الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار﴾ الآية. نقل عن الحسن أنَّه قال هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة. وأنكر المحقِّقُون هذا النسخ وقالوا: إنَّهُ تعالى لمَّا أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم إلى الطَّريق الأصلح وهو أن يَبْتَدِئوا من الأقرب، فالأقرب، منتقلاً إلى الأبعدِ. ألا ترى أنَّ أمر الدعوةِ وقع على هذا الترتيب قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: 214] وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب؛ لأنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حارب قومه أولاً، ثم انتقل إلى غزو سائر العربِ، ثم انتقل إلى غزو الشَّام، والصَّحابة لمَّا فرغوا من أمر الشَّام دخلوا العراق. والعلَّة في الابتداء بالأقرب وجوه: أحدها: أنَّ مقابلة الكل دفعة واحدة متعذّر، والكُلُّ متساوٍ في وجود القتال لما فيه من الكُفْرِ والمحاربة، والجمع متعذِّر، والقرب مرجح ظاهر كما في الدعوة. وثانيها: أنَّ النفقات في الأقرب أقلّ، والحاجة إلى الدواب والآلات أقلّ. وثالثها: أن المجاهدين إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد، فقد عرضوا الذراري للفتنة، وأموالهم إلى النهب. ورابعها: أنَّ المجاورين لدار الإسلام إمَّا أن يكونوا أقوياء ضعفاء، فإن كانوا أقوياء فتعرّضهم لدار الإسلام أشدّ وأكثر من تعرض الأبعد، والشَّرُّ الأكثر أولى بالدفع، وإن كان ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل؛ فكأن الابتداء بهم أولى. وخامسها: أن القريب يعلم أكثر من علم حال البعيد، فيكون غزوه أسهل. وسادسها: أنَّ دار الإسلام واسعة، فإذا اشتغل أهلُ كل بلدٍ بقتال من يليهم من الكفار كانت المؤمنة أسهل. وسابعها: أنَّهُ إذا اجتمع واجبات قدم أيسرها حصولاً. وثامنها: ما تقدَّم من أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ابتداء في الدعوة بالأقرب، وبالغزو بالأقرب، وفي جميع المهمات كذلك. حتَّى إنَّ الأعرابي الذي جلس على المائدة، وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة قال له عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «كُلْ مِمَّا يَليكَ» فدلت الآيةُ على أنَّ الابتداء بالأقرب واجبٌ. فإن قيل: ربَّمَا كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح؛ لأنَّ الأبعد يقع في قلبه أنما جاوز الأقرب؛ لأنَّهُ لا يقيمُ له وزناً. فالجوابُ: أنَّ ذلك احتمالٌ واحد، وما ذكرنا احتمالات كثيرة، ومصالح الدنيا مبنيةٌ على ترجيح الأكثر مصلحة، وهذا الذي قلناه إنَّما هو فيما إذا تعذَّر الجمعُ بين مقابلة الأقرب والأبعد وأما إذا أمكن الجمع بين الكل، فالأولى هو الجمع. قوله: «وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ» هو من باب: «لا أرينَّك ههنا» ، وتقدم شرحه [الأنفال: 25] . «غِلْظَةً» قرأ الجمهور بكسر الغين، وهي لغة أسد. وقرأ الأعمشُ، وأبانُ بن تغلب، والمفضَّلُ كلاهما عن عاصم بفتحها، وهي لغة الحجاز. وقرأ أبُو حيوة، والسُّلمي، وابنث أبي عبلة والمفضل، وأبانُ في رواية عنهما «غُلْظة» بالضَّم، وهي لغةُ تميم، وحكى أبُو عمرو اللغات الثلاث. والغِلْظَة: أصلها في الأجْرَام، فاستعيرت هنا للشِّدَّة والصَّبر والتَّجلد قال المفسرون: شجاعة، وقيل: عنفاً، وقيل: شدة. والغلظة ضد الرِّقة، وفائدتها أنها أقوى تأثيراً في الزَّجْرِ، والمنع عن القبيح، وهذا غيرُ مطَّرد، بل يحتاجُ تارة إلى الرِّفْقِ واللُّطفِ، وتارة إلى العنف، ولهذا قال: ﴿وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ تنبيهاً على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة ألبتة فإنَّه ينفرُ ويوجب تفرق القوم، فقوله: ﴿وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ يدلُّ على تقليل الغلظة، كأنَّهُ قيل لا بد وأن يكونوا بحيثُ لو فتَّشُوا عن أخلاقكم، وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة، وهذا الكلامُ إنَّما يصحُّ فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة؛ فلا يخلو عن نوع غلظة. وهذه الغلظةُ إنَّما تعتبرُ فيما يتعلَّق بالدَّعوة إلى الدِّين، إمَّا بإقامة الحُجَّةِ، وإمَّا بالقتال فأمَّا فيما يتعلقُ بالبيع، والشراء، ونحوه فلا. ثم قال ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ أي: بالفوز والنصر، ويكون إقدامه على القتال بسبب تقوى الله لا بسبب طلب المال والجاه. قوله تعالى ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ﴾ الآية. لمَّا ذكر مخازي المنافقين وأعمالهم القبيحة قال: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ «ما» صلة مؤكدة «فَمِنْهُم» أي: من المنافقين: «مَنْ يقُولُ» قيل: يقولُ بعضهم لبعض، ليثبتوهم على النِّفاقِ وقيل: يقولونه لعوام المسلمين، ليصرفوهم عن الإيمان، وقيل: يقولون ذلك على سبيل الهزؤ. قوله: «أيُّكُمْ» الجمهور على رفع «أيُّكُمْ» بالابتداءِ، وما بعده الخبر. وقرأ زيدُ بنُ عليّ وعبيد بن عمير بالنصب، على الاشتغال، ولكن يُقدَّر الفعل. متأخراً عنه من أجلِ أنَّ لهُ صدر الكلام. والنَّصب عند الأخفش في هذا النحو أحسنُ من الرفع؛ لأنَّهُ يجري اسم الاستفهام مجرى الأسماء المسبوقةِ بأداة الاستفهام، نحو: أزيداً ضربته، في ترجيح إضمار الفعلِ. قوله: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ أي: يقيناً وتصديقاً؛ لأنَّهُم يقرُّون بها ويعترفون بأنَّها حقٌّ من عند الله، وتقدم الكلامُ في زيادة الإيمان، ونقصانه في أول سورة الأنفال [الأنفال: 2] ثم قال: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يفرحون بنزول القرآن، وقيل: بثوابِ الآخرة، وقيل: بالنَّصر والظفر. والاستبشار: استدعاء البشارة؛ لأنَّهُ كُلَّما يذكر النعمة حصلت البشارة فهو بالتذكر يطلب تجدُّد البشارة، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للمذكورين في المؤمنين. فقال: ﴿وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شكٌّ ونفاق: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ﴾ والمرادُ بالرِّجْسِ: إمَّا العقائد الباطلةُ، وإما الأخلاقُ المذمومة، فعلى الأول يكون المعنى: كانوا مكذبين بالسُّورِ النَّازلة قبل ذلك، والآن صاروا مكذِّبين بهذه السُّورة الجديدة، فقد انضمَّ كفرٌ إلى كفرٍ. وعلى الثاني: أنَّهم كانُوا في الحسد والعداوة واستنباط وجوه المكر والكيد، والآن زادت تلك الأخلاق الذَّميمة بسبب نزول هذه السُّورة الجديدة. والأمر الثاني: أنَّهم يموتون على كفرهم، وهذه الحالة مضادة للاستبشار الذي حصل في المؤمنين، وهذه الحالة أقبحُ من الحالةِ الأولى؛ لأنَّ الحالة الأولى عبارة عن ازدياد الرَّجاسة وهذه الحالة عبارة عن مداومة الكُفْرِ وموتهم عليه. قال مجاهدٌ: «في هذه الآية الإيمان يزيدُ وينقصُ، وكان عمر يأخذُ بيد الرَّجُلِ والرجلين من أصحابه فيقولُ تعالوا نزداد إيماناً، وقال عليُّ بن أبي طالبٍ: إنَّ الإيمان يبدو نقطة بيضاء في القلب، وكلما ازداد الإيمان عظماً ازداد ذلك البياضُ حتَّى يبيضَّ القلب كله وأيْمُ الله لو شققتم عن قلبِ المؤمنِ لوجدتموه أبيضَ، ولو شققتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود. قوله:» أَوَلاَ يَرَوْنَ» قرأ حمزة، ويعقوب بتاء الخطابِ، وهو خطابُ للذينَ آمنُوا والباقون بياءِ الغيبة، رجُوعاً على ﴿الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ . والرُّؤية هنا تحتمل أن تكون قلبية وأن تكون بصريةً. قال الواحديُّ: قوله: «أولا تَروْنَ» هذه ألف الاستفهام دخلت على» واو «العطف، فهو متصل بذكر المنافقين، وهو خطاب على سبيل التنبيه قال سيبويه عن الخليلِ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ [الحج: 63] المعنى: أنزل الله من السماءِ ماء؛ فكان كذا وكذا. قوله: ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: يبتلون» في كُلِّ عام مرَّةً أو مرَّتين «بالأمراض والشدائد.» ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ «عن ذلك النِّفاق، ولا يتَّعظُون كما يتَّعظُ المؤمنُ إذا مرض، فإنَّهُ يتذكَّرُ ذنوبه، وموقفه بين يدي الله، فيزيده ذلك خوفاً وإيماناً، قاله ابنُ عبَّاسٍ. وقال مجاهدٌ: يفتنون بالقحطِ والشِّدة والجوع. وقال قتادة: بالغزو والجهاد؛ لأنَّهُم إذا تخلَّفوا وقعوا في ألسنة النَّاس باللَّعْن والخزي والذكر القبيح، وإن ذهبوا إلى الغزو مع كونهم كافرين فقد عرَّضُوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنَّهْبِ من غير فائدة. قال مقاتل: يفضحون بإظهار نفاقهم. وقال عكرمةُ: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقال يمان: ينقضون عهدهم في السَّنة مرة أو مرتين» ثُمَّ لا يتوبُونَ «من نقض العهدِ، ولا يرجعون إلى الله من النِّفاقِ؛» وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ «أي: لا يتَّعظُون بما يرونَ من تصديق وعد الله بالنَّصر والظفر للمسلمين. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ الآية. هذا نوع آخر من مخازي المنافقين، وهو أنَّهُ كلما نزلت سورة مشتملة على شرح فضائح المنافقين وسمعوها تأذّوا من سماعها، ونظر بعضهم إلى بعض نظراً مخصوصاً دالاً على الطَّعْن في تلك السُّورة والاستهزاء بها، وتحقير شأنها، ويحتملُ أنَّهُمْ كانوا يستحقرون القرآن كُلَّهُ؛ فكلما سمعوا سورة، استهزءوا بها وطعنوا فيها، وضحكوا وتغامزوا، وقيل: نظر بعضهم إلى بعض يريدون الحرب. قوله: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ في محل نصب بقول مضمر، أي: يقولون: هل يراكم، وجملةُ القول في محل نصب على الحال، و» مِنْ أحَدٍ» فاعل. والمعنى: أنَّهم عند سماع تلك السُّورةِ يتأذون، ويريدون الخروج من المسجد، يقول بعضهم لبعض ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ من المؤمنين إن قمتم، فإن لم يراهم أحد خرجوا من المسجد وإن علموا أنَّ أحداً يراهم أقاموا وثبتوا. وقيل: إنهم كانُوا إذا نزلت سورةٌ اشتدَّ كفرهم ونفاقهم، وذلك النظر دالٌّ من الإنكار الشديد، والنفرة التامة، فخافوا أن يرى أحد من المسلمين ذلك النَّظر وتلك الأحوال الدَّالة على النِّفاقِ والكفر؛ فعند ذلك قالوا: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ أي: لو رآكم أحد على هذا النظر وهذا الشكل لضركم جدّاً. ثم قال تعالى: ﴿صَرَفَ الله قُلُوبَهُم﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ: عن كل رشد وخير وهدى وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم. وقال الزجاج «أضلهم اللهُ تعالى مجازاةً على فعلهم» . ذلك: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون﴾ عن الله دينه. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا تقولُوا إذا صليتم انصرفنا من الصلاة فإنَّ قوماً انصرفوا؛ فصرف اللهُ قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضينا الصلاة. والمقصود: التفاؤل بترك هذه اللَّفظة الواردة فيما لا ينبغي، والتَّرغيب في تلك اللفظةِ الواردة في الخير قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة﴾ [الجمعة: 10] . قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ الآية. لمَّا أمر رسوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أن يبلغ التكاليف الشاقَّة في هذه السورة إلى الخلق وهي مما يعسر تحملها؛ إلاَّ لمن خصَّه الله بالتوفيق، ختم هذه السورة بما يوجب سهولة تحمل تلك التكاليف، وهو أنَّ هذا الرسول منكم؛ فكلُّ ما يحصلُ له من العزّ والشَّرف، فهو عائدٌ إليكم فهو كالطبيب المشفق، والأب الرحيم في حقكم، وإن كان كذلك صارت تلك التكاليف، وتلك التأديبات جارية مجرى الإحسان. قوله «مِّنْ أَنفُسِكُمْ» صفة ل «رسُول» أي: من صميم العربِ. قال ابنُ عباسٍ: ليس من العرب قبيلة إلاَّ وقد ولدت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وله فيهم نسب. وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَا ولدَنِي مِنْ سفاحِ أهْلِ الجاهليَّة شيءٌ، ما ولدَنِي إلاَّ نكاحٌ كنِكَاحِ الإِسلامِ» . وقرأ ابنُ عبَّاسٍ، وأبو العالية، والضحاك، وابن محيصن، ومحبوب عن أبي عمرو، والزهري، وعبدُ الله بن قسيط المكي، ويعقوبُ من بعض طرقه، وهي قراءةُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفاطمة، وعائشة بفتح الفاء، أي: من أشْرفكُم، من النَّفاسة. فصل اعلم أنه تعالى وصف الرسول في هذه الآية بخمس صفات، أولها: قوله «مِنْ أنفُسِكُم» وفيه وجوه: أحدها: ما تقدم عن ابن عباس، والمراد منه: ترغيب العرب في نصرته والقيام بخدمته، أي: كلّ ما يحصل له من الدولة والرفع في الدنيا، فهو سبب لعزكم، فإنه منكم، ومن نسبكم. وثانياً: يريد أنه بشر مثلكم، كقوله ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ [يونس: 2] وقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110] والمعنى: أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على النَّاسِ، كما قرر في الأنعام. وثالثها: أنَّ هذا خطاب لأهل الحرم؛ لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته، وكانوا يخدمونهم، فكأنه قيل للعرب: كنتم قبل مقدمه مجتهدين في خدمة أسلافه، فلم تتكاسلوا عن خدمته مع أنَّهُ أعلى في الشَّرفِ من أسلافه. والصفة الثانية: قوله «عَزِيزٌ» فيه أوجه: أحدها: أنَّهُ صفة ل «رسُول» ، وفيه