الباحث القرآني

مكية، وهي تسع وعشرون آية، ومائة وأربع كلمات، وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ : في ارتفاع الشمس وجهان: أصحهما: أنها مرفوعة بفعل مقدر مبني للمفعول، حذف وفسَّره ما بعده على الاشتغال، والرفع على هذا الوجه، أعني: إضمار الفعل واجبٌ عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون أن يليها غيره، ويتَأوَّلُون ما أوهمَ خلافَ ذلكَ. والثاني: أنَّها مرفوعة بالابتداء، وهو قول الكوفيين، والأخفش، لظواهر جاءت في الشعر، وانتصر له ابن مالك. قال الزمخشري: ارتفاع «الشمس» على الابتداء، أو الفاعليَّة؟ . قلت: بل على الفاعلية ثم ذكر نحو ما تقدم، ويعني بالفاعلية: ارتفاعها بفعل الجملة، وقد مرَّ أنَّهُ يسمي مفعول ما لم يسم فاعله فاعلاً، وارتفاع «النجوم» وما بعدها، كما تقدَّم في «الشمس» . * فصل في تفسير معنى التكوير قد تقدَّم تفسير التَّكوير في أول «تنزيل» . قيل: التَّلفيف على جهةِ الاستدارة، كتكوير العمامة. وفي الحديث: «نعُوذُ باللهِ مِنَ الحَوْرِ بَعدَ الكَوْرِ» ، أي: من التشتت بعد الألفة. وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها. والحَوْرُ: بالحاء المهملة والراء؛ الطيُّ واللَّف، والكورُ والتَّكويرُ واحدٌ. وسميت كارَّة القصار: كارة؛ لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحد. ثم إن الشيء الذي يلفّ يصير مختفياً عن الأعين، فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس، وغيبوبتها عن الأعين ب «التكوير» . فلهذا قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: تكويرها: إدخالها في العرش. وقال الحسنُ: ذهاب ضوئها، وهو قول مجاهدٍ وقتادة. وروي عن ابن عباس أيضاً وسعيد بن جبير: غورت. وقال الرًّبيعُ بنُ خيثمٍ: «كُوِّرتْ» : رمي بها. ومنه كورته فتكور: أي: سقط. قال الأصمعي: يقال: طعنه فكوَّره وحوره أي: صرعه. فمعنى «كورت» : أي: ألقيت ورميت عن الفلك. وعن أبي صالح: «كورت» نكست. وقال ابن الخطيب: وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن لفظة «كُوِّرتْ» مأخوذةٌ من الفارسية، فإنه يقال للأعمى: كور. قوله: ﴿وَإِذَا النجوم انكدرت﴾ أي: تناثرت وتساقطت. قال تعالى: ﴿وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾ [الانفطار: 2] والأصل في الانكدار: الانصباب. قال الخليل: انكدر عليهم القول إذا جاءوا أرسالاً، وانصبوا عليهم. وقال أبو عبيدة: انصبّ كما ينصب العقاب إذا كسرت؛ قال العجاجُ يصفُ صقراً: [الرجز] 5119 - أبْصَرَ خِرْبَانَ فضَاءٍ فانْكَدرْ ... تَقضِّيَ البَازِيَ إذَا البَازِي كَسَرْ روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا يَبْقَى في السَّمَاءِ يَوْمَئذٍ نَجمٌ إلاَّ سَقطَ في الأرْضِ» . وروي ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: أن النجوم قناديلُ معلقةٌ بين السماء والأرض بسلاسلَ من نور بأيدي الملائكة، فإذا مات من في السموات، ومن في الأرض تساقطت تلك الكواكب من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها. قال القرطبي: «ويحتمل أن يكون» انكدارها» : طمسَ آثارها، وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها. وعن ابن عباس - أيضاً -: «انْكَدرَتْ» : تغيَّرت، فلم يبق لها ضوءٌ لزوالها عن أماكنها، والمعنى متقارب. قوله: ﴿وَإِذَا الجبال سُيِّرَتْ﴾ ، يعني: قطعت عن وجه الأرض وسيرت في الهواء، لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] ، وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ: 20] في الهواء، لقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب﴾ [النمل: 88] . وقيل: سيرها أن تحوَّل عن صفة الجبال للحجارة، فتكون كثيباً مهيلاً، أي: رملاً سائلاً، وتكون كالعِهْن، وتكون هباءً منبثاً، وتكون مثل السَّراب الذي ليس بشيءٍ، وعادت الأرض قاعاً صفصفاً، ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾ [طه: 107] . قوله تعالى: ﴿وَإِذَا العشار عُطِّلَتْ﴾ . العشار: جمع عشراء، وهي: الناقة التي مر لحملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع