الباحث القرآني

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ : مخفّفة، وهى تخفيف ميّتة، ومعناهما واحد، خفّفت أو ثقّلت. كقول ابن الرّعلاء: [[ابن الرعلاء: أحد بنى عمرو بن مازن، شاعر جاهلى غسانى اسمه عدى. وانظر ترجمته فى معجم المرزباني ٢٥٢ والسمط ٥٨ الخزانة ٤/ ١٨٨.]] ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء [[البيت فى الأصمعيات ٥ وتهذيب الألفاظ ٤٤٨ والمعجم للمرزبانى ٢٥٢ والسمط ٨ والخزانة ٤/ ١٧٤ ونسبهما البحتري (فى الحماسة ٢١٤) وياقوت (فى الإرشاد ١٢/ ٩) إلى صالح بن عبد القدوس، وكان الحسن البصري يتمثل بالبيت الأول فى مجلسه وقصصه ومواعظه حسبما رواه الجاحظ (البيان ١/ ١٣٢) ، والأول منهما فى الزجاج (١/ ١١٠ آ) من غير عزو.]] إنما الميت من يعيش ذليلا ... سيّئا باله قليل الرّجاء واسم ابن الرّعلاء كوتىّ، [[ما قاله أبو عبيدة من أن اسمه كوتى لم أقف عليه فى غير التاج (كوت) حيث قال. الكوتى كرومى أهمله الجوهري، وقال أبو عبيدة: هو الرجل القصير، والثاء لغة فيه، ولكنى رأيت فى الهامش من نسخة الصحاح زيادة الدميم بعد القصير، وزاد فى التكملة: الكوتى بن الرعلاء بالفتح ممدودا. وقال فى مادة «كوث» : والكوثى القصير كالكوثى من التهذيب، وكوثى ابن الرعلاء شاعر.]] والكؤتىّ، والكوتىّ يهمز، ولا يهمز. والكوتى من الخيل والحمير: القصار. قال: فلا أدرى أيكون فى الناس أم لا قال: ولا أدرى الرّعلاء أبوه أو أمّه. ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ مجازه: وما أهلّ به لغير الله، ومعناه: وما ذكر غير اسم الله عليه إذا ذبح أو نحر، وهى من استهلال الكلام، قال رجل، وخاصم إلى النبىّ ﷺ فى الجنين: «أرايت من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهلّ، أليس مثل ذلكم يطلّ» . [[«الجنين ... يطل» : قد مر تخريج هذا الحديث فى ص ٦٤ وانظر الطبري ٦/ ٣٨.]] ومنه قولهم: أهلّ بالحجّ أي تكلّم به، وأظهره من فيه. وقال ابن أحمر: يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الرّاكب المعتمر [[فى الجمهرة ٢/ ٣٨٧ والطبري ٦/ ٣٨ والقرطبي ٢/ ٢٢٤ واللسان (هلل) . وذكره ابن دريد على أنه من إنشاد أبى عبيدة، وأنه فسر المعتمر الذي فى بيت ابن أحمر، بالمعتم.]] يقال: معتمر ومعتم، والعمار والعمامة، وكل شىء على الرأس من إكليل أو تاج أو عمامة، فهو عمار وله موضع آخر. ما ذبح لغيره، كقول ابن هرمة: كم ناقة قد وجأت لبّتها ... بمستهلّ الشّؤبوب أو جمل [[فى ذيل السمط ٥٢. - اللبة: اللهزمة التي فوق الصدر، وفيها تنحر الإبل، والشئبوب الدفعة من المطر وغيره (اللسان) .]] أي بمنفجر. ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ : التي انخنقت فى خناقها حتى ماتت. ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ : التي تضرب حتى توقذ فتموت منه أو ترمى يقال: رماه بحجر، فوقذه يقذه وقذا ووقوذا. ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ : التي تردّت فوقعت فى بئر أو وقعت من جبل أو حائط أو نحو ذلك فماتت. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ : مجازها مجاز المنطوحة حتى ماتت. ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وهو الذي يصيده السّبع فيأكل منه ويبقى بعضه ولم يذكّ، وإنما هو فريسة. ﴿إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ : وذكاته أن تقطع أوداجه أو تنهر دمه وتذكر اسم الله عليه إذا ذبحته، كقوله: نعم هو ذكّاها وأنت أضعتها ... وألهاك عنها خرفة وفطيم [[لم أجده فى مظانه.]] الخرفة اجتناء، اخترف اجتنى. ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وهو واحد الأنصاب، [[«النصب ... الأنصاب» : رواه ابن حجر عن أبى عبيدة فى فتح الباري ٨/ ٢٠٨.]] وكان أبو عمرو يقول: نصب بفتح أوله ويسكن الحرف الثاني منه. والأنصاب: الحجارة التي كانوا يعبدونها، وأنصاب الحرم أعلامه. ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ وهو من استفعلت من قسمت أمرى، بأن أجيل القداح لتقسم لى أمرى: أأسافر أم أقيم أم أغزو أو لا أغزو ونحو ذلك فتكون هى التي تأمرنى وتنهانى ولكلّ ذلك قدح معروف [[«وأن تستقسم ... معروف» : قال البخاري: والاستقسام أن يجيل القداح فإن نهته انتهى وإن أمرته فعل ما تأمره. وقال ابن حجر: قال أبو عبيدة الاستقسام من قسمت ... القسوم (فتح الباري ٨/ ٢٠٨) .]] وقال: ولم أقسم فتر بثني القسوم [[فى الطبري ٦/ ٤٢ وفتح الباري ٨/ ٢٠٨. - والزبث: حبسك الإنسان عن حاجته وأمره بعلل (اللسان) .]] ويقال: ربثه يربثه ربثا إذا حبسه. وواحد الأزلام: زلم وزلم لغتان وهو القدح. [[«وواحد ... القدح» : رواه ابن حجر عن أبى عبيدة أثناء شرحه لقول البخاري: وقال غيره الزلم القدح لا ريش له وهو واحد الأزلام (فتح الباري ٨/ ٢٠٨) .]] ﴿ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي كفر. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ أي اخترت لكم. ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي مجاعة، وقال الأعشى: تبيتون فى المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم سغب يبتن خمائصا [[ديوانه ١٠٩- والطبري ٦/ ٤٨ والسمط ٧٧٣ والقرطبي ٦/ ٦٤ وشرح المضنون به ٥٤٨.]] أي جياعا. ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي غير متعوّج مائل إليه، وكل منحرف، وكل أعوج فهو أجنف. [[وكل أعوج فهو أجنف. نقل فى الطبري ٦/ ٤٨.]]