أنه تقدَّم غيرُ الوصف الصَّريح على الوصف الصَّريح. وقد يجاب بأنَّ «مِنْ أنفُسِكُم» متعلق ب «جَاءَ» و «ما» يجوزُ أن تكون مصدرية، أو بمعنى «الذي» . وعلى كلا التقديرين فهي فاعل ب «عَزِيز» ، أي: يعزُّ عليه عنتُكم، أو الذي عنتُّمُوهُ، أي: عنتُهم يُسيئه، فحذف العائد على التدرج؛ وهذا كقوله: [الوافر] 2861 - يَسُرُّ المَرْء ما ذهبَ اللَّيَالِي ... وكانَ ذهَابُهُنَّ لهُ ذَهَابَا أي: يَسُرُّه ذهاب الليالي. ويجوز أن يكون «عزيزٌ» خبراً مقدماً، و «مَا عَنتُّمْ» مبتدأ مؤخراً والجملةُ صفة ل «رسُول» وجوَّزَ الحوفي: أن يكون «عزيزٌ» مبتدأ، و «ما عنتم» خبره وفيه الابتداء بالنَّكرةِ؛ لأجْلِ عملها في الجارِّ بعدها. وتقدَّم معنى ﴿العنت﴾ [النساء: 25] . والأرجح أن يكون «عَزيزٌ» صفة ل «رسُولٌ» لقوله بعد ذلك «حَرِيصٌ» فلم يجعل خبراً لغيره وادِّعاءُ كونه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو حريصٌ، لا حاجة إليه. قال الفرَّاءُ: «ما» في قوله: «مَا عنِتُّم» في موضع رفع، أي: عزيز عليه عنتكم، أي: يشقُّ عليه مكروهكم. وقال القتيبيُّ: ما أعنتكم وضركم. وقال ابن عباس: ما ضللتم. وقال الضحاكُ والكلبيُّ: ما آثمكم. والصفة الثالثة: قوله: «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» والحريص يمتنع أن يكون متعلقاً بذواتهم، بل المراد حريص على إيصال الخيراتِ إليكم في الدُّنيا والآخرة، وعلى هذا التقدير يكونُ قوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: شديد معزَّته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم؛ لأنَّ العزيز هو الغالب الشَّديد، وبهذا التقدير لا يحصلُ التَّكرار. والصفة الرابعة والخامسة قوله: ﴿بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ «بالمُؤمنينَ» متعلقٌ ب «رَءُوفٌ» ولا يجوز أن تكون المسألةُ من التنازع؛ لأنَّ شرطه تأخُّر المعمول عن العاملين، وإن كان بعضهم قد خالف، ويجيزُ: زيداً ضربتُ وشتمته، على التَّنازع. وإذا فرَّعنا على هذا الضعيف، فيكون من إعمال الثاني، لا الأول، لما عُرف أنَّهُ متى أعمل الأوَّلُ أضمر في الثاني من غير حذف. فصل قال ابن عباس: سمَّاه الله تعالى ههنا باسمين من أسمائه. والمعنى: رءوفٌ بالمطيعين. فإن قيل: كيف يكون كذلك، وقد كلَّفهم في هذه السُّورة بأنواعٍ من التَّكاليفِ الشَّاقَّة التي لا يقدرُ على تحملها إلا من وفقه الله تعالى. فالجوابُ: قد ضربنا لهذا المعنى مثل الطبيب الحاذق، والأدب المشفق، والمعنى: أنه فعل بهم ذلك ليتخلَّصُوا من العقاب المؤبد، ويفُوزُوا بالثَّواب المؤبد. فإن قيل: لمَّا قال: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ فهذا النَّسق يوجب أن يقال: رءوف رحيم بالمؤمنين، فلم ترك هذا النسق وقال: ﴿بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . فالجواب: أنَّ هذا يفيد الحصر، أي: لا رأفة ولا رحمة إلا بالمؤمنين. فأما الكفار فليس له عليهم رأفة ولا رحمة، وهذا كالمتمم لقدر ما ورد في هذه السورة من التَّغليظِ، كأنَّهُ يقول: إنِّي وإن بالغت في التَّغليظِ في هذه السُّورة، إلاَّ أنَّ ذلك التَّغليظ على الكُفَّارِ والمنافقين، وأما رحمتي، ورأفتي فمخصوصة بالمؤمنين. قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ يعني: المشركين والمنافقين، أي: أعرضوا عنك وقيل: تولوا عن طاعة الله وتصديق الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وقيل: تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في هذه السُّورة. وقيل: تولوا عن نصرتك في الجهاد. ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ﴾ والمرادُ: أنَّه لا يدخل في قلب الرسول حزن ولا أسف؛ لأنَّ الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء. «عليْهِ توكَّلتُ» أي: لا أتوكل إلاَّ عليه: ﴿وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم﴾ . فإن قيل: العرشُ غير محسوس، فلا يعرف وجوده إلاَّ بعد ثُبوتِ الشريعةِ، فكيف يمكنُ ذكره في معرض شرح عظمة الله تعالى؟ . فالجواب: وجود العرش أمرٌ مشهورٌ، والكفار سمعوه من اليهود والنصارى وأيضاً لا يبعد أنَّهُم كانوا قد سمعُوهُ من أسلافهم. وقرأ الجمهور بجرِّ الميم من «العَظيمِ» صفة للعرش. وقرأ ابنُ محيصنٍ برفعها نعتاً للرب ورويت هذه قراءة عن ابن كثير. قال أبو بكر الأصم: «وهذه القراءة أعجبُ إليَّ؛ لأنَّ جعل» العظيم «صفة لله تعالى أولى من جعله صفة للعرش» وأيضاً قال «فإن جعلناه صفة للعرش، كان المراد من كونه عظيماً كبر جثته وعظم حجمه واتساع جوانبه على ما ذكر في الأخبار وإن جعلناه صفة لله تعالى كان المرادُ من العظمة وجوب التقديس عن الحجمية والأجزاء والأبعاض، وكمال العلم والقدرة، وكونه منزَّهاً عن أن يتمثل في الأوهام، أو اتصل إليه الأفهام» . فصل روي عن أبيّ بن كعب والحسن قالا: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] إلى آخرها. وقال أبي بن كعب: «هما أحدث الآيات بالله عهداً» وفي رواية: «أقرب القرآنِ من السَّماءِ عهداً» وهو قول سعيد بن جبير. وقيل: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] . قال القرطبي «يحتمل أن يكون قول أبيّ: أقرب القرآن من السماء عهداً بعد قوله» واتقوا يَوْماً «والله أعلمُ. ونقل عن حذيفة أنَّهُ قال: أنتم تسمُّون هذه السورة بالتوبة وهي سورة العذاب، ما تركت أحداً إلاَّ نالتْ منه» . قال ابنُ الخطيبِ: «وهذه الرواية يجب تكذيبها؛ لأنَّا لو جوزنا ذلك؛ لكان ذلك دليلاً على تطرُّق الزيادة والنقصان إلى القرآن وهو باطلٌ» . وروت عائشة قالت: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّه ما نزل عليَّ القرآنُ إلاَّ آيةً آيةً وحَرْفاً حَرْفاً ما خلا سُورة براءة، و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] فإنَّما نزلتَا عليَّ ومعهما سَبْعُونَ ألف صف مِنَ الملائكةِ كُلُّهُم يقُولُ: يا مُحمدَّدُ استوصِ بنسبةِ اللهِ خَيْراً» . سورة يونس - عليه السلام - قالت فرقة: نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة، وباقيها بالمدينة، وهي مائة وتسع آيات. وهي مكية في قول عكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس إلا ثلاثة آيات وقال مقاتل: إلا آيتين من قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ [الآية 94] وقال الكلبي: إنها مكية إلا قوله ﴿ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين﴾ [الآية 40] فإنها مدنية نزلت في اليهود، وعدد كلماتها ألف وثمانمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وحروفها سبعة آلاف وخمس مائة وسبعة وستون حرفا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.