الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (أكان): (الألف) ألف استفهام، معناه: التوبيخ، والتقرير، والإنكار لتعجبهم من بعث الله عز وجل رجلاً منهم، رسولاً إليهم. والمعنى: ليس بعجب قد علمتم أن الرسل من قبلكم كانت من بني آدم، ولم تكن ملائكة. إنما تأتي الملائكة إلى الرسل بأمر الله ونهيه (سبحانه) وتأتيهم في صورة بني آدم. إذ لا يحتمل بنو آدم معاينة الملائكة. وقرأ ابن مسعود: (أكان للناس عجب) بالرفع جعل "أن أوحينا" في موضع نصب. وهو بعيد، لأن المصدر معرفة. فهو أحق أن يكون اسم (كان) (و) (عجباً): الخبر، لأنه نكرة. ورفع "عجباً" على اسم "كان" جائز على (ما) بعده. (و) اللام في "الناس" متعلقة بـ "عجب"، لا تتعلق بـ "كان". ومعنى الآية: أن الله، جلّ ذكره، لما بعث محمداً رسولاً أنكر جماعة من العرب ذلك، وقالوا: (الله) أعظم من أن يبعث بشراً رسولاً. فأنزل الله (عز وجل): ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾، ونزل ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] هذا قول ابن عباس. وقال ابن جريج: عجبت قريش أن بعث رجلاً منهم، فنزل ذلك. وروي أن أهل مكة قالوا: لم يجد الله رسولاً إلا يتيم أبي طالب فأنزل الله (عز وجل) ذلك. فالناس هنا: أهل مكة. وهذه الآية فيها ضروب من أخبار: ابتدأ تعالى بعجب، ثم أخبر بالشيء الذي يوجب العجب عندهم، وهو الوحي، ثم أخبر عمن أنزل عليه ذلك الوحي، ثم أخبر بالشيء الموحى ما هو. وهو الإنذار، ثم أخبر بالبشارة للمؤمنين وأخبر بالمبَشر به ما هو؟ وهو: كون القدم الصدق للمؤمنين عند ربهم، ثم أخبر بجواب الكافرين عن ذلك: (كل ذلك) في آية واحدة. ومعنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾: قال الضحاك: "ثواب صدق". وقال مجاهد: "الأعمال الصالحة"، وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: أجراً حسناً (بما) قدموا من (صالح) أعمالهم. وعن ابن عباس: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾: ما تقدم لهم من السعادة في اللوح المحفوظ. وقال قتادة، والحسن، وزيد بن أسلم: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ وهو محمد، ﷺ، شفيع لهم. وعن الحسن أنه قال: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ هو: مصيبتهم في نبيهم ﷺ. والقدم في اللغة على أربعة أوجه: قدم الإنسان مؤنثة، والقدم السابقة: العمل الصالح مؤنثة أيضاً، والقدم: الشجاع مذكر، والقدم المتقدم: مذكر أيضاً. وفي الحديث: "إنَّ جَهَنَّمَ لا تَسْكن حَتّى يَضَع الجَبار فيها قَدَمهُ". وفي (رواية) أخرى: "حَتّى يَضَع الله فِيها قَدَمَهُ قال الحسن: معناه يجعل (الله) فيها الذين قدَّمهم لها. فهم قدم الله عز وجل إلى النار، والمؤمنون قدمه إلى الجنة. ومن رواه: (حَتَّى يَضَع الجبار فيها قدمه) فمعناه (مثل) ما ذكرنا، أن جعلت الجبار اسماً لله (عز وجل). وقيل "الجبار اسم لجنس يدل على جميع الجبارين على الله (سبحانه). فالمعنى: حتى يضع الجبارون على الله (سبحانه) فيها أقدامهم. أي: حتى يدخلوها. (فعند ذلك تقول جهنم: قط قط) أي: كفى كفى. وفي هذا الحديث اختلاف روايات بألفاظ مختلفة، لكنا (قد) فسرنا موضع الإشكال منه.. ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾: وقف حسن عند أبي حاتم والأخفش. وقال: تفسيرهما ليس بتمام حسن؛ لأن ