الباحث القرآني

قوله: «إذْ يُغَشِّيكمُ» في «إذ» وجوه: أحدها: أنَّهُ بدلٌ من «إذ» في قوله: «وإذْ يَعِدُكُم» قال الزمخشريُّ: «إذْ يغشاكُمُ» بدلٌ ثانٍ من «إذ يعدكُم» . قوله: «ثَانس» ؛ لأنه أبدل منه «إذْ» في قوله: «إذْ تستغيثُونَ» ووافقه على هذا ابنُ عطيَّة، وأبو البقاء. الثاني: أنَّهُ منصوبٌ ب «النصر» . الثالث: بما في عند الله من معنى الفعل. الرابع: ب «ما جعله اللَّهُ» . الخامس: بإضمار «اذكُر» ذكر ذلك الزمخشريُّ. وقد سبقه إلى الرابع: الحُوفِيُّ. وقد ضعَّف أبو حيان الوجه الثَّاني بثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَ فيه إعمال المصدر المقرون ب «أل» قال: وفيه خلاف: ذهب الكوفيُّون إلى أنَّه لا يعمل. الثاني: أنَّ فيه فصلاً بين المصدر ومعموله بالخير، وهو قوله: ﴿إِلاَّ مِنْ عِندِ الله﴾ [الأنفال: 10] [آل عمران: 126] ولو قلت: «ضَرْب زيدٍ شديدٌ عمراً» لَمْ يَجُرْ. الثالث: أنه عمل ما قبل «إلاَّ» فيما بعدها، وليس أحد الثلاثة الجائز ذلك فيها؛ لأنَّه لا يعملُ ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى، أو مستثنى منه أو صفة له. وقد جوَّز الكسائيُّ والأخفش: إعمال ما قبل «إلاَّ» فيما بعدها مطلقاً، وليس في هذه الأوجه أحسنُ من أنَّهُ أخبر عن الموصول قبل تمام صلته، وضعَّف الثَّالث بأنَّهُ يلزم منه أن يكون استقرارُ النَّصْرِ مُقَيَّداً بهذا الظَّرفِ، والمنَّصرُ من عند اللَّه لا يتقيَّدُ بوقت دون وقت وهذا لا يضعفُ به؛ لأنَّ المراد بهذا النَّصر نصرٌ خاص، وهذا النصرُ الخاصُّ كان مقيَّداً بذلك الظرف. وضعَّف الرابع بطولِ الفصلِ، ويكون معمولاً لما قبل «إلاَّ» . السادي: أنَّهُ منصوبٌ بقوله: «ولتَطْمئنَّ بِهِ» قاله الطَّبريُّ. السابع: أنَّهُ منصوبٌ بما دلَّ عليه: «عزيزٌ حكيمٌ» قاله أبُو البقاءِ ونحا إليه ابن عطيَّة قبله. وقرأ ابنُ كثير، وأبو عمرو: «يغْشاكُمُ النُّعاس» ، ونافع «يُغشِيكُمُ» بضمِّ الياءِ، وكسر الشِّين خفيفة «النَّعاسَ» نصباً والباقون «يُغَشِّكُمُ» كالذي قبله، إلاَّ أنه بتشديد الشِّين. فالقراءة الأولى من: «غَشِيَ يَغْشَى» ، و «النَّعاسُ» فاعل، وفي الثانية من: «أغْشَى» وفاعله ضميرُ الباري تعالى، وكذا في الثالثة من: «غَشَّى» بالتشديدن و «النُّعاس» فيهما مفعول به. و «أغْشَى وغَشَّى» لغتان. قال الواحديُّ: «من قرأ» يَغْشَاكم «فلقوله: ﴿أَمَنَةً نُّعَاساً يغشى﴾ [آل عمران: 154] فكما أنسد الفعل هناك إلى» النُّعاس» ، و «الأمَنَة» التي هي سبب النُّعاس كذلك ههنا، ومن قرأ «يُغشيكم» ، أو» يُغشِّيكم «فالمعنى واحدٌ، وقد جاء التَّنْزِيلُ بهما في قوله: ﴿فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 8] وقال: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غشى﴾ [النجم: 54] . قوله:» أمَنَةً» في نصبها ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه مصدرٌ لفعلٍ مقدر، أي: فأمِنْتُم أمَنَةً. الثاني: أنَّها منصوبةٌ على أنَّها واقعةٌ موقع الحال إمَّا من الفاعل، وإمَّا من المفعول، فإن كان الفاعل ُ «النعاس» فنسبةُ الأمنة إليه مجازٌ، وإن كان الباري تعالى كما هو في القراءتين الأخيرتين فالنسبةُ حقيقيةٌ، وإن كان من المفعولِ فعلى المبالغةِ، أي: جعلهم نفس الأمنة، أو على حذف مضاف، أي: ذوي أمنة. الثالث: أنَّه مفعولٌ من أجله، وذلك إمّضا أن يكون على القراءتين الأخريين أو على الأولى، فعلى القراءتين الأخريين أمرها واضحٌ، وذلك أن التَّغشية، أو الإغشاء من اللَّهِ تعالى، والأمنةُ منه أيضاً، فقد اتَّحد الفاعل فصحَّ النَّصْبُ على المفعول له، وأمَّا على القراءة الأولى ففاعل «يَغْشَى» النُّعاس وفاعل «الأمنة» الباري تعالى، ومع اختلافِ الفاعل يمتنع النَّصْبُ على المفعولِ له على المشهُورِ، وفيه خلاف اللَّهُمَّ إلاَّ أن يتجوَّز فيجوز. وقد أوضح ذلك الزمخشريُّ فقال: و «أمَنَةً» مفعولٌ له. فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعلُ الفعل المُعَلَّلِ والعلَّة واحداً؟ قلتُ: بلى، ولكن لمَّا كان معنى: «يَغْشَاكُمُ النعاسُ» تنعسون، انتصب «أمَنَةً» على معنى أنَّ النُّعَاس والأمَنَةَ لهم، والمعنى: إذ تنعسون أمنة بمعنى أمناً. ثم قال: «فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب على أنَّ الأمنة للنُّعاسِ الذي هو فاعل» يَغْشَاكُم؟ أي: يغشاكم النُّعاسُ لأمنة على أنَّ إسنادَ الأمْن غلى النعاس إسنادٌ مجازي، وهو لأصحاب النُّعاس على الحقيقة، أو على أنه أنامكم في وقتٍ كان من حق النعاس في ذلك الوقتِ المخوف أن لا يقدم على غشيانكم، وإنَّما غشَّاكم أمنةً حاصلةً له من اللَّهِ لولاها لم يغشكم على طريقة التَّمثيل، والتخييل» . قال شهابُ الدين: لا تبعد فصاحة القرآن عن مثله، وله فيه نظائرُ، ولقد ألمَّ به بعضهم؛ فقال: [الوافر] 2676 - يَهَابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشَى عُيُوناً ... تَهَابُكَ فهو نفَّارٌ شَرُودُ قوله: «مِنْهُ» في محلِّ نصب ل» أمَنَةً «والضميرُ في:» منهُ «يجوز ان يعود على الباري تعالى، وأن يعود على» النُّعاسِ «بالمجازِ المذكور آنفاً، وقرأ ابنُ محيصن، والنَّخعي، ويحيى بنُ يعمُر:» أمْنَةً» بسكون الميم، ونظير: أمِنَ أمَنَةً بالتحريك: حَيِيَ حياة، ونظير: أمِنَ أمْنَة بالسُّكُون: رَحِمَ رَحْمَةً. فصل كلُّ نوم ونعاس فإنه لا يحصلُ إلاَّ من قبل الله تعالى فتخصيصُ هذا النعاس بأنَّهُ من الله تعالى لا بدَّ منه من فائدة جديدة، وذكرُوا فيه وجوهاً: أولها: أن الخائف من عدوه خوفاً شديداً لا يأخذه النَّومُ، فصار حصول النَّومِ في وقت الخوفِ الشديد دليلاً على زوال الخوف وحصول الأمنِ. وثانيها: أنَّهُم خافُوا من جهات كثيرة: قلة المسلمين، وكثرة الكُفَّارِ، وكثرة الأهبة، والآلة، والعدة للكافرين، والعطش الشديد، فلولا حصول النُّعاس، وحصول الاستراحة حتّضى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تمَّ الظفرُ. وثالثها: أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن العدو منهم، بل كان ذلك نعاساً يزيل الإعياء والكلالة بحيث لو قصدهم العدو لعرفوه، ولقدروا على دفعه. ورابعها: أنَّ النعاس غشيهم دفعةً واحدةً مع كثرتهم وحصول النُّعاس للجمع العظيم على الخوف الشَّديد أمرٌ خارق للعادة. فلهذا قيل: إنَّ ذلك النُّعاس في حكم المُعْجِز. فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك فلم خافوا بعد ذلك؟ فالجواب: لأنَّ المعلوم أنَّ الله تعالى يجعل جُنْدَ الإسلامِ مظفراً منصوراً، وذلك لا يمنع من ضرورة بعضهم مقتولين. قال ابنُ عباسٍ: «النُّعاس في القتال أمَنَة من اللَّهِ، وفي الصَّلاةِ وسوسة من الشَّيطانِ» . قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ العامَّةُ على «ماءً» ، و «ليطُهِّركُم» متعلقٌ ب: «يُنَزّل» . وقرأ الشعبيُّ: «مَا ليُطهركُم» بألفٍ مقصورة، وفيها تخريجان، أشهرهما وهو الذي ذكره ابن جني وغيره - «أنَّ» «مَا» بمعنى «الَّذي» و «لِيُطهِّركُم» صلتها. قال بعضهم: تقديره: الذي هو ليطهركم. فقدَّر الجار خبراً لمبتدأ محذوف، والجملة صلة ل «مَا» وقد ردَّ أبو حيانهذين التخريجين بأنَّ لامَ «كَيْ» لا تقعُ صلةً. والثاني: أن «ما» هو ماء بالمدّ، ولكن العرب قد حذفتْ همزته فقالوا: «شَرِبْتُ مًا» بميم منونة حكاه ابن مقسم. وهذا لا نظير له، إذ لا يجُوزُ أن يُنتهك اسمٌ معربٌ بالحذفِ حتَّى يبقى على حرفٍ واحدٍ، إذا عرف هذا؛ فيجُوزُ أن