في تمام السَّنة وكذلك يقال في جمع نفساء. قال القرطبي: وهو اسمها بعد ما تضع أيضاً، ومن عادة العرب أن يسمُّوا الشيء باسمه المتقدم، وإن كان قد جاوز ذلك، يقول الرجل لفرسه وقد قرح: قربوا مهري يسميه بمتقدم اسمه، وإنَّما خصَّ العشار بالذكر؛ لأنَّها أعزُّ ما يكون عند العرب، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، أو المعنى: أنَّ يوم القيامة بحالٍ لو كان للرجل ناقة عشراء لعطَّلها، واشتغل بنفسه، يقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوتانِ، ونوقٌ عشارٌ وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واواً. وقد عشرت الناقة تعشيراً: أي: صارت عشراء. وقيل: «العِشَارُ» : السَّحاب، و «عطلت» : أي: لا تمطر. والعرب تشبه السحاب بالحامل، قال تعالى: ﴿فالحاملات وِقْراً﴾ [الذاريات: 2] . وقيل: الأرض تعطل زرعها. والتعطيل: الإهمال، ومنه قيل للمرأة: عاطل إذا لم يكن عليها حُليّ. وتقدم في «بئر معطلة» . قال امرؤ القيس: [الطويل] 5120 - وجيدِ كَجيدِ الرِّئمِ لَيْسَ بفَاحِشٍ ... إذَا هِيَ نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطِّلِ وقرأ ابنُ كثير في رواية: «عُطِلت» بتخفيف الطاء. قال الرازي: هو غلطٌ، إنما هو بفتحتين، بمعنى: «تعطَّلتْ» ؛ لأن التشديد فيه للتعدي، يقال: عطلت الشيء، وأعطله فعطل. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ﴾ ، الوحوش: ما لم يتأنس به من حيوان البرّ، والوحشُ أيضاً: المكان الذي لا أنس فيه، ومنه: لقيته بوحش أي: ببلد قفر، والوحشُ: الذي يبيت وجوفه خالياً من طعامٍ، وجمعه: أوحاشٌ، وسمِّي به المنسوب إلى المكان الوحشيّ: وحشي، وعبر بالوحشيّ عن الجانب الذي يضاد الإنسي، والإنسي: ما يقبل من الإنسان وعلى هذا وحشي الفرس وإنسيه. وقوله تعالى: ﴿حُشِرَتْ﴾ . أي: جمعت، والحشرُ: الجمع قاله الحسنُ وقتادةُ وغيرهما. وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: حشرها موتها، رواه عكرمة، وحشر كلِّ شيءٍ: الموت لغير الجن والإنس، فإنهما يوافيان يوم القيامة. وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: يحشَرُ كلُّ شيءٍ حتى الذباب. وعن ابن عباس - أيضاً -: يحشر الوحوش غداً، أي: تُجمع، حتى يقتصّ لبعضها من بعض، فيقتص للجمَّاء من القرناء ثم يقال لها: كوني تراباً فتموت. وقرأ الحسن وابن ميمون: «حُشِّرت» بتشديد الشين. ومعنى الآية: أي: أنَّ الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم؟ . وقيل: أي: أنَّها مع نفرتها اليوم من النَّاس، وتبددها في الصحاري، تنضمّ غداً إلى الناس من أهوال ذلك اليوم؛ قاله أبي بن كعب. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾ . قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمروٍ: «سُجِرتْ» بتخفيف الجيم. والباقون: بتثقيلها على المبالغة والتنكير. والمعنى: مُلئتْ من الماء، والعرب تقول: سجرتُ الحوضَ أسجره سجراً إذا ملأتهُ، وهو مسجورٌ، والمسجورُ والسَّاجرُ في اللغة: المَلآن. وروى الربيع بن خيثمٍ: «سُجِّرَت» : فاضت وملئت، قال تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3] . وقال الحسن: اختلطت وصارت شيئاً واحداً. وقيل: أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت. وقال القشيريُّ: يرفع الله الحاجز الذي ذكره - تعالى - في قوله: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: 20] ، فإذا رفع ذلك البرزج تفجَّرت مياه البحار، فعمَّت الأرض كلَّها، وصارت بحراً واحداً. وعن الحسن وقتادة وابن حيان: تيبس، فلا يبقى من مائها قطرةٌ. قال القشيريُّ: وهو من سجرتُ التنور أسجره سجراً: إذا أحميته، وإذا سلط عليه الإيقاد نشف ما فيه من الرُّطوبة، وتقدم اشتقاق هذه المادة. قال القفالُ: وهذا التأويل يحتمل وجوهاً: الأول: أن تكون جهنم في قعر البحار، فهي الآن غير مسجرة بقوام الدنيا، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل الله تعالى تأثير ذلك النِّيران إلى البِحَار، فصارت مسجورة بالكلية، وهذا قولُ ابن