الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول﴾ الآية. روي: أن الزبير كان يسامر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوما إذ أقبل علي - رضي الله عنه - فضحك الزبير، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كيف حبك لعلي؟ فقال: يا رسول الله أحبه كحبي لولدي أو أشد. فقال: كيف أنت إذا سرت تقاتله؟ وقال ابن عباس: " أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم " وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب العامة والخاصة ". وقال ابن زيد: " أراد بالفتنة افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضا ". روي أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به ". ثم قال: " واعلموا أن الله شديد العقاب "، والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة. قوله تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ الآية. في " إذ " ثلاثة أوجه، أوضحها: أنه ظرف ناصبة محذوف، تقديره: واذكروا حالكم الثابتة في وقت قلتكم، قاله ابن عطية. والثاني: أنه مفعول به. قال الزمخشري: " نصب على أنه مفعول به مذكور لا ظرف، أي: اذكروا وقت كونكم أقلة أذلة " وفيه نظر؛ لأن " إذ " لا يتصرف فيها إلا بما تقدم ذكره، وليس هذا منه. الثالث: أن يكون ظرفا ل " اذكروا " قاله الحوفي، وهو فاسد؛ لأن العامل مستقبل، والظرف ماض فكيف يتلاقيان. قوله: " تخافون " فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه خبر ثالث. والثاني: أنه صفة ل " قليل " وقد بدئ بالوصف بالمفرد، ثم بالجملة. والثالث: أن يكون حالا من الضمير المستتر في " مستضعفون ". فصل المعنى: واذكروا يا معشر المهاجرين: " إذ أنتم قليل " في العدد: " مستضعفون في الأرض " أي: أرض مكة في ابتداء الإسلام: " تخافون أن يتخطفكم الناس " تذهب بكم الناس يعني كفار مكة. وقال عكرمة " كفار العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ". وقال وهب: " فارس والروم " " فآواكم " إلى المدينة " وأيدكم بنصره " أي: قواكم يوم بدر بالأنصار. وقال الكلبي: " قواك يوم بدر بالملائكة " " ورزقكم من الطيبات " يعني الغنائم أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم. ثم قال: " لعلكم تشكرون " أي: نقلناكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة، وتتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال. لمَّا ذكر أنَّه رزقهم من الطَّيبات، فههنا منعهم من الخيانةِ، واختلفوا في تلك الخيانةِ. فقال ابنُ عبَّاسٍ: نزلت في أبي لبابة حين بعثه رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى قريظة لمَّا حاصرهم وكان أهله وولده فيهم، فقالوا: ما ترى لنا، أننزل على حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، إنَّه الذبح فلا تفعلوا، فكان منه خيانة لله ورسوله. وقال السديُّ «كانُوا يسمعون الشيء من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيفشونه ويبلغونه إلى المشركين فنهاهم الله عَزَّ وَجَلَّ عن ذلك» . وقال ابن زيد: «نَهاهُم الله أن يخُونُوا كما صنع المنافقون يظهورن الإيمان، ويسرون الكُفْرَ» . وقال جابرُ بن عبد الله: «إنَّ أبا سفيان خرج من مكَّة فعلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خروجه، وعزم على الذهاب إليه، فكتب رجلٌ من المنافقين إليه أنَّ محمداً يريدكم، فخذوا حذركم فنزلت الآية» . وقال الكلبيُّ والأصمُ والزهريُّ «نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكَّة لمَّا همَّ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالخروج إليها» . فصل قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ «الخيانة» في القرآن بإزاء خمسة معانٍ: الأول: أنَّ المراد بالخيانة: الذَّنب في الإسلام، كهذه الآية، لمَّا نزلت في أبي لبابة. الثاني: الخيانة: السرقة، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: 105] نزلت في طعمة، لمَّا سرق الدرعين. الثالث: نقض العهد، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: 58] . الرابع: الخيانة: المخالفة، قال تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَآ﴾ أي: خالفتاهما في الدين؛ لأنه يروى أنه ما زنت امرأةٌ نبي قط. الخامس: الخيانة: الزِّنا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ [يوسف: 52] يعني: الزنا. فصل قال القاضي: «الأقربُ: أنَّ خيانة الله غير خيانة رسوله، وخيانة الرَّسُولِ غير خيانة الأمانة؛ لأنَّ العطف يقتضي المغايرة» . وإذا عرف ذلك فنقول: إنَّه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك خيانة للَّه؛ لأنَّهُ خيانة لعطيته وخيانة لرسوله؛ لأنه القيم بقسمها، فمن خانها فقد خان الرَّسُول، وهذه الغنيمة قد جعلها الله أمانة في أيدي الغانمين، وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئاً فصارت وديعة. والوديعة أمانةٌ في يد المودع، فمن خان منهم فيها قد خان أمانة النَّاس. إذ الخيانةُ ضد الأمانة. قال: ويحتمل أن يريد بالإمانة كل ما تعبد به، وعلى هذا التقدير: فيدخل فيه الغنيمة وغيرها، فكان معنى الآية: إيجاب أداء التكاليف تامة كاملة. قال ابن عباس: «لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته» «وتخُونُوا أماناتِكُم» . قال ابن عباس: «هي ما يخفى عن أعين النَّاس من فرائض الله تعالى» . والأعمال التي ائتمن الله عليها العباد المذكورة في سبب النُّزول داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها لأنَّ العبرةَ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّببِ. قال الزمخشريُّ «ومعنى الخون النقص، كما أن معنى الوفاء التَّمام، ومنه تخوَّنه إذا تنقصه ثم استعمل في ضد الأمانة؛ لأنك إذا خُنتَ الرَّجُلَ في شيءٍن فقد أدخلت النُّقصان فيه» . قوله: «وتَخُونُوا» يجوزُ فيه أن يكون منصوباً بإضمارِ «أنْ» على جواب النَّهي، أي: لا تجمعوا بين الخيانتين. كقوله: [الكامل] 2694 - لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتأتِيَ مِثلَهُ ... عَارٌ علَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ والثاني: أن يكون مجزوماً نسقاً على الأوَّل، وهذا الثاني أولى؛ لأن فيه النهي عن كلِّ واحدٍ على حدته بخلاف ما قبله فإنَّه نهيٌ عن الجمع بينهما، ولا يلزمُ من النهي عن الجمع بين الشيئين النهيُ عن كلٍّ واحدٍ على حدته، وقد تقدَّم تحريره في قوله: ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] أول البقرة. و «أماناتكم» على حذف مضاف، أي: أصحاب أماناتكم، ويجوزُ أن يكونوا نهوا عن خيانة الأماناتِ مبالغةً كأنَّها جعلت مخونةً. وقرأ مجاهدٌ ورويت عن أبي عمرو «أمَانتكُم» بالتَّوحيد، والمراد الجمع. وقوله: «وأنتُمْ تَعْلَمُونَ» جملة حالية، ومتلَّقُ العلم يجوزُ أن يكون مراداً أي: وأنتم تعلمون قُبْحَ ذلك أو أنكم مؤاخذون بها، ويجوزُ ألاَّ يُقَدَّر، أي: وأنتم من ذوي العلمِ. قوله: ﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ . لمَّا كان الدَّاعي إلى الإقدام على الخيانةِ هو حب الأموالِ، والأولاد، نبَّه تعالى على أنه يجبُ على العقال أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك. فقال: ﴿أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأنَّها تشغل القلب بالدُّنيا. ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: أنَّ سعادة الآخرة خيرٌ من سعاداتِ الدُّنيا، لأنَّ سعادات الآخرة لا نهاية لها، وسعادات الدنيا تفني وتنقضي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.