يكون قصر «ماء» ، وإنَّما لم يُنونهُ إجراء للوصل مجرى الوقف، ثم هذه الألفُ تحتملُ أن تكون عين الكلمة، وأنَّ الهمزة محذوفةٌ، وهذه األفُ بدلٌ من الواوِ التي في «مَوَهَ» في الأصل، ويجوزُ أن تكون المبدلة من التَّنوين، وأجرى الوصل مُجْرَى الوقف، والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّهم يُرَاعُونَ في الوقف ألاَّ يتركُوا الموقوف عليه على حرفٍ واحدٍ نحو: «مُرٍ» اسم فاعل من: أرَى يُري. فصل رُوي أنَّهم حَفَرُوا موضعاً في الرَّملِ، فصار كالحوض الكبير، واجتمع فيه الماء حتَّى شربُوا منه وتطهروا وتزودوا. وقيل: إنَّهم لمَّا عطشوا ولم يجدوا الماء ثمَّ نامُوا واحتلمُوا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إنَّ المطر نزل وزالت عنهم تلك البليّة والمِحْنَة. ومن المعلومِ بالعادة أنَّ المؤمن يستقذر نفسه إذا كان جُنُباً، ويغتم إذا لم يمكن من الاغتسال، وقد يستدل بهذا على حصول اليسر وزوال العسر. قوله: «ويُذْهِبُ عنكُمْ» نسق على «لِيُطَهِّركُم» وقرأ عيسى بنُ عُمَرَ: «ويذْهِبْ» بسكون الباء وهو تخفيف سمَّاهُ أبُو حيَّان: جَزْماً. والعامة على «رِجْزَ» بكسر الرَّاءِ وبالزاي. وقرأ ابنُ محيصن: بضمِّ الراءِ، وابنُ أبي عبلة بالسِّين، وقد تقدَّم الكلامُ على كلِّ واحد منهم. ومعنى: رجز الشيطانِ ههنا: ما ينشأ عن وسوسته، وقيل: الاحتلام، وقيل: إن الكفار لمَّا نزلوا على الماءِ وسوس الشَّيطانُ للمسلمينِ وخوَّفَهُم من الهلاكِ، فلمَّا نزل زالت تلك الوسوسة. فإن قيل: فأيُّ هذه الوجوه أوْلَى؟ . فالجوابُ: أنَّ قوله «لِيُطهِّركُم» معناه ليزيلَ الجنابة عنكم، فلوْ حملنا قوله ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان﴾ على الجنابةِ لزم التَّكرار، وهو خلافُ الأصل. ويمكن أنْ يُجابَ بأنَّ المُرادَ من قوله «لِيُطهِّركُم» حصولُ الطَّهارةِ الشَّرعيةِ، والمرادُ: ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان﴾ إزالة عين المَنِيّ عن أعضائهم فإنَّهُ شيء مُسْتَخْبَثٌ. ثم نقول حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة؛ لأن تأثير الماءِ في إزالة العينِ عن العضو تأثير حقيقيّ، وتأثيره في إزالة الوسوسةِ عن القلبِ تأثير مجازي، وحمل اللفظِ على الحقيقةِ أولى من حمله على المجازِ. قوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ﴾ أي بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوفُ عنهم، ومعنى الرَّبط في اللغة: الشَّد، وقد تقدَّم في قوله: ﴿وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: 20] . قال الواحديُّ: «ويشبه أن تكون» على «ههنا صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بالصَّبر وما أوقع فيها من اليقين» . وقال ابن الخطيب: ويشبه ألاَّ يكون صلة؛ لأنَّ كلمة «عَلَى» تفيد الاستعلاء، فالمعنى أنَّ القلوب امتلأتْ من ذلك الربط حتَّى كأنَّهُ عَلاَ عليها وارتفع فوقها. قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾ قيل: إنَّ ذلك المطرَ لبَّد ذلك الرَّمل، وصيَّرهُ بحيث لا تغوص أرجلهم فيه فقدروا على المشي عليه كيفما أرادوا، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه، وعلى هذا فالضَّمير في «بِهِ» عائدٌ على المطرِ. وقيل: إنَّ ربط قلوبهم أوجب ثبات الرَّبْطِ. وقيل: لمَّا نزل المطرُ حصل للكافرينَ ضدَّ ما حصل للمؤمنين؛ لأنَّ الموضع الذي نزل الكفارُ فيه كان موضع التُّرابِ والوحل، فلمَّا نزل المطرُ عظم الوحْلُ؛ فصار ذلك مانعاً لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾ يدلُّ دلالة المفهوم على أنَّ حال الأعداءِ كان بخلاف ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.