد أن مثله في المعنى، لأنه أبدل من اللام راء، والفجر: فجران، مستطيل كذنبِ السَّرحان وهو الكاذب، ومستطير، وهو الصادق لانتشاره في الأفق. قال قتادة: استطار والله شرُّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض. وقال مقاتل: كان شره فاشياً في السموات، فانشقت وتناثرت بالكواكبِ وفزعت الملائكة في الأرض، ونسفت الجبال وغارت المياه. فإن قيل: أحوال القيامة وأهوالها كلها فعل الله تعالى، وكل ما كان فعلاً لله، فهو حكمه وصواب، وما كان كذلك لا يكون شرًّا، فكيف وصفها الله بأنها شرّ؟ . والجواب: إنما سميت شرًّا لكونها مضرة بمن تنزل عليه، وصعبة عليه كما سميت الأمراض، وسائر الأمور المكروهة شروراً. قال ابن الخطيب: وقيل: المستطير هو الذي يكون سريع الوصول إلى أهله، وكأن هذا القائل ذهب إلى أن الطيران إسراع. فإن قيل: لم قال: كان شره، ولم يفل: سيكون شره مستطيراً؟ . فالجواب: أن اللفظ وإن كان للماضي إلا أن معناه كان شره في علم الله وحكمته. قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ وهذا الجار والمجرور حال إما من «الطعام» أي: كائنين على حبهم الطعام كقوله تعالى: ﴿وَآتَى المال على حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] . قال ابن عباس ومجاهد: على قلة حبهم إياه وشهوتهم له، وإما من الفاعل. والضمير في «حبه» لله تعالى، أي: على حب الله، وعلى التقدير: فهو مصدر مضاف للمفعول. قال الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطَّعام. قوله «مسكيناً» . أي: ذا مسكنة، «ويَتيماً» أي: من يتامى المسلمين «وأسِيراً» أي: الذي يؤسر فيحبس، وذلك أن المسكين عاجز عن الاكتساب بنفسه، واليتيم: هو الذي مات من يكتسب له، وبقي عاجزاً عن الكسبِ لصغره، والأسير: هو المأخوذ من قومه المملوك رقبة، الذي لا يملك لنفسه نصراً ولا حيلةً. قال ابن عباس والحسن وقتادة: الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم. فإن قيل: لمَّا وجب قتله، فكيف يجب إطعامه؟ . فالجواب: أن القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى، ولا يجب إذا عوقب بوجهٍ أن يعاقب بوجه آخر، وكذلك لا يحسن فيمن عليه قصاص أن يفعل به ما هو دون القتل، ويجب على الإمام أن يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأسير: المحبوس. وقال السديُّ: الأسير: المملوك، وقيل: الأسير: الغريم، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أسِيرُكَ غَريمُكَ» وقال عطاء: الأسير من أهل القبلةِ وغيرهم. قال القرطبي: «هذا يعم جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا» . وقيل: الأسير: الزوجة، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ، فإنَّهُنَّ عوانٍ عِنْدكُمْ» . قال القفال: واللفظ يحتمل كل ذلك؛ لأن أصل الأسر هو الشك بالقدر، وكان الأسير يفعل به ذلك حبساً له. * فصل في الكلام على الآية قال القرطبي: قيل نسخ آية المسكين آية الصدقات، وإطعام الأسير بالسيف قاله سعيد بن جبير. وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام. وقال الماورديُّ: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل؛ لأنه في أسر خبله وجنونه، وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام، وهذا برٌّ وإحسان. قوله ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله﴾ على إضمار القول، أي: يقولون بألسنتهم لليتيم والمسكين والأسير إنما نطعمكم في الله - جل ثناؤه - فزعاً من عذابه وطمعاً في ثوابه ﴿لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾ أي: ولا تثنوا علينا بذلك. قال ابن عباس: كذلك كانت نيَّاتهم في الدنيا حين أطعموا. وعن مجاهد: أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله منهم، فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب. قيل: هذه الآيات نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذراً فوفى به. وقيل: نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر، وهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعلي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد، وأبو عبيدة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ذكره الماوردي. وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً، ويتيماً، وأسيراً. وقيل: نزلت في علي وفاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وجارية لهما اسمها فضة. قال القرطبي: نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلاً حسناً، فهي عامة، وما ذكر عن عليٍّ، وفاطمة لا يصح. وروى جابر الجعفي في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾ ، عن قنبر مولى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يا أبا الحسن لو نذرت عن ولديك نذراً، فقال عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إن برأ ولدي صمت ثلاثة أيام شكراً. وقالت فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مثل ذلك، وقال الحسن والحسين مثل ذلك وذكر الحديث. قال أهل الحديث: جابر الجعفي كذاب. * فصل في الإحسان إلى الغير قال ابن الخطيب: اعلم أن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله، وتارة يكون لغير الله، إما طلباً لمكافأة أو طلباً لحمدٍ وثناء، وتارة يكون لهما، وهذا هو الشرك، والأول هو المقبول عند الله، وأما القسمان الباقيان فمردودان، قال تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى كالذي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ الناس﴾ [البقرة: 264] . وقال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون﴾ [الروم: 39] ، ولا شك أن التماس الشكر من جنس المنّ والأذى، إذا عرفت ذلك فنقول: القوم لما قالوا: «إنَّما نُطعِمكُمْ لوجْهِ اللهِ» بقي فيه احتمال، أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل التشريك، فلا جرم نفى هذا الاحتمال بقوله تعالى: ﴿لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾ . * فصل في الشكر والكفور الشُّكور والكُفور: مصدران ك «الشكر والكفر» وهو على وزن «الدُّخول والخُروج» هذا قول جمهور أهل اللغة. وقال الأخفش: إن شئت جعلت الشكور، جماعة الشكر، وجعلت الكفور في قوله تعالى: ﴿فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُوراً﴾ مثل «برد وبرود» وإن شئت جعلته مصدراً واحداً في معنى جمع مثل: قعد قعوداً، وخرج خروجاً. قوله: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: إن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لإرادة مكافأتهم. والثاني: لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى علَّل المكافأة بخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة. فإن قيل: إنه - تعالى - لما حكى عنهم الإيفاء بالنذر، علَّل ذلك بخوف القيامة فقط، ولما حكى عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين: بطلب رضا الله تعالى، وبالخوف، فما الحكمة في ذلك؟ . فالجواب: أن النذر هو الذي أوجبه على نفسه لأجل الله، فلما كان كذلك، لا جرم علله بخوف القيامة فقط، وإما الإطعام فالله - تعالى - هو الذي شرعه، فلا جرم ضم إليه خوف القيامة. قوله: ﴿يَوْمَاً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ . القَمْطَرِيرُ: الشديد، وأصله كما قال الزجاج: «مشتق من اقمطرّت الناقة إذا رفعت ذنبها، وجمعت قطريها وزمت بأنفها» . قال الزمخشري: اشتقاقه من القطر، وجعلت الميم زائدة؛ قال أسد بن ناعصة: [الخفيف] 5035 - واصْطَليْتَ الحُروبَ فِي كُلِّ يومٍ ... بَاسلَ الشَّرِّ قَمْطَريرَ الصَّباحِ قال أبو حيان: واختلف النحاة في هذا الوزن، والأكثر على أنه لا يثبت «افْمَعَلَّ» في أوزان الأفعال ويقال: اقمطرَّ يقمطرُّ فهو مقمطرّ؛ قال الشاعر: [الرجز] 5036 - قَدْ جَعلَتْ شَبْوَةُ تَزبَئِرُّ ... تَكْسُو استهَا لَحْماً وتقْمَطِرُّ ويوم قَمْطَرير وقُمَاطر: بمعنى شديد؛ قال الشَّاعرُ: [الطويل] 5037 - فَفِرُّوا إذَا مَا الحَرْبُ ثَار غُبَارُهَا ... ولَجَّ بِها اليَوْمَ العَبُوسُ القُمَاطِرُ وقال الزجاج: القَمْطَرير: الذي يعبسُ حتى يجتمع ما بين عينيه. انتهى. فعلى هذا استعماله في اليوم مجاز، وفي بعض كلام الزمخشري، أنه جعله من «القمط» فعلى هذا تكون الرَّاءان فيه مزيدتين. وقال القرطبي: «القمطرير: الطَّويل» ؛ قال الشاعر: 5038 - شَدِيداً عَبُوساً قَمْطَريراً ... تقول العرب: يوم قمطرير، وقُماطر، وعصيب بمعنى؛ وأنشد الفراء: [الطويل] 5039 - بَنِي عَمَِّنَا هل تَذْكُرونَ بَلاءنَا ... عَليْكُمْ إذا مَا كَانَ يومٌ قُماطِرُ بضم القاف، واقمطرّ: إذا اشتد، وقال الأخفش: القمطرير: أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء؛ وأنشد: [الطويل] 5040 - فَفِرُّوا إذَا ما الحَرْبُ ... البيت المتقدم. وقال الكسائي: يقال: اقمطرَّ اليوم وازمهرَّ اقمطراراً وازمهراراً، وهو القمطريرُ والزمهريرُ، ويوم مقمطرٌّ، إذا كان صعباً شديداً؛ قال الهذليُّ: [الطويل] 5041 - بَنُو الحَرْبِ ارضْعنَا لَهُم مُقمطرَّةً ... ومَنْ يُلقَ مِنَّا ذلِكَ اليَوْمَ يهْربِ و «العبوس» أيضاً صفة ل «اليوم» ، «يوماً» تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، والمعنى: نخاف يوماً ذا عبوس. وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل منه عرقٌ كالقطران. وقال مجاهد: إن العبوس بالشَّفتين، والقَمْطرير بالجبهةِ والحاجبينِ فجعلهما من صفات الوجه المتغيّر من شدائد ذلك اليوم. قوله: ﴿فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم﴾ . أي: دفع عنهم بأس ذلك اليوم وشدته وعذابه. وقرأ أبو جعفر: «فوقَّاهم الله» بتشديد القاف على المبالغة. واعلم أنه - تعالى - لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين: لأجل رضا الله تعالى والخوف من القيامة، بيّن هنا أنه أعطاهم هذين الغرضين وهو أنه حفظهم من أهوال القيامة، وهو قوله جل ثنائه ﴿فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم﴾ وأما طلبهم رضا الله فاعطاهم الله بسببه «نُضْرةً» في الوجه، أي: حسناً، حين رأوه، «وسروراً» في القلب قال الضحاك: النضرة: البياض والنقاء. وقال ابن جبير: الحسن والبهاء. وقال ابن زيد: أثر النعمة. قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ﴾ . «ما» مصدرية، و «جنَّة» مفعول ثانٍ، أي: جزاهم جنة بصبرهم وقدر مكي مضافاً، فقال: تقديره دخول الجنة، ولبس حرير، والمعنى: وجزاهم بصبرهم على الفقر. وقال القرظي: على الصوم. وقال عطاء: على الجوع ثلاثة أيام، وهي أيام نذر. وقيل: بصبرهم على طاعة الله، وصبرهم عن معصية الله ومحارمه، وهذا يدل على أن الآيات نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلاً حسناً. وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صلى الله عن الصبر، فقال: «الصَّبْرُ عند الصَّدمةِ الأولَى، والصَّبرُ على أداءِ الفَرائضِ، والصَّبرُ على اجتنابِ محارم اللهِ تعالى، والصَّبرُ على المَصائبِ» . قوله تعالى: ﴿جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ . أي: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ . حال من مفعول «جزاهم» والعامل فيها «جزى» ولا يعمل فيها «صبروا» ؛ لأن الصبر إنما كان في الدنيا والاتِّكاء في الآخرة. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «وجازاهم» . وجوَّز أبو البقاء: أن يكون صفة ل «جَنَّةً» . وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأنه كان يلزم بروز الضمير، فيقال: «مُتَّكِئِينَ هُمْ فِيهَا» لجريان الصفة على غير من هي له. وقد منع مكي أن يكون «متكئين» صفة ل «جنة» لما ذكرنا من عدم بروز الضمير. وممن ذهب إلى كون «متكئين» صفة ل «جنة» ، الزمخشري، فإنه قال: «ويجوز أن يكون مُتَّكينَ، ولا يَروْنَ، ودَانيةً، كلها صفات الجنة» . وهو مردود بما تقدم. ولا يجوز أن يكون «متكئين» حالاً من فاعل «صبروا» ؛ لأن الصبر كان في الدنيا، واتكاؤهم إنما هو في الآخرة. قال معناه مكي. ولقائل أن يقول: إن لم يكن المانع إلا هذا فاجعلها حالاً مقدرة، لا ما لهم بسبب صبرهم إلى هذه الحالة، وله نظائر. قال ابن الخطيب: وقال الأخفش: وقد ينصب على المدح والضمير في «فيها» أي في الجنة وقال الفراء: وإن شئت جعلت «متكئين» تابعاً، كأنه قال: جزاؤهم جنة متكئين فيها. والأرائك: السُّرُر في الحجال، وجاءت عن العرب أسماء تحتوي على صفات: إحداها الأريكة لا تكون إلاَّ حجلة على سرير. وثانيها: السَّجل، وهو الدلو الممتلئ ماء، فإذا صفرت لم تسم سجلاً، وكذلك الذنُوب لا تسمى ذَنوباً حتى تملأ، قاله القرطبي. وهذا فيه نظر، لأنه قد ورد في شعر العرب يصف البازي؛ قال: [الكامل] 5042 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... يَغْشَى المُهَجْهِجْ كالذَّنُوبِ المُرسَلِ يعني الدَّلو إذا ألقي في البئر، وهو لا يلقى في البئر إلا إذا كان فارغاً. قال: والكأس لا تسمى كأساً حتى تُترعَ من الخمر، قال: وكذلك الطبق الذي تهدى فيه الهدية إذا كانت فيه يسمى مِهْدًى، فإذا كان فارغاً يُسمَّى طبقاً أو خواناً. قال ابن الأعرابي: مِهْدى - بكسر الميم -، ولا يسمى الطبق مهدى إلا وفيه ما يهدى، والمهداء - بالمد - الذي من عادته أن يهدى. وقيل: الأرائك: الفرش على السرر؛ قال ذو الرمة: [الطويل] 5043 - خُدودٌ جَفتْ في السَّيْرِ حتَّى كأنَّمَا ... يُبَاشِرْنَ بالمَعْزَاءِ مسَّ الأرَائِكِ أي: الفرش على السرر. قوله: ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً﴾ . فيها أوجه: أحدها: أنها حال ثانية من مفعول «جزاءهم» . الثاني: أنها حال من الضمير المرفوع المستكن في «متَّكئينَ» فتكون حالاً متداخلة. الثالث: أن تكون صفة ل «جنة» ك «متكئين» عند من يرى ذلك - كما تقدم - عن الزمخشري. والزمهرير: أشد البرد، وهذا هو المعروف؛ وقيل: هو القمرُ بلغة طيّيء، وأنشد: [الرجز] 5044 - فِي لَيْلةٍ ظلامُهَا قد اعْتكَرْ ... قطَّعتُهَا والزَّمهرِيرُ مَا نَهَرْ ويروى: ما ظهر، أي: لم يطلع القمر، والمعنى: لا يرون فيها شمساً كشمس الدنيا، ولا قمراً كقمر الدنيا، أي: أنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه ولا نهار لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر، والمعنى: أن الجنة لا يحتاج فيها إلى شمس ولا إلى قمر، ووزنه «فعلليل» ، وقيل: المعنى: لا يرون في الجنَّة شدة حر كحرِّ الشمس، ولا زمهريراً، أي: ولا برداً مفرطاً. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اشْتَكَتِ النَّارُ إلى ربِّهَا سُبحانَهُ، قالتْ: يَا ربِّ، أكَلَ بَعْضِي بعْضاً، فجعلَ لَهَا نفسينِ: نفساً في الشِّتاء، ونفساً في الصَّيْف فشِدَّةُ ما تَجِدُونَ من البَرْدِ من زَمْهَرِيرِهَا، وشدَّةِ ما تَجِدُونَ من الحرَِّ في الصَّيْفِ من سَمُومِهَا» . قال مرة الهمداني: الزمهرير: البرد القاطع. وقال مقاتل بن حيان: هو شيء مثل رؤوس الإبر ينزل من السماء في غاية البرد. وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هو لونٌ من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار أذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم في النار ألف سنة أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوماً واحد. قوله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾ العامة على نصبها، وفيها أوجه: أحدها: أنها عطف على محل «لا يرون» . الثاني: أنها معطوفة على «مُتَّكِئينَ» فيكون فيها ما فيها. قال الزمخشري: «فإن قلت:» ودانية عليها ظلالها» علام عطفت؟ . قلت: على الجملة التي قبلها؛ لأنها في موضع الحال من المجزيين، وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في «عليهم» ، إلاَّ أنها اسم مفرد، وتلك جماعة في حكم مفرد، تقديره: غير رائين فيها شمساً، ولا زمهريراً ودانية عليهم ظلالها، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والقمر ودنو الظلال عليهم» . الثالث: أنها صفة لمحذوف، أي: وجنة دانية. قال أبو البقاء: كأنه قيل: «وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً» أي: أخرى دانية عليهم ظلالها، لأنهم قد وعدوا جنتين، لأنهم خافوا مقام ربهم بقولهم: «إنَّا نخَافُ مِن ربِّنا يَوماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً» . الرابع: أنها صفة ل «جنة» الملفوظ بها. قاله الزجاج. وقال الفراء: نصب على المدحِ، أي: دانية عليهم، لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] . وقرأ أبو حيوة: «ودانية» بالرفع، وفيها وجهان: أظهرهما: أن يكون «ظلالها» مبتدأ، و «دانية» خبر مقدم، والجملة في موضع الحال. قال الزمخشري: «والمعنى: لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، والحال أن ظلالها دانية» . والثاني: أن ترتفع «دانية» بالابتداء، و «ظلالها» فاعل به، وبها استدل الأخفش على جواز إعمال اسم الفاعل، وإن لم يعتمد، نحو «قائم الزيدون» ، فإن «دانية» لم تعتمد على شيء مما ذكره النحويون، ومع ذلك فقد رفعت «ظلالها» . وهذا لا حجة فيه لجواز أن يكون مبتدأ وخبراً مقدماً كما تقدم. وقال أبو البقاء: وحكي بالجر، أي: في جنة دانية، وهو ضعيف، لأنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. يعني أنه قرئ شاذاً: «وَدانِيةٍ» بالجر على أنها صفة لمحذوف، ويكون حينئذٍ نسقاً على الضمير المجرور من قوله تعالى: ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا﴾ أي: ولا في جنة دانية، وهو رأي الكوفيين حيث يجوزون العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، ولذلك ضعفه، وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. وأما رفع «ظلالها» فيجوز أن يكون مبتدأ، و «عليهم» خبر مقدم، ولا يرتفع ب «دانية» ، لأن «دنا» يتعدى ب «إلى» لا ب «على» ، ويجوز أن ير فع ب «دانية» على أن يضمن معنى مشرفة؛ لأن «دنا» و «أشرف» متقاربان، قال معناه أبو البقاء، وهذان الوجهان جاريان في قراءة من نصب «دانية» . وقرأ الأعمش: «ودانياً» بالتذكير للفصل بين الوصف وبين مرفوعه ب «عليهم» أو لأن الجمع مذكر. وقرأ أبيّ: «ودَانٍ عَليْهِمْ» بالتذكير مرفوعاً، وهي شاذة. فمذهب الأخفش حيث يرفع باسم الفاعل وإن لم يعتمد، ولا جائز أن يعربا مبتدأ وخبراً لعدم المطابقة. وقال مكي: «وقرئ» ودانياً «بالتذكير» ثم قال: «ويجوز:» ودانية «بالرفع، ويجوز» دانٍ «بالرفع والتذكير» ، فلم يصرح بأنهما قرئا، وقد تقدم أنهما مقروء بهما، فكأنه لم يطلع على ذلك. * فصل في معنى الآية قال المفسرون: معناه: أن ظل الأشجار في الجنة قريب من الأبرار فهي مظلة عليهم زيادة على نعيمهم. قال ابن الخطيب: فإن قيل: الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، وهناك لا شمس في الجنة، فكيف يحصل الظل؟ . فالجواب: أن أشجار الجنَّة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت الأشجار مظلة منها وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شعث. ثم قوله: ﴿وَذُلِّلَتْ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال عطفاً على دانية فيمن نصبها، أي: ومذللةا ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «عليهم» سواء نصبت «دانية» أو رفعتها، أو جررتها، ويجوز أن تكون مستأنفة. وأما على قراءة رفع «ودانية» فتكون جملة فعلية عطفت على اسمية، ويجوز أن تكون حالاً كما تقدم. * فصل في تذليل قطوف الجنة والمعنى: وسخرت لهم قطوفها، أي: ثمارها «تذليلاً» أي: تسخيراً، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. قال ابن قتيبة: «ذللت» أدنيت منهم، من قولهم: حائط ذليل إذا كان قصير السمك. وقيل: «ذُلِّلَتْ» أي: جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا. قال البراءُ بن عازب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ذلّلت لهم، فهم يتناولون منها كيف شاءوا، فمن أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: إذا همَّ يتناول من ثمارها تدلّت إليه حتى يتناول منها ما يريد. وتذليل القطوف: تسهيل التناول، والقُطُوف: الثمار، الواحد: قِطْف - بكسر القاف - سمي