الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ . نزلت في المشركين حين أقْبَلُوا إلى بدر، ولهم بغي وفخرٌ. فقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللهم هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها، وفخرها تُجادل وتُكذِّب رسولك، اللَّهُمَّ فنصرك الذي وعدتني» . ولمَّا رأى أبُو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش إنكم إنَّما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجَّاها اللَّهُ، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتَّى نردَ بَدْراً - فننحر الجزور، ونطعم الطَّعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيانُ، وتسمع بنا العربُ، فلا يزالُونَ يهابوننا أبَداً. فوافوها فَسُقُوا كئوس المنايا مكان الخمر، وناحَتْ عليهم النَّوائحُ مكان القيان، فنهى اللَّهُ تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النِّية، والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه. واعلم أنَّه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء: أحدها: البطر. قال الزَّجَّاجُ: البَطَرُ: الطغيان في النعمة وترك شكرها. وثانيها: الرِّئاءُ، وهو أظهار الجميل ليرى، مع أنَّ باطنهُ يكون قبيحاً. والفرق بينه وبين النفاق: أنَّ النفاق: إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرئاء: إظهار الطَّاعة مع إبطان المعصية. وثالثها: صدهم عن سبيل اللَّهِ، وهو كونهم مانعين عن دين محمد - عليه الصلاَّة والسَّلام -. قوله: «بَطَراً ورِئاءَ» منصوبان على المفعول له، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع نصبٍ على الحال، من فاعل: «خَرَجُوا، أي: خَرُجوا بطرينَ ومُرائين، و» رئَاءَ» مصدرٌ مضاف لمفعوله. قوله «ويَصُدُّونَ» : يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وأن يكون عطفاً على: «بَطَراً ورِئَاءَ» وحفَ المفعولُ للدَّلالةِ عليه. فإن قيل: «يَصُدُّون» فعل مضارع، وعطف الفعل على الاسم غير حسن. فذكر الواحديُّ في الجواب ثلاثة أوجه: الأول: أن» يَصُدُّون «بمعنى: صادين، أي: بطرين ومرائين وصادين. والثاني: أن يكون قوله» بَطَراً ورِئَاءَ «حالان على تأويل: مبطرين ومرائين، ويكون قوله» ويصدون «أي: وصادين. الثالث: أن يكون قوله» بَطَراً ورِئَاءَ «بمنزلة: يبطرون ويراؤون. قال ابنُ الخطيبِ:» إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل؛ لأنَّهُ تارةً يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها. وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبَّر عن الأولين بالمصدر، وعن الثالث بالفعل. قال: إنَّ الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ذكر أنَّ الاسم يدلُّ على التَّمكين والاستمرار، والفعل على التجدد والحدوث، مثاله في الاسم قوله تعالى ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: 18] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة، ومثال الفعل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾ [يونس: 31] وذلك يُدلُّ على أنه تعالى يوصل الرِّزق إليهم ساعة فساعة. وإذا عرفت ذلك فنقول: إنَّ أبا جهلٍ ورهطهُ كاناو مجبولين على البطرِ، والمفاخرة والعجب وأما صدهم عن سبيل اللَّهِ فإنما حصل في الزَّمانِ الذي ادَّعى محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيه النبوة، فلهذا ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد بصيغة الفعل» . واعلم أنَّ الذي قاله ابن الخطيب لا يخدش فيما أجاب به الواحديُّ؛ لأنَّ الواحدي إنَّما أراد من حيث الصِّناعة، لا من حيث المعنى. ثم قال: ﴿والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: أنه عالم بما في دواخل القلوب، وذلك كالتَّهديدِ والزَّجر عن الرئاء. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية. وهذه من جملة النعم التي خصَّ اللَّهُ أهل بدر بها، وفي العامل في «إذْ» وجوه: قيل: تقديره اذكر إذْ زيَّن لهم، وقيل: عطف على ما تقدم من تذكير النعم، وتقديره: واذكروا إذ يريكموهم وإذْ زيَّن. وقيل: هو عطف على قوله: ﴿خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس﴾ تقديره: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس وإذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم؛ فتكون الواو للحال، و «قد» مضمرة بعد الواو، عند من يشترط ذلك والله أعلم فصل في هذا التَّزيين وجهان: الأول: أن الشيطان زيَّن بوسوسته من غير أن يتحوَّل في صورة إنسان، وهو قول الحسن والأصم. والثاني: أنَّه ظهر في سورة إنسان. قالوا: إن المشركين حين أرَادُوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة؛ لأنَّهُم كانوا قتلوا منهم واحداً، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليسُ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو في بني بكر بن كنانة من أشرافهم في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال لا غالِبَ لَكُمْ اليَوْمَ من النَّاسِ وإني جار لكم، مجيركم، من بني كنانة، ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أي: التقى الجمعان، رأى إبليسُ الملائكة نزلوا من السماء، فعلم أنْ لا طاقةَ لهم بهم ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ وكانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نَكَصَ، قال الحارثُ: أتَخْذلنا في هذه الحال؟ فقال: إني أرى ما لا ترون ودفع في صدر الحارث وانهزموا. قوله ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم﴾ لكم خبر» لا «فيتعلق بمحذوف، و» اليَوْمَ «منصوب بما تعلَّق به الخبر، ولا يجوزُ أن يكون» لكم «أو الظرف متعلقاً ب» غَالِبَ «؛ لأنه يكون مُطَوَّلأاً ومتى كان مُطَوَّلاً أعرب نَصْباً. قوله» مِنَ النَّاس «بيان لجنس الغالبِ. وقيل: هو حالٌ من الضَّميرِ في» لَكُمُ «لتضمُّنه معنى الاستقرار، ومنع أبو البقاءِ أن يكون» من النَّاس «حالاً من الضمير في» غَالِبَ» ، قال: «لأنَّ اسم» لا» إذا عمل فيما بعده أعرب «والأمر كذلك. قوله ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ يجوزُ في هذه الجملةِ أن تكُون معطوفةً على قوله {لاَ غَالِبَ لَكُمْ} فيكون قد عطف جملة مثبتة على أخرى منفيَّة، ويجوزُ أن تكون الواو للحال، وألف «جارٌ» من واو، لقولهم: «تَجاورُوا» وقد تقدَّم تحقيقه [النساء: 36] . و «لكم» متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ ل «جارٌ» ، ويجُوز أن يتعلَّق ب «جار» لما فيه من معنى الفعل، ومعنى «جار لكم» أي: مجير لكم من كنانة. قوله ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أي: التقى الجمعان؛ ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ «نَكَصَ» : جواب «لمَّا» والنُّكُوص: قال النضر بنُ شميلٍ: الرُّجوع قَهْقَرَى هارباً، قال بعضهم: هذا أصله، إلاَّ أنه قد اتُّسِع فيه، حتى استُعْمل في كلِّ رجوع، وإن لم يكن قَهْقَرَى؛ قال الشاعر: [البسيط] 2721 - هُمْ يَضْربُونَ حَبيكَ البَيْض إذْ لَحِقُوا ... لا يَنْكُصُونَ إذَا مَا استُلْحِمُوا وحَمُوا وقال مُؤرِّج: «النُّكُوصُ: الرجوعُ بلغة سُلَيْم» ؛ قال: [البسيط] 2722 - لَيْسَ النُّكُوصُ على الأعقابِ مَكْرُمَةً ... إنَّ المكارِمَ إقْدَامٌ على الأسَلِ فهذا إنَّما يريدُ به مُطْلَق ارُّجوع؛ لأنَّهُ كنايةٌ عن الفرارِ، وفيه نظر؛ لأنَّ غالب الفرار في القتال إنَّما هو كما ذُكِر، رجوعُ القَهْقَرَى، كخوف الفَار. و «عَلَى عَقبَيْهِ» حال، إمَّا مؤكدةٌ، عند من يَخُصُّه بالقهقرى، أو مُؤسِّسةٌ، عند من يستعمله في مطلق الرُّجُوعِ. ثم قال: ﴿إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ . قيل: رأى الملائكة فخافهم. وقيل: رأى أثر النُّصْرَة والظَّفر في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بليّة. وقيل: رأى جبريل فخافه. وقيل: لمَّا رأى الملائكة ينزلون من السماء ظنَّ أنَّ الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، وأشفق على نفسه، وقيل «أرَى مَا لاَ تَرَوْنَ» من الرأي. وقوله: ﴿إني أَخَافُ الله﴾ قال قتادة: «قال إبليس» إنِّي أرَى ما لا ترَوْنَ «وصدق، وقال ﴿إني أَخَافُ الله﴾ وكذب ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم» . وقال عطاءٌ: إنّي أخاف اللَّهَ أن يهلكني فيمن هلك. وقال الكلبيُّ: خاف أن يأخذه جبريل ويعرفهم حاله، فلا يطيعوه. وقيل: معناه إنِّي أخافُ الله، أي: أعلم صدق وعده لأوليائه؛ لأنه كان على ثقة من أمره، وقيل: معناه إنِّي أخاف الله عليكم. وقوله: ﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ . قيل: انقطع الكلام عند قوله «أخَافُ اللَّه» ثم قال ﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ ويجُوز أن يكون من بقيِّة كلام إبليس. روى طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَا رُئيِ الشيطانُ يوماً هُو فيه أصغرُ، ولا أدحرُ، ولا أحقَرُ، ولا أغْيَظُ مِنْهُ في يَوْمِ عرفةَ، وما ذاكَ إلاَّ لِمَا رَأى من تنزُّلِ الرَّحْمَة وتجاوزُ الله عن الذُّنُوبِ العظام، إلاَّ ما كان من يَوْمِ بدرٍ» فقيل: وَمَا رأى يَوْمَ بدرٍ؟ قال: «أما إنَّهُ رَأى جبريلَ وهُوَ يَنْزعُ المَلائِكَة» ، حديث مرسل. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ العامل في «إذْ» إمَّا «زيَّن» ، وإمَّا «نَكَصَ» وإما «شديدُ العقاب» وإما «اذكروا» . قال ابنُ الخطيب: «وإنما لم تدخل الواو في قوله» إذْ يقُولُ «ودخلت في قوله» وإذْ زَيَّن» ؛ لأنَّ قوله: «وإذْ زيَّن» عطف التزين على حالهم وخروجهم بطراً ورئاء النَّاس. وأما قوله ﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ فليس فيه عطف على ما قبله، بل هو ابتداء كلام منقطع عما قبله» . فصل المنافقون: قوم الأوس والخزرجِ، وأمَّا الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم، وكانوا بمكَّة مستضعفين، قد أسلموا وحبسهم أقرباؤهم عن الهجرة فلما خرجت قريش إلى بدرٍ أخرجوهم كُرْهاً، فلمَّا نظروا إلى قلّة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ . و ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ منصوب المحل بالقول. قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «معناه أنه خرج بثلاث مائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل» وقيل المرادُ: إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم، رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموتِ، ويثابون على هذا القَتْلِ. فقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم. فقتلوا جميعاً، منهم: قيسُ بنُ الوليد بن المغيرة، وأبُو قيس بنُ الفاكه بن المغيرة المخزميان، والحارثُ بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بنُ أميّة بن خلف الجمحيُّ، والعاصي بن منبه بن الحجَّاج. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي: يسلم أمره إلى اللَّه، ويثقُ به، فإنَّ اللَّهَ حافظه وناصره؛ لأنَّهُ عزي لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملاائكة﴾ الآية. لمَّا شرح أحوال الكُفَّار، شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم. قرأ ابن عامر والأعرج «تَتَوفَّى» بتاء التأنيث، لتأنيث الجماعة، والباقون بياء الغيبة وفيها تخريجان، أظهرهما - لموافقة قراءة من تقدَّم -: أنَّ الفاعل هم الملائكة، وإنما ذُكِّرَ للفصل؛ ولأنَّ التأنيث مجازي. والثاني: أنَّ الفاعل ضمير الله تعالى: لتقدم ذكره و «الملائكةُ» مبتدأ، و «يَضْرِبُونَ» خبره، وفي هذه الجملةِ حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنَّها حالٌ من المفعول. والثاني: أنَّها استئنافيةٌ، جواباً لسؤالٍ مقدر، وعلى هذا فيوقف على «الَّذين كَفَرُوا» بخلاف الوجهين قبله. وضعَّف ابنُ عطية وجه الحالِ بعدم الواو، وليس بضعيفٍ لكثرة مجيء الجملة الحالية مشتملة على ضمير ذي الحال خاليةً من «واو» نظماً ونثراً، وعلى كون «الملائكةُ» فاعلاً، يكون «يَضْربُونَ» جملةً حاليةً، سواءً قرىء بالتأنيث أم بالتذكير، وجوابُ «لَوْ» محذوفٌ للدلالة عليه، أي: رأيت أمراً عظيماً. فصل المعنى: ولو عاينت؛ لأنَّ «لو» ترد المضارع إلى الماضي، كما ترد «إن» الماضي إلى المضارع. قال الواحديُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «معنى يتوفى الذين كفروان يقبضون أرواحهم» قيل: عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم. وقيل: أراد المشركين الذين قتلوا ببدر، كانت الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. قال سعيدُ بن جبيرٍ، ومجاهد: يريدُ: أستاههم ولكن الله تعالى حَييٌّ يُكَنِّي. وقال ابن عباس «كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف وإذا ولَّوْا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم وقال ابن جريح «يريدُ ما أقبل منهم وما أدبر يضربون أجسادهم كلها» . والمراد بالتوفي: القتل. قوله ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ هذا منصوب بإضمار قول الملائكة، أي: يضربونهم ويقولون لهم: ذوقوا. وقيل: الواو في «يَضْربُونَ» للمؤمنين أي: يَضْربونهم حال القتال، وحال توفِّي أرواحهم الملائكة. قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد، يضربون بها الكُفَّار، فتلتهب النَّار في جراحاتهم؛ فذلك قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ ، وقال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «هذا يوم القيامة، تقولُ لهم خزنةُ جهنم: ذوقوا عذاب الحريقِ» وقال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: «يقولون لهم ذلك بعد الموت» . قوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ . أي: ذلك الضرب الذي وقع بكم، أو عذاب الحريق: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ بما كسبت أيديكم وهذا إخبار عن قول الملائكة - عليهم السلام -. قال الواحديُّ: «يجوز أن يقال» ذلك» مبتدأ، وخبره ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ويجوز أن يكون خبره محذوفاً، والتقدير: ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، ويجوزُ أن يكون محل «ذلك» نَصْباً والتقدير: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم» . فصل فإن قيل: قوله ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ يقتضي أنَّ فاعل هذا الفعل هو اليد، وذلك ممتنع لوجوه، أولها: أنَّ هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد وثانيها: أن اليد ليست محلاًّ للمعرفة والعلم، فلا يتوجَّه التكليف عليها، فلا يمكن إيصال العذاب إليها. فالجوابُ: أن اليد ههنا عبارة عن القدرة وحسن هذا المجاز كون اليد آلة العمل، والقدرة هي المؤثرة في العمل، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة. واعْلَمْ أن الإنسان جوهر واحد، وهو الفعال، وهو الدراك، وهو المؤمن، وهو الكافر وهو المطيعُ، وهو العاصي، وهذ الأعضاء آلات لهُ، وأدوات له في الفعل؛ فأضيف الفعل في الظَّاهر إلى الآله، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذاتِ الإنسان. فإن قيل: إنَّه جعل هذا العقاب، إنَّما تولَّد من الفعل الذي صدر عنه، والعقاب إنما يتولَّد من العقائد الباطلة. فالجوابُ: أنَّا بيَّنا أنَّ الفعل إنما ينشأ عن الاعتقاد، فأطلق على المسبب اسم السَّببِ وهذا من أشهر وجوه المجاز. قوله: ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ . في محل «أنَّ» وجهان: أحدهما: النصبُ بنزع الخافض يعني: بأنَّ اللَّهَ. والثاني: أنَّكَ إن جعلت قوله: «ذلك» في موضع رفع، جعلت «أنَّ» في موضع رفع أيضاً، أي: وذلك أنَّ الله. قال الكسائيُّ: «ولو كسرت ألف» أنَّ «على الابتداء كان صواباً، وعلى هذا التقدير يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عمَّ قبله» . فصل قالت المعتزلةُ: لو كان اللَّه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه لكان ظالماً، وأيضاً قوله تعالى: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ يدلُّ على أنه تعالى إنَّما لم يكن ظالماً بهذا العذاب؛ لأنَ العبد قدَّم ما استوجب عليه هذا العذاب، وذلك يدلُّ على أنَّهُ لو لم يصدر منه تعالى ذلك التقديم لكان ظالماً في هذا العذاب، وأيضاً: لو كان موجد الكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالماً، وهذه المسألة قد سبق ذكرها مُسْتَقْصَاةً في آل عمران. قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية. لمَّا بيَّن ما أنزله بأهل بدر من الكفَّار عاجلاً وآجلاً، أتبعه بأن بيَّن أنَّ هذه طريقته وسنته ودأبه في الكل فقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ . قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما «هو أن آل فرعون أيقنوا أنَّ موسى نبي الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد بالصِّدق فكذَّبوه، فأنزل الله عقوبته، كما أنزل بآل عمران» . ﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: كعادة الذين من قبلهم، وتقدَّم الكلامُ على «كَدَأبِ» في آل عمران. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب﴾ والغرضُ منه: التَّنبيه على أن لهم عذاباً مُدْخراً سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل، ثمَّ ذكر ما يجري مجرى العلَّة في العقاب الذي أنزله بهم، فقال: ﴿ذلك بِأَنَّ الله﴾ ، «ذلك» مبتدأ وخبر أيضاً، كنظيره أي: ذلك العذابُ أو الانتقامُ بسبب أنَّ اللَّه. قوله «لَمْ يَكُ» قال أكثرُ النحاةِ: إنَّما حذفت النون؛ لأنَّها لم تشبه الغُنَّة المحضة فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفاً، فحذفت تشبيهاً بها، كما تقولُ: لَمْ يَدْعُ، ولمْ يَرْمِ. قال الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «هذا ينتقض بقولهم: لَمْ يَزنْ، ولمْ يَخنْ، ولم