الباحث القرآني

مكية، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومائة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ ، تقدم الكلام في «الضُّحَى» والمراد به هنا: النهارُ، لمقابلته بقوله تعالى: ﴿والليل إِذَا سجى﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: 98] ، أي: نهاراً. وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق، أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبليلة المعراج. وقيل: «الضُّحَى» هي الساعة التي خرّ فيها السحرة سُجَّداً لقوله تعالى: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] . وقال القرطبي: «يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم» . وقيل: الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار. وقيل: الضحى نور قلوب العارفين كهيئة النهار، والليل سواد قلوب الكافرين كهيئة الليل، أقسم تعالى بهذه الأشياء. وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فيه إضمار مجازه ورب الضحى وسيجيء معناه. و «سَجَى» ، أي: سكن، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة. يقال: ليلة ساجية، أي: ساكنة. ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، ويقال: سَجَا الشَّيءُ سَجْواً إذا سكن، وسَجَا البحر سُجُوًّا، أي: سكنت أمواجُه وطرف ساج، أي: فاتر، ومنه استعير تسجية الميت، أي: تغطيته بالثواب؛ قاله الراغب. وقال الأعشى: [الطويل] 5232 - فَمَا ذَنْبُنَا أنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عمِّكُم ... وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا وقال الفراء: أظلم. وقال ابن الأعرابي: اشتد ظلامه. وقال الشاعر: [الرجز] 5233 - يا حَبَّذَا القَمراءُ واللَّيلُ السَّاجْ ... وطُرقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ [قال الضحاك: سجا غطى كل شيء. قال الأصمعي: سجو الليل؛ تغطيته النهار، ومثل ما يسجَّى الرجل الثوب. وعن ابن عباس: سجا أدبر، وعنه: أظلم. وقال سعيد بن جبير: أقبل. وعن مجاهد: سَجَا: استوى. والقول الأول أشهر في اللغة، أي: سكن الناس فيه كما قال: نهار صائم وليل قائم. وقيل: سكونه استقرار ظلامه، وهو من ذوات الواو، وإنما أميل لموافقة رءوس الآي، كالضحى، فإنه من ذوات الواو أيضاً] . فصل قال ابن الخطيب: وقدم هنا الضحى، وفي السورة التي قبلها قدم الليل إما لأن لكلَّ منهما أثر عظيمٌ في صلاح العالم، ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] ، وللنهار فضيلة النور، فقدم سبحانه هذا تارة وقدم هذا تارة، كالركوع والسجود في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77] وقوله تعالى: ﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ [آل عمران: 43] . وقيل: قدم الليل في سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لأن أبا بكر سبقه كفر، وقدم الضحى في سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأنه نور محض، ولم يتقدمه ذنب. وقيل: لما كانت سورة «الليل» سورة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسورة «الضحى» سورة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أنه لا واسطة بين محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبين أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. * فصل في ذكر الضحى والليل قال ابن الخطيب: وذكر الضحى، وهو ساعة، وذكر الليل بجملته، إشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل، كما أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوازن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأيضاً: فالضحى وقت السرورٍ، والليل وقتُ الوحشةِ، ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا، أقل من شرورها، وأن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة، والليل ساعات، يروى أن الله - سبحانه وتعالى - لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء، ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة عامٍ، ثم انكشفت، فأمرت مرة أخرى بذلك، وهكذا إلى ثلاثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظَّلت عن يمين العرش غمامة بيضاء، ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم، والأحزان دائمة، والسرور قليلاً ونادراً، وقدم ذكر الضحى لأنه يشبه الحياة، وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت. قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، هذا جواب القسم، والعامة: على تشديد الدال من التوديع. وقرأ عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم: «ودَعَهُ» ، أي: تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن «ودع، ووذرَ» واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب «ترك» وما تصرف منه، وقد جاء «ودع ووذَرَ» ؛ قال الشاعر: [الرمل] 5234 - سَلْ أمِيرِي: ما الَّذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقال آخر: [الطويل] 5235 - وثَمَّ ودعْنَا آل عمرٍو وعامِرٍ ... فَرائِسَ أطْرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ قيل: والتوديع مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك. قال القرطبيُّ: واستعماله قليل يقال: هو يدع كذا، أي: يتركه. قال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما ب «ترك» . قوله: ﴿وَمَا قلى﴾ ، أي: ما أبغضك، يقال: قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول: قلاه يقلاه، بالفتح؛ قال: [الهزج] 5236 - أيَا مَنْ لَستُ أنسَاهُ ... وَلاَ واللَّهِ أقْلاهُ لَكَ اللَّهُ عَلَى ذَاكَا ... لَكَ اللَّهُ لَكَ اللَّهُ وحذف مفعول «قَلاَ» مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد «فآوَى» وما بعده. * فصل في «القِلَى» القلى: البغض، أي: ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول: قلاه يقليه قى وقلاء، كما تقول: قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه: لغة طيىء. وأنشد: 5237 - أيَّامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاَهَا ... أي: لا نبغضها، ونقلي: أي: نبغض؛ وقال: [الطويل] 5238 - أسِيئِي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَةٌ ... لَديْنَا ولا مَقلِيَّةٌ إنْ تقلَّتِ وقال امرؤ القيس: [الطويل] 5239 - ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ولَسْتُ بِمقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ ومعنى الآية: ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: 35] أي: والذاكرات الله. * فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: انحبس الوحي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اثني عشر يوماً. وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً [وقيل خمسة وعشرين يوماً. وقال مقاتل: أربعين يوماً] . فقال المشركون: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية. وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يقم ليلتين، أو ثلاثاً، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت: يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ . وروي عن أبي عمران الجوني: قال: أبطأ جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ . وروي أن خولة كانت تخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: «إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال:» يا خولةُ ما حدّثَ في بَيْتِي؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي» ؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال: يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن التّأخر، فقال: «أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ» . وقيل: لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «سَأخْبركُمْ غداً» ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] ، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ . قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ﴾ الظاهر في هذه اللام أنها جواب القسم، وكذلك وفي» ولسَوْفَ «أقسم الله تعالى على أربعة أشياءٍ: اثنان منفيان، وهما توديعه وقلاه، واثنان مثبتان مؤكدان، وهما كون الآخرة خيراً له من الأولى، وأنه سوف يعطيه ما يرضيه. وقال الزمخشري:» فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على «سَوْفَ» ؟ . قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: وأنت سوف - كما ذكرنا في «لأقسمُ» أن المعنى: لأنا أقسم - وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم، أو ابتداء، فلام القسم لا تدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاَّ على الجملة من المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ، وخبره، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك» . ونقل أبو حيَّان عنه، أنه قال: «وخلع من اللام دلالتها على الحال» انتهى. وهذا الذي رده على الزمخشري، يختار منه: أنها لام القسم، وقوله: «لا يدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد» ، استثنى النحاة منه صورتين: إحداهما: أن لا يفصل بينها وبين الفعل حرف التنفيس كهذه الآية، وكقولك: «والله لسأعطيك» . والثاني: ألاَّ يفصل بينهما بمعمول الفعل، كقوله: ﴿لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158] . ويدل لما قلت ما قال الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: «إن زيداً لقائم» ، بل هي التي في قولك: «لأقُومنَّ» ونابت» سَوْفَ «عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: ولنعطينك. وقوله: «خلع منها دلالتها على الحال» يعني أن لام الابتداء الداخلة على المضارع مخلصة للحال وهنا لا يمكن ذلك؛ لأجل حرف التنفيس، فلذلك خلعت الحالية منها. وقال أبو حيَّان: واللام في «وللآخِرةُ» لام ابتداء أكدت مضمون الجملة، ثم حكى بعض ما تقدم عن الزمخشري وأبي علي، ثم قال: «ويجوز عندي أن تكون اللام في» وللآخِرَةُ خَيْرٌ» وفي «ولسَوْفَ يُعْطِيكَ» اللام التي يُتَلَقَّى بها القسم، عطفهما على جواب القسم، وهي قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ، فيكون هذا قسماً على هذه الثلاثة «انتهى. فظاهره أن هذه اللام في» وللآخِرةُ» لام ابتداء غير متلقى بها القسم بدليل قوله ثانياً: «ويجوز عندي» ، ولا يظهر انقطاع هذه الجملة عن جواب القسم ألبتة، وكذلك في «وَلَسَوْفَ» ، وتقدير الزمخشريِّ: مبتدأ بعدها لا ينافي كونها جواباً للقسمِ، إنَّما منع أن يكون جواباً لكونها داخلة على المضارع لفظاً، وتقديراً. وقال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ . قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة. فصل قال إبن إسحاق: معنى قوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ ، أي: ما عندي من مرجعك إليَّ يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا. روى علقمة عن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّا أهْل بيتٍ اخْتَارَ اللهُ لنَا الآخِرَةِ على الدُّنْيَا» . وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ روى عطاء عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلا قول الله تعالى في إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] ، وهو قول عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: 118] ، الآية، فرفع يديه وقال:» اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي «وبكى، فقال الله تعالى لجبريل» اذهب إلى محمد، وربُّك أعلم، فسلهُ ما يُبْكِيكَ «فأتى جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسأله فأخبره، فقال الله تعالى لجبريل:» اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنَّا سَنُرضِيْكَ فِي أمَّتكَ، ولا نَسُوءَكَ «وقال حرب بن شريح: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: إنَّ أرْجَى آية في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] قالوا: إنا نقول ذلك، قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ . وقيل: يعطيك ربك من الثواب، وقيل: من النصر، فترضى، وقيل: الحوض والشفاعة. * فصل في الكلام على انقطاع الوحي وجه النظم، كأنه قيل: انقطاع الوحي لا يكون عزلاً عن النبوّة، بل غايته أنه أمارة الموت للاستغناء عن الرسالة، فإن فهمت منه قرب الموت، فالموت خير لك من الأولى، وفهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الخطاب بقوله: ما ودعك ربك وما قلى تشريفاً عظيماً، فقيل له: ﴿وللآخِرةُ خيرٌ لك من الأوْلَى﴾ ، أي: أنَّ الأحوال الآتية خير لك من الماضية، فهو وعد بأنه سيزيده عزَّا إلى عزِّه، وبيان أن الآخرة خيرٌ، كأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل فيها ما يريد، ولأنه آثرها فهي ملكه، وملكه خير مما لا يكون ملكه، أو لأن الكفار يؤذونك وأمتك في الدنيا، وأما في الآخرة فهم شهداء على الناس، أو لأن خيرات الدنيا قليلة مقطوعة، ولم يقل: خير لك، لأن فيهم من الآخرة شر له، فلو ميزهم لافتضحوا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.