زيد، وعطية، وسفيان، ووهب، وأبيّ، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس في رواية، والضحاك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أوقدت فصارت ناراً. الثاني: قال ابن عباس: يُكوِّر الله تعالى الشمس، والقمر، والنجوم في البحار، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك يبعث الله - تعالى -[لها] ريحاً دبوراً، فتنفخه حتى تصير ناراً، كذا جاء في الحديث. الثالث: أن يخلق الله - تعالى - تحت البحار نيراناً عظيمة حتى تسجر تلك المياه. قال ابن الخطيب: وهذه وجوه متكلِّفة، ولا حاجة إلى شيء منها؛ لأن القادر على تخريب الدنيا يقدر على أن يفعل في البحار ما شاء من تسجير مياهها، ومن قلب مياهها ناراً من غير حاجةٍ إلى أن يلقي فيها الشمس والقمر، أو يكون تحتها نار جهنم. قال القرطبيُّ: وروي عن ابنِ عمرو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ستّ آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذا ذهب ضوءُ الشمس، فتحيَّروا ودهشُوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذا تناثرت النجوم، وتساقطت، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت، واحترقت فصارت هباءً منبثاً، ففزعتِ الجنُّ إلى الإنسِ، وفزعتِ الإنسُ إلى الجنِّ، واختلط الدواب، والوحش، والهوام والطير، وماج بعضها في بعض، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ﴾ ، ثم قالت الجنُّ للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجَّجُ، فبينما هم كذلك إذا تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذا جاءتهم ريح، فأماتتهم. وقال ابن الخطيب: وهذه العلامات يمكن أن تكون عند خراب الدنيا، وأن تكون بعد القيامة. وقيل: معنى «سُجِّرتْ» يحمر ماؤها حتى يصير كالدَّم، من قولهم: «عَيْنٌ سَجراءُ» . أي: حمراء. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ . العامة: على تشديد «الواو» من «زوَّجت» من التزويج. وروي عن عاصم: «زُوْوجَتْ» على وزن «فُوعِلتْ» . قال أبو حيان: «والمُفاعَلةُ» تكون من اثنين. قال شهابُ الدِّين: وهي قراءةٌ مشكلةٌ؛ لأنَّه لا ينبغي أن يلفظ بواو ساكنة، ثم أخرى مكسورة، وقد تقدم أنه متى اجتمع مثلان، وسكن أولهما وجب الإدغام حتى في كلمتين، ففي كلمة واحدة أولى. * فصل في المراد بالآية قال النُّعمانُ بنُ بشيرٍ: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ﴿وإذَا النُّفوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: «يُقْرَنُ كُل رجُلٍ مَعَ كُلِّ قومٍ كَانُوا يَعْملُونَ كعَملهِ» » . قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يقرن الفاجرُ مع الفاجر، ويقرن الصالحُ مع الصالحِ. وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة: السَّابقون زوج صِنْفاُ، وأصحاب اليمين زوجٌ، وأصحاب الشِّمال زوجٌ. وعنه أيضاً قال: زوجت نفوس المؤمنين بالحُورِ العينِ، وقُرِنَ الكفَّار والمنافقون بالشَّياطينِ. وقال الزجاجُ: قُرنَت النفوسُ بأعمالها. وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد أي: وقت ردت إليها قاله عكرمة. وقيل غير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ . الموءودة: هي البِنْتُ تدفنُ حيَّة من الوأد، وهو الثقل لأنها تثقل بالتراب والجندل. يقال: وأد يَئِدُ، ك «وعد» «يعِد» . وقال الزمخشري: «وأدَ يئد» ، مقلوب من «آد يئود» إذا أثقل، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255] ؛ لأنه إثقال بالتراب. قال أبو حيان: ولا يدعى ذلك؛ لأن كلاًّ منهما كامل التصرف في الماضي، والأمر، والمضارع والمصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، وليس فيه شيء من مسوغات إدغام القلب، والذي يعلم به الأصالة من القلب أن يكون أحد النظمين فيه حكم يشهدُ له بالأصالةِ، والآخر ليس كذلك، أو أكثر استعمالاً من الآخر، وهذا على ما قرروهُ في أحكام علم التصريف. فالأول: ك «يَئِسَ وأيِسَ» . والثاني: ك «طَأمَن واطمَأنَّ» . والثالث: ك «شوائع وشواعي» . والرابع: ك «لعمري، ورعملي» . قرأ العامة: «الموءودة» بهمزة بين واوين ساكنتين