به؛ لأنه يقطف، كما سمي الجَنَى لأنه يُجْنَى. قوله: ﴿تَذْلِيلاً﴾ تأكيد لما وصف به من الذل، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء: 106] ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: 164] . قال الماوردي: ويحتمل أن تكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها، وتخلص لهم من نواها وقال النحاس: ويقال: المذلل الذي قد ذلله الماء، أي: أرواه. ويقال: المذلل: الذي يفيئه أدنى ريح لنعمته، ويقال: المسوى؛ لأن أهل الحجاز يقولون: ذَلَّلْ نخلك، أي: سوِّه. قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ﴾ لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم، وقد وصف الأواني التي يشرب بها، ومعنى «يطاف» أي: يدور على هؤلاء الأبرار والخدم إذا أرادوا الشراب بآنية من فضة. قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: الذي في الجنة أشرف وأعلا، ثم لم تنف الأواني الذهبية بل المعنى: يُسقوْنَ في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، أي والبرد، فنبه بذكر أحدهما على الأخرى. قوله: «بآنية» هذا هو القائم مقام الفاعل؛ لأنه هو المفعول به في المعنى، ويجوز أن يكون «عليهم» . و «آنية» جمع إناء، والأصل: «أأنية» بهمزتين، الأولى مزيدة للجمع، والثانية فاء الكلمة، فقلبت الثانية ألفاً وجوباً، وهذا نظير: كساء وأكسية، وغطاه وأغطية ونظيره في صحيح اللام: حمار وأحمرة. وقوله: ﴿مِّن فِضَّةٍ﴾ نعت ل «آنية» . قوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾ . الأكواب هي الكيزان العظام التي لا آذان لها ولا عرى، الواحد منها كوب؛ وقال عدي: [السريع] 5045 - مُتَّكِئاً تُقْرَعُ أبْوابهُ ... يَسْعَى عليْه العَبْدُ بالكُوبِ قوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَاْ﴾ . اختلف القراءُ في هذين الحرفين بالنسبة إلى التنوين وعدمه، وفي الوقوف بالألف وعدمها، كما تقدم خلافهم في «سلاسل» . واعلم أن القراء فيهما على خمس مراتب: إحداها: تنوينهما معاً والوقف عليهما بالألف لنافع والكسائي وأبي بكر. الثانية: مقابلة هذه، وهي عدم تنوينهما، وعدم الوقف عليهما بالأف، لحمزة وحده. الثالثة: عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف وعلى الثاني بدونها لهشام وحده. والرابعة: تنوين الأول دون الثاني، والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها لابن كثير وحده. الخامسة: عدم تنوينهما معاً، والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها، لأبي عمرو، وابن ذكوان، وحفص. فأما من نونهما فكما مرّ في تنوين «سلاسل» ؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ذاك على «مفاعل» وذا على «مفاعيل» ، والوقف بالألف التي هي بدل من التنوين، وفيه موافقة للمصاحف المرسومة، فإنهما مرسومان فيهما بالألف على ما نقل أبو عبيد. وأما عدم تنوينهما وعدم الوقف بالألف عليهما فظاهر جدًّا. وأما من نون الأول دون الثاني، فإنه ناسب بين الأول وبين رءوس الآي ولم يناسب بين الثاني والأول والوجه في وقفه على الأول بالألف وعلى الثاني بغير ألف ظاهر. وقد روى أبو عبيد أنه كذلك في مصاحف أهل «البصرة» . وأما من لم ينونهما، ووقف على الأول بالألف وعلى الثاني بدونها فلأن الأول رأس آية فناسب بينه وبين رءوس الآي في الوقف بالألف وفرق بينه وبين الثاني؛ لأنه ليس برأس آية. وأما من لم ينونهما، ووقف عليهما بالألف، فلأنه ناسب بين الأول وبين رءوس الآي، وناسب بين الثاني وبين الأول. وحصل مما تقدم في «سَلاسِلا» وفي هذين الحرفين، أن القراء منهم من وافق مصحفه، ومنهم من خالفه لاتباع الأثر. وتقدم الكلام على «قوارير» في سورة «النمل» ولله الحمد. وقال الزمخشري: «وهذا التنوين بدل من حرف الإطلاق لأنه فاصلة، وفي الثاني لإتباعه الأول» . يعني أنهم يأتون بالتنوين بدلاً من حرف الإطلاق الذي للترنم؛ كقوله: [الرجز] 5046 - يَا صَاحِ، مَا هَاجَ الدُّمُوعَ الذُّرَّفَنْ ... وفي انتصاب «قوارير» وجهان: أظهرهما: أنه خبر «كان» . والثاني: أنها حال و «كان» تامة، أي كونت فكانت. قال أبو البقاء: «وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها، ولو كان التكرير لم يحسن أن يكون الأول رأس آية لشدة اتصال الصفة بالموصوف» . وقرأ الأعمش: «قَوَارِيرُ» بالرفع، على إضمار مبتدأ، أي: هي قوارير، و «مَنْ فضَّةٍ» صفة ل «قوارير» ، والمعنى: في صفاء القوارير، وبياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة. * فصل في وصف تربة الجنة رُوي أن أرض الجنة من فضة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي منها، ذكره ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما، وقال: ليس في الجنة شيء إلا وقد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. قال ابن الخطيب: ومعنى «كانت» هو من يكون، من قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40] أي: فتكونت قوارير بتكوين الله - تعالى - تفخيماً لتلك الخلقةِ العظيمة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين، ثم قال: فإن قيل: كيف تكون هذه الأكوابُ من فضة ومن قوارير؟ . فالجواب من وجوه: أحدها: أن أصل القوارير في الدنيا الرَّمل، وأصل قوارير الجنة هو فضة الجنة، فكما أن الله - تعالى - قادر على أن يقلب الرمل الكثيف زجاجة صافية، فكذلك قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة لطيفة، فالغرض من ذكر هذه الآية التنبيه على أن نسبة قارورة الجنة إلى قارورة الدنيا كنسبة الفضة إلى الرمل فكما أنه لا نسبة بين هذين الأصلين فكذا بين القارورتين. وثانيها: ما تقدم من قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: أنها جامعة بين صفاء الزجاج وشفافيته وبين نقاء الفضة وشرفها. وثالثها: أنه ليس المراد بالقوارير الزجاج، بل العرب تسمي ما استدار من الأواني التي تجعل فيها الأشربة مما رق وصفا قارورة، فالمعنى: وأكواب من فضة مستديرة صافية. قوله: ﴿تَقْدِيراً﴾ صفة ل «قوارير» ، والواو في «قَدَّرُوها» فيها وجهان: أحدهما: أنها عطف عليهم، ومعنى تقديرهم إياها أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدروا. والثاني: أن الواو للطائفين للدلالة عليهم في قوله تعالى: «ويُطَافُ» ، والمعنى: أنهم قدروا شرابها على قدر ريِّ الشارب، وهذا ألذ الشراب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها، ولا يعجز. قاله الزمخشري. وجوز أبو البقاء: أن تكون الجملة مستأنفة. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أتوا بها على قدر ريِّهم بغير زيادة ولا نقصان، قال الكلبي: وذلك ألذّ وأشهى، والمعنى: قدرتها الملائكة التي تطوف عليهم، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قدروها على ملء الكف لا يزيد ولا ينقص حتى لا تؤذيهم بثقل، أو بإفراط صغر. وقرأ علي، وابن عباس، والسلمي، والشعبي، وزيد بن علي، وعبيد بن عمير، وأبو عمرو في رواية الأصمعي: «قُدِّروها» بضم القاف وكسر الدال مبنياً للمفعول أي: جعلت لهم على قدر إرادتهم. وجعله الفارسي من باب المقلوب، قال: كان اللفظُ قدروها عليها، وفي المعنى قلب؛ لأن حقيقة المعنى أن يقال: قدرت عليهم، فهي مثل قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة﴾ [القصص: 76] ، ومثل قول العرب: إذا طلعت الجوزاء، ألقى العود على الحرباء. قال الزمخشري: ووجهه أن يكون من قدر منقولاً، تقول: قدرت الشيء وقَدّرَنِيهِ فلان: إذات جعلك قادراً له، ومعناه: جعلوا قادرين لها كما شاءوا وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا. وقال أبو حاتم: قدرت الأواني على قدر ريهم ما لم يسمَّ فاعله فحذف الري فصارت الواو مكان الهاء والميم لما حذف المضاف مما قبلها، وصارت الواو مفعول ما لم يسم فاعله، واتصل ضمير المفعول الثاني في تقدير النصب بالفعل بعد الواو التي تحولت من الهاء والميم حتى أقيمت مقام الفاعل. وفي هذا التخريج تكلف مع عجرفة ألفاظه. وقال أبو حيان: والأقرب في تخريج هذه القراءة الشاذة أن يكون الأصل: قدر ريهم منها تقديراً، فحذف المضاف وهو الري، وأقيم الضمير بنفسه، فصار قدروها، فلم يكن فيه إلا حذف مضاف، واتساع في الفعل. قال شهاب الدين: وهذا منتزع من تفسير كلام أبي حاتم. وقال القرطبي: وقال المهدوي: من قرأها «قدروها» فهو راجع إلى معنى القراءة الأخرى، وكأن الأصل: قدروا عليها، فحذف حرف الجر، والمعنى: قدرت عليهم؛ وأنشد سيبويه البيت [البسيط] 5047 - آلَيْتُ حَبَّ العِرَاقِ الدَّهْرَ آكُلُهُ ... والحَبُّ يأكُلهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ وذهب إلى أن المعنى: على حبّ العراق، وقيل: هذا التقدير: هو أن الأقداح تطير فتغرف بمقدار شهوة الشَّارب، وذلك قوله تعالى: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ . أي: لا يفضل عن الري ولا ينقص منه، فقد ألهمت الأقداح معرفة مقدار ري المشتهي حتى تغترف بذلك المقدار. ذكر الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» . قوله: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً﴾ . وهي الخمر في الإناء ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾ ، «كان» صلة، أي: مزاجها زنجبيل، أو كان في حكم الله زنجبيلاً، وكانت العرب يستلذُّون من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته؛ لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، ويحدث في المشروب ضرباً من اللّذع، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب. والزنجبيل: نبث معروف؛ وسميت الكأس بذلك؛ لوجود طعم الزنجبيل فيها؛ وأنشد الزمخشري للأعشى: [المتقارب] 5048 - كَأنَّ القَرنْفُلَ والزَّنْجَبِي ... لَ بَاتَا بِفيهَا وأريْاً مَشُورا وأنشد للمسيب بن علس يصف ثغر امرأة: [الكامل] 5049 - أ - وكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجبيلَِ بِهِ ... إذْ ذُقْتُهُ وسُلافَة الخَمْرِ ويروى: وسلافَةُ الكَرْمِ. وقال مجاهد: «الزنجبيل» اسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار، وكذا قال قتادة: وقيل: هي عين في الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل. والمعنى: كأن فيها، وتكون قد عطفت «رأيت» الثاني على الأول، ويكون فعل الجواب محذوفاً، ويكون فعل الجواب المحذوف هو الناصب لقوله تعالى: ﴿نَعِيماً﴾ والتقدير: إذا صدر منك رؤية؛ ثم صدر منك رؤية أخرى رأيت نعيماً وملكاً فرأيت هذا هو الجواب. * فصل في بيان الخطاب لمن؟! هذا الخطاب قيل: للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: عامّ، والنعيم: ما يتنعم به. والملك الكبير: قال سفيان الثوري: بلغنا أن الملك الكبير، تسليم الملائكة عليهم. وقيل: كون التيجان على رءوسهم كما يكون على رءوس الملوك. وقال السديُّ ومقاتل: هو استئذان الملائكة عليهم. وقال الحكيم والترمذي: هو ملك التكوين إذا أراد شيئاً قال له: كن. وفي الخبر: أن الملك الكبير هو أن أدناهم منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وأن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه ربِّه - تعالى - كل يوم مرتين. و «عيناً» فيها من الوجوه ما تقدم، قوله «سلسبيلاً» السلسبيل: ما سهل انحداره في الحلق، قال الزجاج: هو في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة، وقال الزمخشري: يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية، ودلت على غاية السلاسة. قال أبو حيان: فإن كان عنى أنه زيدت حقيقة فليس بجيد؛ لأن الباء ليست من حروف الزيادة المعهودة في علم النحو، وإن عنى أنها حرف جاء في سنخ الكلمة، وليس في سلسل ولا سلسال؛ فيصح، ويكون مما اتفق معناه وكان مختلفاً في المادة. وقال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن. وقال مكي: هو اسم أعجمي نكرة فلذلك صرف. ووزن سلسبيل فعلليل مثل دردبيس. وقيل: فعفليل؛ لأن الفاء مكررة. وقرأ طلحة سلسبيل دون تنوين ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنها اسم لعين بعينها، وعلى هذا فكيف صرف في قراءة العامة؟ فيجاب أنها سميت بذلك لا على جهة العلمية بل على جهة الإطلاق المجرد، أو يكون من باب تنوين «سلاسل» و «قوارير» وقد تقدم. وأغرب ما قيل في هذا الحرف: أنه مركب من كلمتين من فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول، والتقدير سل أنت سبيلاً إليها. قال الزمخشري: وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن معناه سل سبيلاً إليها، قال: وهذا غير مستقيم على ظاهره إلا أن يراد أن جملة قول القائل: سل سبيلاً جعلت علماً للعين؛ كما قيل: تأبط شراً، وذرى حبًّا، وسميت بذلك؛ لأنه لا يشرب منها إلاَّ من سأل سبيلاً إليها بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع وعزوه إلى مثل علي أبدع وفي شعر بعض المحدثين 5049 - ب - سَلْ سَبيلاً فِيهَا إلى رَاحةِ النَّفْ ... سِ كأنَّهَا سَلسبيلُ قال أبو حيان بعد تعجبه من هذا القول: وأعجب من ذلك توجيه الزمخشري له واشتغاله بحكايته. قال شهاب الدين: ولو تأمل ما قاله الزمخشري لم يلمه ولم يتعجب مه؛ لأن الزمخشري هو الذي شنع على هذا القول غاية التشنيع. وقال أبو البقاء: والسلسبيل كلمة واحدة. وفي قوله كلمة واحدة تلويح وإيماء إلى هذا الوجه المذكور. قوله: «ثمَّ» هذا ظرف مكان، وهو مختص بالبعد، وفي انتصابه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب على الظرف ومفعول الرؤية غير مذكور؛ لأنّ القَصْد: وإذا صدرت منك رؤية في ذلك المكان رأيت كيت وكيت، ف «رأيت» الثاني جواب ل «إذا» . وقال الفراء: «ثَمَّ» مفعولة به ل «رأيت» ، والمعنى: وإذا رأيت ما ثم، وصلح إضمار «ما» ، كما قال ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] ، يريد: ما بينكم. قال الزجاج: لا يجوز إضمار «ما» . وقال الفراء: «وإذَا رَأيْتَ» تقديره: ما ثمَّ، ف «ما» مفعول، وحذفت «ما» ، وقامت «ثمَّ» مقام «ما» . وقال الزمخشري تابعاً لأبي إسحاق: ومن قال: معناه: ما ثمَّ، فقد أخطأ؛ لأن «ثمَّ» صلة ل «ما» ولا يجوز إسقاط الموصول، وترك الصِّلة. وفي هذا نظر؛ لأن الكوفيين يجوزون مثل هذا، واستدلوا عليه بأبيات وآيات تقدم الكلام عليها مستوفى في أوائل هذا الموضوع. وقال ابن عطية: و «ثم» ظرف والعامل فيه «رأيت» أو معناه، والتقدير: رأيت ما ثم فحذفت ما. قال أبو حيان: وهذا فاسد؛ لأنه من حيث جعله معمولاً ل «رأيت» لا يكون صلة ل «ما» ؛ لأن العامل فبه إذا ذاك محذوف: أي ما استقر ثم. قال شهاب الدِّين: ويمكن أن يجاب عنه، بأن قوله أو معناه هو القول بأنه صلة لموصول فيكونان وجهين لا وجهاً واحداً حتى يلزمه الفساد، ولولا ذلك لكان قوله أو معناه لا معنى له، ويعني بمعناه أي معنى الفعل من حيث الجملة، وهو الاستقرار المقدر. والعامة على فتح الثاء من «ثمَّ» كما تقدم. وقرأ حميد الأعرج بضمها، على أنها العاطفة، وتكون قد عطفت «رأيت» الثاني على الأول ويكون فعل الجواب محذوفاً، ويكون فعل الجواب المحذوف هو الناصب لقوله «نعيماً» والتقدير: وإذا صدرت منك رؤية ثم صدرت رؤية أخرى رأيت نعيماً وملكاً؛ فرأيت هذا هو الجواب. فصل واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك من يكون خادماً في تلك المجالس. فقال ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ وقد تقدم تفسير هذين الوصفين في سورة الوقعة والأقرب أن المراد به دوام حياتهم وحسنهم ومواظبتهم على الخدمة الحسنة الموافقة، قال الفراء يقال مخلدون مسورون ويقال مقرطون وروى نفطويه عن ابن الأعرابي مخلدون محلون. والصفة الثالثة: قوله تعالى ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ وفي كيفية التشبيه وجوه: أحدها: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور ولو كان صفاً لشبهوا باللؤلؤ المنظوم؛ ألا ترى أنه تعالى قال ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين. وثانيها: أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء. وثالثها: قال القاضي هذا من التشبيه العجيب لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفاً للمجتمع منه. واعلم أنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة، أتبعه بما يدل على أن هناك أموراً أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور فقال ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ . فصل اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة: قضاء الشهوة، وإمضاء الغضب، واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب المال والجاه، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في واحد منها، فالملك الكبير الذي ذكره الله ههنا لا بد وأن يكون مغايراً لتلك اللذات الحقيرة، وما هو إلا أن تصير نفسه منتقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت، وأما ما هو على أصول المتكلمين، فالوجه فيه أيضاً أنه الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين الله تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد مما تقدم ذكره، قال ابن عباس لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه. ويقال إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه وقيل لا زوال له وقيل إذ أرادوا شيئاً حصل، ومنهم من حمله على التعظيم، فقال الكلبي هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه، ولا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد الاستئذان. فصل قال بعضهم قوله ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ خطاب لمحمد خاصة، والدليل عليه أن رجلاً قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أرأيت إن دخلت الجنة أترى عيناي ما ترى عيناك؟ فقال نعم، فبكى حتى مات، وقال آخرون بل هو خطاب لكل أحد. قوله: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ . قرأ نافع وحمزة: بسكون الياء وكسر الهاء، والباقون: بفتح الياء وضم الهاء، لما سكنت الياء كسر الهاء، ولما تحركت ضمت على ما تقدم في أول الكتاب. فأما قراءة نافع وحمزة، ففيها أوجه: أظهرها: أن يكون خبراً مقدماً، و «ثياب» مبتدأ مؤخر. والثاني: أن «عاليهم» مبتدأ، و «ثياب» مرفوع على جهة الفاعلية، وإن لم يعتمد الوصف، وهذا قول الأخفش. والثالث: أن «عاليهم» منصوب، وإنما سكن تخفيفاً. قاله أبو البقاء. وإذا كان منصوباً فسيأتي فيه أوجه، وهي واردة هنا، إلا أن تقدير الفتحة من المنقوص لا يجوز إلا في ضرورة أو شذوذ، وهذه القراءة متواترة، فلا ينبغي أن يقال به فيها، وأما قراءة من نصب، ففيه أوجه: أحدها: أنه ظرف خبر مقدم، و «ثياب» مبتدأ مؤخر، كأنه قيل: فوقهم ثياب. قال أبو البقاء: لأن عاليهم بمعنى فوقهم. قال ابن عطية: يجوز في النصب أن يكون على الظرف؛ لأنه بمعنى فوقهم. قال أبو حيان: وعالٍ وعالية اسم فاعل فيحتاج في إثبات كونهما ظرفين إلى أن يكون منقولاً من كلام العرب: «عاليك أو عاليتك ثوب» . قال شهاب الدين: قد وردت ألفاظه من صيغة أسماء الفاعلين ظروفاً، نحو خارج الدار، وداخلها وظاهرها، وباطنها، تقول: جلست خارج الدَّار، وكذلك البواقي، فكذلك هنا. الثاني: أنه حال من الضمير في «عَلَيْهِم» . الثالث: أنه حال من مفعول «حَسِبْتَهُمْ» . الرابع: أنه حال من مضاف مقدر، أي: رأيت أهل نعيم وملكٍ كبير عاليهم، ف «عَاليهم» حال من «أهل» المقدر، ذكر هذه الأوجه الثلاثة: الزمخشري، فإنه قال: «وعاليهم» بالنصب على أنه حال من الضمير في «يطوف عليهم» أو في «حسبتهم» أي: يطوف عليهم ولدان عالياً للمطوف عليهم ثياب، أو حسبتهم لؤلؤاً عالياً لهم ثياب، ويجوز أن يراد: رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب. قال أبو حيان: أما أن يكون حالاً من الضمير في «حَسِبْتَهُمْ» ، فإنه لا يعني إلا ضمير المفعول، وهو لا يعود إلا على «ولدان» ، وهذا لا يصح؛ لأن الضمائر الآتية بعد ذلك تدل على أنها للمعطوف عليهم من قوله تعالى ﴿وحلوا﴾ ، ﴿وَسَقَاهُمْ﴾ و ﴿إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً﴾ وفك الضمائر يجعل كذا وذلك كذا مع عدم الاحتياج إلى ذلك، والاضطرار إلى ذلك لا يجوز، وأما جعله