الباحث القرآني

وفي مسلم: سيحان وجيحان، والنيل، والفرات، كل من أنهار الجنة. قوله تعالى: ﴿انطلقوا ﴾ . أي: يقال لهم ذلك. والعامة: على «انطلقوا» الثاني كالأول بصيغة الأمر على التأكيد وروى رويس عن يعقوب: «انْطَلَقُو» - بفتح اللام - فعلاً ماضياً على الخبر، أي: لمَّا أمروا امتثلوا ذلك وهذا موضع الفاء، فكان ينبغي أن يكون التركيب فانطلقوا، نحو قولك: قلت له: اذهب فذهب، وعدم الفاء هنا ليس بواضح. * فصل في كيفية عذاب الكفار في الآخرة هذا هو النَّوع الخامس من تخويف الكُفَّار، وهو بيان كيفية عذابهم في الآخرة والمعنى: يقال لهم: انطلقوا إلى ما كذبتم به من العذاب، يعني النار، فقد شاهدتموها عياناً. ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ أي: دخان ذي ثلاث شعب، يعني الدخان الذي يرتفع، ثم يتشعب إلى ثلاث شعب، وكذلك بيان دخان جهنم العظيم إذا ارتفع تشعب. قال أبو مسلم: ويحتمل في ثلاث شعبٍ ما ذكره بعد ذلك، وهو أنه غير ظليل، وأنه لا يغنى من اللهب، وبأنه يرمي بشرر، ثم وصف الظليل، فقال: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب﴾ أي: لا يدفع من لهب جهنم شيئاً، أي: ليس كالظلِّ الذي يقي حر الشمس، وهذا تهكّم بهم، وتعريض بأن ظلَّهم غير ظلَّ المؤمنين، وأنه لا يمنع حرَّ الشمس. واللهب ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر، وأصفر، وأخضر. وقيل: إن الشعب الثلاث من الضَّريع، والزَّقُّوم، والغسلين؛ قاله الضحاك. وقيل: اللهب ثم الشرر ثُمَّ الدخان، لأنها ثلاثة أحوال هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت. وقيل: عنق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب، فأما النور فيقف على رءوس المؤمنين، وأما الدخان فيقف على رءوس المنافقين، وأما اللهب الصافي فيقف على رءوس الكفار. وقيل: هو السرادق، وهو لسان من النَّار يحيط بهم يتشعب منه ثلاث شعب، فيظلهم حتى يفرغ من حسابهم، لقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] . وتَسْمِيَةُ النَّار بالظِّل مجاز من حيث إنها محيطةٌ بهم من كل جانب، لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: 16] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 55] وقيل: هو الظل من يحموم لقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: 43، 44] . وفي الحديث: «إنَّ الشَّمسَ تَدنُو مِنْ رُءوسِ الخَلائقِ، وليْسَ عَلَيْهِم ولا لَهُمْ أكْفانٌ، فتَلْحَقُهمُ الشَّمْسُ وتَأخذُ بأنْفَاسِهمْ، ثُمَّ يُنَجِّي اللهُ بِرحْمَتهِ مَنْ يَشَاءُ إلى ظلِّ من ظلِّه، فهُناكَ يقُولُونَ: ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم﴾ [الطور: 27] ويقال للمذكبين: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه» . قوله: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ﴾ صفة ل «ظلّ» ، و «لا» متوسّطة بين الصفة والموصوف لإفادة النَّفي، وجيء بالصِّفة الأولى اسماً، وبالثانية فعلاً دلالة على نفي ثبوت هذه الصِّفةِ واستقرارها للظل، ونفي التجدد والحدوث للإغناء عن اللَّهب، يقال: أغني عني وجهك، أي أبعد؛ لأن الغنيَّ عن الشيء يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه. فال الزمخشري: «ولا يغني» في محل الجر، أي وغير مُغْنٍ عنهم من حر اللهب شيئاً. ﴿إِنَّهَا﴾ أي إن جهنم، لأن السياق كله لأجلها. وقرأ العامة: «بِشَررٍ» بفتح الشين وألف بين الراءين. وورش يرقّق الراء الأولى لكسر التي بعدها. وقرأ ابن عباس وابن مقسم: بكسر الشين وألف بين الراءين. وعيسى كذلك، إلا أنه يفتح الشين. فقراءة ابن عباس: يجوز أن تكون جمعاً ل «شَرَرة» ، و «فَعَلة» تجمع على «فِعَال» نحو «رَقَبة ورِقَاب، ورحبة ورِحَاب» . وأن يكون جمعاً ل «شر» لا يراد به «أفعل» التفضيل: يقال: رجل شر، ورجال أشرار ورجل خير ورجال أخيار، ويؤنثان، فيقال: امرأة شرة وامرأة خيرة، فإن أريد بهما التفضيل امتنع ذلك فيهما، واختصّا بأحكام مذكورة في كتب النحو، أي: ترمي بشرار من العذاب، أو بشرار من الخلق. وأما قراءة عيسى: فهو جمع شرارة بالألف، وهي لغة تميم، والشررة والشرارة: ما تطاير من النار منصرفاً. قال القرطبي: «الشرر: واحدته شررة، والشرار: واحدته شرارة، وهو ما تطاير من النار في كل جهة، وأصله من شررت الثوب إذا بسطته للشمس ليجفَّ. والقَصْر: البناء العالي» . قوله: ﴿كالقصر﴾ العامة على فتح القاف وسكون الصاد وهو من