كالموعودة. وقرأ البزي في رواية بهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة. وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون كقراءة الجماعة، ثم نقل حركة الهمزة إلى «الواو» قبلها، وحذفت الهمزة فصار اللفظ: «الموودة» بواو مضمومة، ثم أخرى ساكنة، فقلبت «الواو» المضمومة همزة، نحو «أجُوهٍ» في «وُجُوه» فصار اللفظ كما ترى، ووزنها الآن «مَفْعُولة» ؛ لأن المحذوف «عين» . والثاني: أن تكون الجملة اسم مفعول من «آدَهُ يئوده» مثل «قَادَه يَقُودُه» ، والأصل: «مأوودة» ، مثل: «مقوودة» ، ثم حذف إحدى الواوين على الخلاف المشهور في الحذف من نحو: «مَقُول، ومَصُون» ، فوزنها الآن إما «مَفعلة» ، إن قلنا: إنَّ المحذوف الواو الزائدة، وإمَّا «مَفولة» إن قلنا: إن المحذوف عين الكلمة، وهذا يظهرُ فضل علم التصريف. وقرأ الموودة - بضم الواو الأولى - على أنه نقل حركة الهمزة بعد حذفها، ولم يقلب الواو همزة. وقرأ الأعمش: «المودة» ، [بسكون الواو] ، وتوجيهه: أنه حذف الهمزة اعتباطاً، فالتقى ساكنان، فحذف ثانيهما، ووزنها «المُفْلَة» : لأن الهمزة عين الكلمة، وقد حذفت. وقال مكي: بل هو تخفيف قياسي، وذلك أنه نقل حركة «الهمزة» إلى «الواو» لم يهمزها، فاستثقل الضمة عليها فسكَّنها، فالتقى ساكنان، فحذف الثاني. وهذا كله خروج عن الظاهر. وإنما يظهر في ذلك ما نقله الفراء من أن حمزة وقف عليها كالموزة. قالوا: لأجل الخط لأنها رسمت كذلك، والرسم سُنة متبعة. والعامة على: «سُئِلَت» مبنياً للمفعول، مضموم السين. والحسن: يكسرها من سال يسال. وقرأ أبو جعفر: «قُتِّلتْ» - بتشديد التاء - على التكثير؛ لأن المراد اسم الجنس، فناسبه التكثير. وقرأ عليٌّ وابن مسعودٍ وابنُ عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - «سألَت» مبنياً للفاعل، «قُتِلتُ» بضم التاء الأخيرة والتي للمتكلم، حكاية لكلامها. وعن أبيّ وابن مسعودٍ - أيضاً - وابن يعمر: «سألتْ» مبنياً للفاعل، «قُتِلتْ» بتاء التأنيث الساكنة، كقراءة العامة. * فصل في وأد أهل الجاهلية لبناتهم كانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين: إحداهما: كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فألحقٌوا البنات به؛ تبارك وتعالى عن ذلك. والثانية: مخافة الحاجة والإملاق، وإمَّا خوفاً من السَّبْي والاسْترقَاقِ. قال ابن عبَّاسٍ: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخّضت على رأسها فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردَّت التراب عليها، وإن ولدتْ غلاماً حبسته، ومنه قول الراجز: [الرجز] 5121 - سَمَّيْتُهَا إذْ وُلِدَتْ تَمُوتُ ... والقَبْرُ صِهْرٌ ضَامِنٌ زِمِّيتُ وقيل: كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد إبقاء حياتها ألبسها جُبَّة من صوفٍ، أو شعرٍ، ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد قتلها تركها حتى إذا بلغت قامتُها ستة أشبار فيقول لأمّها: طيِّبيها، وزيَّنيها حتى أذهب بها إلى أقاربها [وقد حفر لها بئراً الصحراء] ، فيذهب بها إلى البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض. وكان صعصعة بن ناجية ممن يمنع الوأد؛ فافتخر الفرزدق به في قوله: [المتقارب] 5122 - ومِنَّا الذي مَنَعَ الوَائِدَاتِ ... وأحْيَا الوَئِيدَ فَلمْ يُوأدِ فصل رُوَيَ «أنَّ قيس بن عاصم جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: يا رسول الله: إنِّي وأدتُ ثماني بنات كُنَّ لي في الجاهليَّة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» فأعْتِقْ عن كُلِّ واحدةٍ منهُنَّ رقبةٌ» ، قال: يا رسول الله إنِّي صاحبُ إبل، قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «فأهْدِ عَن كُلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ بدنَةً إنْ شِئْتَ» » . واعلم أنَّ سؤال الموءودة سؤالُ توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضرب: لِمَ ضُربتَ، وما ذنْبُكَ؟ . قال الحسنُ: أراد الله توبيخ قاتلها؛ لأنها قتلت بغير ذنبٍ. وقال أبنُ أسلمُ: بأي ذنب ضربتْ، وكانوا يضربونها. وقيل في قوله تعالى: ﴿سُئِلَتْ﴾ معناه: طُلبتْ، كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل، وهو كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ [الأحزاب: 15] أي: مطلوباً، فكأنها طلبت منهم، فقيل: أين أولادكم؟ . وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ المَرْأةَ الَّتي تَقْتلُ ولدهَا تَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مُتعلِّقٌ ولدُهَا بِثَدْيَيِْهَا، مُلطَّخاً بدمَائِهِ، فيقُولُ: يا ربِّ، هذهِ أمِّي، [وهذه] قَتلتْنِي» . والأول قول الجمهور، كقوله تعالى لعيسى ابن مريم: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين﴾ [المائدة: 116] ، على جهة التوبيخ، والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموءودة: توبيخ لوائدها وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها؛ لأن هذا مما لا يصحّ إلا بذنب، أي: فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها كان أعظم في البيّنة وظهور الحجة على قاتلها، وفي الآية دليل على أن الأطفال المشركين لا يعذَّبُون، وعلى أن التعذيب لا يستحقُّ إلاَّ بذنبٍ. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ﴾ . قرأ الأخوان وابن كثير وأبو عمرو: بالتثقيل، على تكرار النشر للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشير المطيع. وقيل: لتكرير ذلك من الإنسان. والباقون: بالتخفيف. ونافع وحفص وابن ذكوان «سُعِّرت» بالتثقيل، والباقون بالتخفيف. قوله: ﴿نُشِرَتْ﴾ ، أي: فتحت بعد أن كانت مطويَّة، والمراد: صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير أو شر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] . قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ﴾ ، أي قُشرت، من قولهم: كشط جلد الشَّاة، أي: سلخها. وقرأ الله «قشطت» - بالقاف - وقد تقدم أنهما متعاقبان كثيراً، وأنه قرئ: وقافوراً [وكافوراً] في ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . [يقال: لبكت الثريد ولبقته] . قال القرطبي: «يقال: كشَطْتُ البعير كشْطاً، نزعت جلده، ولا يقال: سلخته، لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته» ، والمعنى: أزيلت عما فوقها. قال الفراء: طويت. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الجحيم سُعِّرَتْ﴾ ، أي: أوقدت، فأضرمت للكفَّار، وزيد في إحمائها يقال: سعرتُ النَّار وأسْعرتُهَا. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أوقِدَ على النَّارِ ألْفَ سنةٍ حَتَّى اسْودَّتْ فهيَ مُظْلمةٌ» . احتج بهذه الآية من قال: إن النار مخلوقة الآن؛ لأنه يدل على أنَّ سعيرها معلَّق بيوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ﴾ ، أي: أدنيت وقرِّبتْ من المتَّقِينَ. قال الحسنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -[إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها. وقال عبد الله بن زيد] : زُيِّنت، والزُّلْفَى في كلام العرب: القُربَة. قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ ، هذا جواب «إذا» أوَّل السُّورة وما عطف عليها، والمعنى: ما عملتْ من خيرٍ وشرٍّ. وروي عن ابن عباس وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنهما قرآها، فلما بلغا «علمت نفس ما أحضرت» قالا: لهذا أجريتِ القصَّةُ. قال ابن الخطيب: ومعلوم أنَّ العمل لا يمكن إحضاره، فالمراد: إذا ما أحضرته في صحائفها، أو ما أحضرته عند المحاسبة، وعند الميزان من آثار تلك الأعمال، أو المراد: ما أحضرت من استحقاق الجنَّة والنَّار، فإنَّ كلَّ نفس تعلم ما أحضرت، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: 30] . والتنكير في قوله: «نَفْسٌ» من عكس كلامهم الذي يقصدون به المبالغة، وإن كان اللفظ موضوعاً للتقليل، لقوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: 2] ، أو يكون المراد: أنَّ الكفار كانوا يتعبُون أنفسهم بما يظنونه طاعة، ثم يظهر لهم في القيامة خلاف ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.