حالاً من محذوف، وتقديره: أهل نعيم، فلا حاجة إلى ادعاء الحذف مع صحة الكلام وبراعته دون تقدير ذلك المحذوف. قال شهاب الدين: جعل أحد الضمائر لشيء، والآخر لشيء آخر لا يمنع صحة ذلك مع ما يميز عود كل واحد إلى ما يليق به، وكذلك تقدير المحذوف غير ممنوع أيضاً وإن كان الأحسن أن تتفق الضمائر وألاَّ يقدر محذوف، والزمخشري إنما ذكر ذلك على سبيل التجويز لا على سبيل أنه مساوٍ أو أولى، فيرد عليه ما ذكره. الخامس: أنه حال من مفعول «لقَّاهم» . السادس: أنه حال من مفعول «جزاهم» . ذكرهما مكي. وعلى هذه الأوجه: التي انتصب فيها على الحال يرتفع به «ثياب» على الفاعلية، ولا يضر إضافته إلى معرفة في وقوعه حالاً؛ لأن الإضافة لفظية كقوله تعالى: ﴿عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24] فأنّث «عارضاً» ولم يؤنث عالياً لأن مرفوعه غير حقيقي التأنيث. السابع: أن ينتصب «عاليهم» على الظرف، ويرتفع «ثياب» به على جهة الفاعلية، وهذا ماشٍ على قول الأخفش والكوفيين حيث يعملون الظرف وعديله، وإن لم يعتمد كما تقدم ذلك في الصفّ. وإذا رفع «عاليهم» بالابتداء، و «ثياب» على أنه فاعل به، كان مفرداً على بابه لوقوعه موقع الفعل، وإذا جعل خبراً مقدماً كان مفرداً لا يراد به الجمع، فيكون كقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القوم﴾ [الأنعام: 45] أي أدبار. قاله مكي. وقرأ ابن مسعود وزيدُ بن علي: «عاليتهم» مؤنثاً بالتاء مرفوعاً. والأعمش وأبان عن عاصم كذلك، إلا أنه منصوب. وقد عرف الرفع والنصب مما تقدم. وقرأت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «عَليَتْهُم» فعلاً ماضياً متصلاً بتاء التأنيث الساكنة، و «ثياب» فاعل به، وهي مقوية للأوجه المذكورة في رفع «ثياب» بالصفة في قراءة الباقين كما تقدم تفصيله. وقرأ ابن سيرين ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة وخلائق: جاراً ومجروراً. وإعرابه كإعراب «عاليهم» ظرفاً في جواز كونه خبراً مقدماً، أو حالاً مما تقدم وارتفاع «ثياب» به على التفصيل المذكور. * فصل في الضمير في عاليهم قال ابن الخطيب: والضمير في «عاليهم» إما للولدان أو للأبرار. فكأنهم يلبسُون عدة من الثياب، فيكون الذي يعلوها أفضلها، ولهذا قال تعالى «عاليهم» أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثيابُ سندسٍ، والمعنى: أن حجالهم من الحرير والديباج. قوله تعالى: ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ . قرأ العامة: بإضافة الثياب لما بعدها. وأبو حيوة وابن أبي عبلة: «ثِيَابٌ» منونة، ﴿سُندُسٌ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ برفع الجميع ف «سُنْدُسٌ» نعت ل «ثِيَابٌ» ؛ لأن «السندس» نوع، و «خُضْرٌ» نعت ل «سُنْدُسٌ» يكون أخضر وغير أخضر، كما أن الثياب تكون سندساً وغيره، و «إسْتَبْرَقٌ» نسق على ما قبله، أي: وثياب إستبرق. واعلم أن القراءة السبعة في «خُضْرٌ» ، و «إسْتَبْرَقٌ» على أربع مراتب. الأولى: رفعهما، لنافع وحفص فقط. الثانية: خفضهما، الأخوين فقط. الثالثة: رفع الأول، وخفض الثاني، لأبي عمرو وابن عامر فقط. الرابعة: عكسه، لابن كثير وأبي بكر فقط. فأما القراءة الأولى: فإن رفع «خضرٌ» على النعت ل «ثياب» ورفع «إستبرق» نسق على «الثياب» ولكن على حذف مضاف أي: وثيابٌ إستبرق ومثله: على زيد ثوبُ خزٍّ وكتانٍ أي: وثوبُ كتَّانٍ. وأما القراءة الثانية: فيكون جر «خضر» على النعت ل «سندس» . ثم استشكل على هذا وصف المفرد بالجمع، فقال مكي: هو اسم جمع. وقيل: هو جمع «سندسة» ك «تمر وتمرة» ووصف اسم الجنس بالجمع يصح، قال تعالى ﴿وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال﴾ [الرعد: 12] ، و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] ، و ﴿مِّنَ الشجر الأخضر﴾ [يس: 80] وإذا كانوا قد وصفوا المحل لكونه مراداً به الجنس بالجمع في قولهم: «أهلك الناسَ الدينارُ الحمرُ والدِّرهمُ البيضُ» ، وفي التنزيل: {أَوِ الطفل الذين} [النور: 31] فلأن يوجد ذلك في أسماء الجموع أو أسماء الأجناس الفارق بينها وبين واحدها تاء التأنيث بطريق الأولى، وجر «إستبرق» نسقاً على «سندس» ، لأن المعنى ثياب من سندس، وثياب من إستبرق. وما القراءة الثالثة: فرفع «خضر» نعتاً ل «ثياب» وجر «إستبرق» نسقاً على سندس أي: ثياب خضر من سندس، ومن إستبرق، فعلى هذا يكون الإستبرق أيضاً أخضر. وأما القراءة الرابعة: فجر «خضر» على أنه نعت ل «سندس» ورفع «إستبرق» على النسق على «ثياب» بحذف مضاف، أي: وثياب استبرق. وتقدم الكلام على مادة السندس والإستبرق في سورة الكهف. وقرأ ابن محيصن: «وإستبرق» بفتح القاف، ثم اضطرب النقل عنه في الهمزة، فبعضهم ينقل عنه أنه قطعها، وبعضهم ينقل أنه وصلها. قال الزمخشري: «وقرئ:» وإستبرق» نصباً في موضع الجر على منع الصرف، لأنه أعجمي، وهو غلط؛ لأنه نكرة يدخله حرف التعريف، تقول الإستبرق، إلا أنه يزعم ابن محيصن أنه قد جعل علماً لهذا الضرب من الثياب، وقرأ: «واستبرقَ» بوصل الهمزة والفتح على أنه مسمى ب» استفعل «من البريق، وهو ليس بصحيح - أيضاً - لأنه معرب مشهور تعريبه وأصله استبره» . وقال أبو حيان: ودل قوله: إلا أن يزعم ابن محيصن، وقوله بعد: وقرئ «واستبرق» بوصل الألف والفتح، أنّ قراءة ابن محيصن هي بقطع الهمزة مع فتح القاف والمنقول عنه في كتب القراءات: أنه قرأ بوصل الألف وفتح القاف. قال شهاب الدين: قد سبق الزمخشري إلى هذا مكي، فإنه قال: وقد قرأ ابن محيصن بغير صرف وهو وهم إن جعله اسماً؛ لأنه نكرة منصرفة. وقيل: بل جعله فعلاً ماضياً من «برق» فهو جائز في اللفظ بعيد في المعنى. وقيل: إنه في الأصل فعل ماض على «استفعل» من «برق» ، فهو عربي من البريق، فلما سمِّي به قطعت ألفه؛ لأنه ليس من أصل الأسماء أن يدخلها ألف الوصل، وإنما دخلت معتلة مغيرة عن أصلها، معدودة، لا يقاس عليها؛ انتهى، فدل قوله «قطعت ألفه» إلى آخره، أنه قرأ بقطع الهمزة وفتح القاف، ودل قوله أولاً: وقيل: بل جعله فعلاً ماضياً من «برق» ، أنه قرأ بوصل الألف، لأنه لا يتصور أن يحكم عليه بالفعلية غير منقول إلى الأسماء، ويترك ألفه ألف قطعٍ ألبتة، وهذا جهل باللغة، فيكون قد رُوِيَ عنه قراءتا قطع الألف ووصلها، فظهر أن الزمخشري لم ينفرد بالنقل عن ابن محيصن بقطع الهمزة. وقال أبو حاتم في قراءة ابن محيصن: لا يجوز، والصواب: أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميراً ويؤيد ذلك دخول لام المعرفة عليه، والصواب قطع الألف وإجراؤه على قراءة الجماعةِ. قال أبو حيان: نقول: إن ابن محيصن قارئٌ جليلٌ مشهورٌ بمعرفة العربية، وقد أخذ عن أكابر العلماء، فيتطلب لقراءته وجه، وذلك أنه يجعل «استفعل» من البريق تقول: برق واستبرق، ك «عجب