القصر المعروف شبِّهت به في كبره وعظمه. وابن عباس وتلميذه ابن جبير والحسن: بفتح القاف والصَّاد، وهي جمع قصرة - بالفتح - والقصرة: أعناق الإبل والنخل وأصول الشجر. وقرأ ابن جبير والحسن أيضاً: بكسر القاف وفتح الصَّاد، جمع قصرة بفتح القاف. قال الزمخشري: «كحاجة وحوج» . وقال أبو حيان: «كحلقة من الحديد وحلق» . وقرئ: «كالقَصِر» بفتح القاف وكسر الصاد. قال شهاب الدين: ولم أر لها توجيهاً، ويظهر أن يكون ذلك من باب الإتباع والأصل: كالقصر - بسكون الصاد - ثم أتبع الصاد حركة الراء فكسرها، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في المشغول بحركة نحو «كَتِف، وكَبِد» فلأن يفعلوه في الخالي منها أولى، ويجوز أن يكون ذلك للنقل، بمعنى أنه وقف على الكلمة، فنقل كسرة الراء إلى الساكن قبلها، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، وهو باب شائع عند القراء والنحاة. وقرأ عبد الله: قُصُر وفيها وجهان: أحدهما: أنه جمع قصر، ك «رَهْن ورُهُن» . قاله الزمخشري. والثاني: أنه مقصور من قصور؛ كقوله: [الرجز] 5060 - فِيهَا عَيَايِيلُ أسُودٌ ونُمُرْ ... يريد: نمور، فقصر، وكقوله: ﴿والنجم﴾ [النجم: 1] يريد: النجوم. وتخريج الزمخشري أولى، لأن محل الثاني إما الضرورة، وإما الندور. قوله: «جِمَالات» قرأ الأخوان وحفص: «جِمَالَة» ، والباقون: «جِمَالاَت» . ف «الجِمَالة» نحو «ذكر، وذِكارة، وحجر، وحِجَارة» . والثاني: أنه جمع ك «الذِّكَارة، والحِجَارة» . قاله أبو البقاء. والأول: قول النحاة. وأما «جمالات» ، فيجوز أن يكون جمعاً ل «جمالة» ، وأن يكون جمعاً ل «جمال» ، فيكون جمع الجمع، ويجوز أن يكون جمعاً ل «جميل» المفرد كقولهم: «رجالات قريش» كذا قالوه. وفيه نظر؛ لأنهم نصُّوا على أن الأسماء الجامدة، وغير العاقلة لا تجمع بالألف والتاء، إلا إذا لم تكسر، فإن تكسرت لم تجمع، وقالوا: ولذلك لحن المتنبي في قوله: [الطويل] 5061 - إذَا كَانَ بَعْضُ النَّاس سَيْفاً لِدوْلَةٍ ... فَفِي النَِّاس بُوقاتٌ لَهُمْ وطُبُولُ فجمع «بوقاً» على «بوقات» مع قولهم: «أبواق» ، فكذلك «جمالات» مع قولهم: «جمل، وجمال» على أن بعضهم لا يجيز ذلك، ويجعل نحو «حمامات، وسجلات» شاذًّا، وإن لم يكسر. وقرأ ابن عباس والحسن وابن جبير وقتادة وأبو رجاء، بخلاف عنهم كذلك، إلا أنهم ضموا الجيم، وهي حبال السفن. وقيل: قلوص الجسور، الواحد منها جملة، لاشتمالها على طاقات الحبال، وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون «جُمالات» - بالضم - جمع جمال، ف «جمال» جمع «جملة» ، كذا قال أبو حيَّان، ويحتاج في إثبات أن «جُمَالات» جمع «جملة» بالضم إلى نقل. والثاني: أن «جمالات» جمع «جمالة» . قاله الزمخشري. وهو ظاهر. وقرأ ابن عبَّاس والسلمي وأبو حيوة: «جُمَالة» بضم الجيم لما قاله الزمخشري آنفاً. وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها قطع النُّحاس. قوله: ﴿صُفْرٌ﴾ . صفة ل «جمالات» أو ل «جمالة» لأنه إما جمع أو اسم جمع. والعامة: على سكون الفاء جمع، والحسن بضمها، كأنه إتباع، ووقع التشبيه بها في غاية الفصاحة. قال الزمخشري: وقيل: «صُفْر» سود تضرب إلى الصفرة، وفي شعر عمران بن حطَّان الخارجيِّ: [الطويل] 5062 - دَعتْهُمْ بأعْلَى صَوْتهَا ورَمتهُمُ ... بِمِثْلِ الجمالِ الصُّفْرِ نزَّاعةُ الشَّوَى وقال أبو العلاءِ: [الكامل] 5063 - حَمْرَاءُ سَاطِعَةُ الذَّوائِبِ في الدُّجَى ... تَرْمِي بكُلِّ شَرارةٍ كطِرَافِ فشبهها بالطِّراف، وهو بيت الأدم في العظمِ والحمرة، وكأنه قصد بخبثه أن يزيد على تشبيه القرآن، ولتبجحه بما سوّل له من توهم الزيادة جاء في صدر بيته قوله: حمراء، توطئة لها ومناداة عليها تنبيهاً للسَّامعين على مكانها، ولقد عمي، جمع الله له عمى الدارين عن قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ فإنه بمنزلة قوله: كبيت أحمر وعلى أن في التشبيه بالقصر، وهو الحصن تشبيهاً من جهتين: من جهة العظم، ومن جهة الطّول في الهواء. انتهى. وكان قد قال قبل ذلك بقليل: «شبهت بالقصور، ثم بالجمال لبيان التشبيه؛ ألا ترى أنهم يشبهون الإبل بالأفدان والمجادل» . والأفدان: القصور؛ كأنه يشير إلى قول عنترة: [الكامل] 5064 - فَوقفْتُ فِيهَا نَاقَتِي وكَأنَّهَا ... فَدنٌ لأقْضِيَ حَاجةَ المُتلومِ * فصل في المراد بالقصر قال القرطبي: القصر: البناء العالي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.