يسمع حذف النون ههنا» . وأجاب علي بن عيسى فقال: إنَّ «كان» و «يكون» أم الأفعال، من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى «كان» ، فقولنا: ضرب، معناه: كان ضرب، ويضرب معناه يكون ضرب، وهكذا القول في الكُلِّ؛ فثبت أنَّ هذه الكلمة أم الأفعال، فاحتيج إلى الاستعمال في أكثر الأوقات، فاحتملت هذا الحذف، بخلاف قولنا: لم يخُنْ، ولم يزن، فإنَّه لا حاجة إلى ذكرها كثيراً، فظهر الفرق. فصل معنى الآية إنَّ الله لا يُغَيِّر ما أنعم على قوم، حتى يُغَيِّرُوا ما بهم بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غيَّر اللَّهُ ما بهم، فسلبهم النعمة فصل قال القاضي «معنى الآية: أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع، وتسهيل السبل، والمقصودُ: أن يشتغلوا بالعبادة والشَّكْرِ، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأمور إلى الكفر والفسق، فقد غيَّروا نعم اللَّهِ على أنفسهم فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن» . قال: «وهذا من أوكد ما يدلُّ على أنه تعالى لا يبتدأ أحداً بالعذاب والمضرة، وأنَّ الذي يفعله لا يكون إلاّ َجزاء على معاصٍ سلفت، لو كان تعالى خلقهم، وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنَّار كما يقوله القومُ لما صحَّ ذلك» . وأجيب: بأن ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي؛ إلاَّ أنَّا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفةُ اللَّهِ تعالى مُعَلَّلَةً بفعل الإنسان؛ لأنَّ حكمَ اللَّهِ بذلك التغيير وإرادته، لمَّا كان لا يحصل إلاَّ عند إتيان الإنسان بذلك الفعل، فلو لم يصدر عنه ذلك الفعل لم يحصل للَّه تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة، فحينئذٍ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات اللَّهِ تعالى، ويكون الإنسان مغيراً صفة اللَّهِ ومؤثراً فيها، وذلك محال في بديهة العقل؛ فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، بل الحقُ أنَّ صفة الله غالبة على صفات المحدثات، فلولا حكمه وقضاؤه أولاً لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال. ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لأقوالهم، عليم بأفعالهم. قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ . فإن قيل: إنه تعالى ذكر: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مرتين، فما فائدة؟ فالجوابُ من وجوه، منها: أنَّ الكلام الثَّاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول؛ لأنَّ الأول فيه ذكرُ أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم، وذلك تفصيل، ومنها: أنَّهُ أريد بالأوَّلِ ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت، وبالثاني ما ينزلُ بهم في القبر وفي الآخرة، ومنها: أنَّ الكلام الأول هو قوله: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ والكلام الثاني هو قوله: ﴿كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ فالأوَّلُ إشارة إلى أنَّهم أنكروا دلائل الإلهية، والثاني إشارة إلى أنَّهُ سبحانه ربَّاهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها، وتواليها عليهم فكان الأثر اللازم من الأول الأخذ، والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق وذلك يدلُّ على أنَّ للكفر أثراً عظيماً في حصول الإهلاك، ومنها: أنَّ الأول دَأبٌ في أن هلكوا لمَّا كفروا، وهذا دأبٌ في أن لم يُغيِّر اللَّهُ نعمتهم حتَّى يُغيروها هم. ومنها: قال الكرمانيُّ: «يحتملُ أن يكون الضميرُ في:» كفرُوا» في الآية الأولى عائداً على قريش، والضمير في: «كذَّبُوا» في الثانية عائداً على آل فرعون والذين من قبلهم، كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم، أهلكنا بعضهم بالرجفةِ، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالريحِ، وبعضهم بالغرق، وكذلك أهلكنا كفار بدر بالسيفِ لما كذبوا، وأغرقنا آل فرعون» . ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ جمع الضمير في: «كانوا» ، وجمع: «ظالمين» مراعاةً لمعنى «كُل» لأنَّ «كُلاًّ» متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاةُ لظفها تارةٌ، ومعناها أخرى. وإنَّما اختير هنا مراعاةُ المعنى؛ لأجل الفواصل، ولو رُوعي اللَّفظُ فقيل مثلاً وكلٌّ كان ظالماً، لَمْ تتَّفِق الفواصل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.