واسْتعجَبَ» ، ولما كان قوله: «خضر» يدل على الخضرة، وهي لون ذلك السُّنْدس، وكانت الخضرة مما يكون فيها لشدتها دُهمة وغبش، أخبر أن في ذلك بريقاً وحسناً يزيل غبشيته، ف «استبرق» فعل ماض، والضمير فيه عائد على السُّندس، أو على الأخضر الدالّ عليه خضر، وهذا التخريج أولى من تلحين من يعرف بالعربية، وتوهيم ضابط ثقة. وهذا هو الذي ذكره مكي. وهذه القراءة قد تقدمت في سورة الكهف. قوله تعالى: ﴿وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عطف على «ويَطُوفُ» عطف ماضياً لفظاً مستقبلاً معنى، وأبرزه بلفظ الماضي لتحققه. وقال الزمخشري بعد سؤال وجواب من حيث المعنى: وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران: سِوَار من ذهب وسوار من فضة. وناقشه أبو حيان في قوله: «بالمِعْصَم» ، فقال: قوله: «بالمعصم» إما أن يكون مفعول «أحسن» وإما أن يكون بدلاً منه، وقد فصل بينهما بالجار والمجرورن فإن كان الأول فلا يجوز؛ لأنه لم يعهد زيادة الباء في مفعول «أفعل» التعجب، لا تقول: ما أحسن بزيد، تريد: ما أحسن زيداً، وإن كان الثاني ففي هذا الفصل خلافٌ، والمنقول عن بعضهم أنه لا يجوز، والمولد منا إذا تكلم ينبغي أن يتحرز في كلامه فيما فيه خلافٌ. قال شهاب الدين: وأي غرض له في تتبع كلام هذا الرجل حتى في الشيء اليسير على أن الصحيح جوازه، وهو المسموع من العرب نثراً، قال عمرو بن معديكرب: لله درُّ بني مجاشع ما أكثر في الهيجاء لقاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها، وأحسن في اللَّزْباتِ عطاءها، والتشاغل بغير هذا أولى. * فصل في المراد بالأساور قال هنا: «أساور من فضة» وفي سورة «فاطر» : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [ فاطر: 33] ، وفي سورة «الحج» : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ [الحج: 23] فقيل: حليُّ الرجل الفضة. وقيل: يجمع في يد أحدهم سواران من ذهب، وسواران من فضة، وسواران من لؤلؤ، ليجتمع محاسن أهل الجنة. قاله سعيد بن المسيب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. وقيل: يعطى كل أحد ما يرغب فيه وتميل نفسه إليه. وقيل: أسورةُ الفضة إنما تكون للولدان وأسورة الذهب للنساء. وقيل: هذا للنساء والصبيان. وقيل: هذا بحسب الأوقات. قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ ] ، قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مرُّوا بشجرة تخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداها، فيجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا تشعّث أشعارهم أبداً، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم تستقبلهم خزنةُ الجنة، فيقولون لهم: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73] . وقال النخعي وأبو قلابة، هو إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم، وصار ما أكلوه وما شربوه رشح مسكٍ وضمرت بطونهم. وقال مقاتل: هو من عين ماء على باب الجنة ينبع من ساق شجرة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غشٍّ وغلٍّ وحسدٍ، وما كان في جوفه من أذى، وعلى هذا فيكون «فعولاً» للمبالغة، ولا يكون فيه حجة للحنفي أنه بمعنى الطاهر. قاله القرطبي. قال ابن الخطيب: قوله تعالى: ﴿طَهُوراً﴾ فيه قولان: الأول: المبالغة في كونه طاهراً ثم على التفسير احتمالان: أحدهما: ألاَّ يكون نجساً كخمر الدنيا. وثانيهما: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة، يعني ما مسته الأيدي الوضيعة والأرجل الدنسة. وثانيهما: أنه لا يؤول إلى النجاسة، لأنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسكِ، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهراً؛ لأنه يطهِّرُ باطنهم عن الأخلاق الذميمة والأشياء المؤذية. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ هو نوع ما ذكره قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور والزنجبيل والسلسبيل، أو هذا نوع آخر؟ . قلنا: بل هذا نوع آخر، لوجوه: أحدها: التِّكرار. والثاني «أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه تبارك وتعالى، بقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ ، وذلك يدل على فضل هذا على غيره. والثالث: ما روي من أنه يقدِّم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتُوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر ذلك بطونهم ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسكِ، وهذا يدل على أن الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب وهو أنه يجعل سار الأطعمة والأشربة عرقاً يفوح منه كريح المسك وكل ذلك يدل على المغايرة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً﴾ ، أي: يقال لهم: إن هذا كان حزاؤكم، أي: ثواب أعمالكم، فيزداد بذلك القول فرحهم وسرورهم، كما أن المعاقب يزداد غمّه، إذا قيل له: هذا جزاء عملك الرديء» وكَانَ سَعيُكُمْ» أي: عملكم «مَشْكوراً» أي: من قبل الله وشكره للعبد قبُول طاعته وثناؤه عليه وإثابته. وقال قتادةُ: غفر لهم الذنب وشكر لهم الحسنى. وقيل: هذا إخبار من الله - تعالى - لعباده في الدنيا كأنه - تعالى - شرح لهم ثواب أهل الجنة، أي أنَّ هذا كان في علمي وحكمي جزاء لكم يا معاشر عبيدي لكم خلقتها ولأجلكم أعددتها. * فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب: وفي الآية سؤالان: الأول: إذا كان فعل العبد خلقاً لله - تعالى - فكيف يعقل أن يكون فعل الله - تعالى - جزاء على فعل الله؟ . والجواب: أن الجزاء هو الكافي وذلك لا ينافي كونه فعلاً لله. السؤال الثاني: كون سعي العبد مشكوراً يقتضي كون الله شاكراً له؟ . والجواب: كون الله - تعالى - شاكراً للعبد محال إلى على وجه المجاز، وهو من ثلاثة أوجه: الأول: قال القاضي: إن الثواب مقابل لعملهم كما أن الشكر مقابل للنعم. والثاني: قال القفال: إنه مشهور في كلام الناس أن يقولوا للراضي بالقليل والمثنى به أنه مشكور، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده، وهو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات وإعطائه إياهم عليهم ثواباً كبيراً. الثالث: أن منتهى درجة العبد راضياً من ربه مرضيًّا لربه، كما قال تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27 - 28] ، وكونها راضية من ربه أقلُّ درجة من كونها مرضية لربه، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً﴾ إشارة إلى الأمر الذي تصير به النفس راضية مرضية، وقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ إشارة إلى كونها مرضية لربها لما كانت الحالة أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.