الباحث القرآني

مكية، وهي سبع عشرة آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومائتان وإحدى وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿والسمآء والطارق﴾ ، «السَّماءِ» : قسم، و «الطَّارقِ» : قسم، والطَّارقُ: هو النَّجم الثاقب، كما بينهُ الله تعالى بقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق النجم الثاقب﴾ . والطارق في الأصل: اسم فاعل من: طرق يطرق طروقاً: أي: جاء ليلاً؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 5160 - فَمِثْلكِ حُبْلَى قَدْ طَرقتُ ومُرضعٍ ... فألْهَيْتُهَا عَنِ ذِي تَمائِمَ مُحْولِ وأصله من الضرب، والطَّارقُ بالحصى: الضارب به؛ قال: [الطويل] 5161 - لعَمْرُكَ، ما تَدْرِي الطَّوارِقُ بالحَصَى ... ولا زَاجِراتُ الطَّيْرِ ما اللهُ صَانِعُ ثم اتُّسعَ فقيل لكل من أتى ليلاً: طارق، سواء كان كوكباً، أو غيره، ولا يكون الطارقُ نهاراً. وروي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «نهى أن يأتي الرجل أهله طروقاً» . وقوله: ﴿النجم الثاقب﴾ ، قال محمد بن الحسين: هو زُحَل. وقال ابن زيد: هو الثُّريَّا - أيضاً -: أنه زُحَل. وعن ابن عباس: هو الجديُ، وعن عليٍّ بن أبي طالب والفرَّاء، «النَّجْمُ الثَّاقبُ» : نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط، فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل، فهو طارق حين ينزل، وحين يهبط. وفي «الصحاح» : «الطَّارقُ: النجم الذي يقال له: كوكب الصبح» . ومنه قول هند: [الرجز] 5162 - نَحْنُ بَناتُ طَارق ... نَمْشِي عَلى النَمارِق وقيل: هو اسم جنس، فيدخل فيه سائر الكواكب، وسمي ثاقباً؛ لأنه يثقب الظَّلام بضوئه، أي: ينفذ فيه. أي يرمي الشيطان فيحرقه. قال الماورديُّ: وأصل الطرقِ، الدَّق، ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد الليل: طارقاً، لاحتياجه في الوصول إلى الدق. ورُوِيَ «أنَّ أبا طالبٍ أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذ انحطَّ نجم فامتلأت الأرض نوراً، ففزع أبو طالب، وقال: أيُّ شيءٍ هذا؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هَذَا نجمٌ رُمِي بِهِ، وإنَّهُ مِنْ آياتِ اللهِ «فعجب أبو طالب، ونزلت السورة» . وقال مجاهد: «الثاقب» : المتوهِّج. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ﴾ تفخيم لشأن هذا المقسم به. قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ . قد تقدم في سورة «هود» : التخفيف والتشديد في «لما» ، فمن خففها - هنا - كانت «إنْ» : مخففة من الثقيلة، و «كل» : مبتدأ، و «عليها» : خبر مقدم، و «حافظ» : مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «كل» ، و «ما» : مزيدة بعد اللام الفارقة، ويجوز أن يكون «عليها» : هو الخبر وحده، و «حافظ» : فاعل به، وهو أحسن، ويجوز أن يكون «كل» : مبتدأ، و «حافظ» : خبره، و «عليها» متعلق به، و «ما» : مزيدة أيضاً، هذا كله تفريع على قول البصريين. وقال الكوفيون: «إنْ» هنا: نافية، واللام بمعنى «إلاّ» إيجاباً بعد النفي، و «ما» : مزيدة وتقدم الكلام في هذا مستوفى. قال الفارسي: ويستعمل «لما» بمعنى: «إلاَّ» في موضعين: أحدهما: هذا، والآخر: في باب القسم، تقول: سألتك لما فعلت. ورُوِيَ عن الكسائيِّ والخفش وأبو عبيدة أنهم قالوا: لم نجد «لما» بمعنى: «إلا» في كلام العرب. وأما قراءة التشديد: ف «إن» نافية، و «لمَّا» بمعنى: «إلا» وتقدمت شواهد ذلك في سورة «هود» . وحكى هارون: أنه قرئ «إنَّ» بالتشديد، «كُلَّ» بالنصب على أنه اسمها، واللام: هي الدالخة في الخبر، و «ما» : مزيدة، و «حافظ» : خبرها. وعلى كل تقدير ف «إن» وما في خبرها: جواب القسم سواء جعلها مخففة أو نافية. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ﴾ [الطارق: 8] وما بينهما اعتراض؛ وفيه بعد. * فصل في المراد بالحافظ قال قتادةُ: «حافظ» أي: حفظة يحفظون عليك رزقك وعملك وأجلك، قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: 61] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 10، 11] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: 11] . وقيل: الحافظ: هو الله تعالى. وقيل: الحافظ: هو العقل يرشد الإنسان إلى مصالحه، ويكفّه عن مضارِّه. قال القرطبي: العقل وغيره وسائط، والحافظ في الحقيقة هو الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿فالله خَيْرٌ حَافِظاً﴾ [يوسف: 64] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار مِنَ الرحمن﴾ [الأنبياء: 42] وما كان مثله. قال ابن الخطيب: المعنى: لما كانت كل نفس عليها حافظ، وجب أن يجتهد كل واحد، ويشتغل بالمهم، وأهم الأشياء معرفة المبدأ والمعاد والمبدأ يقدم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.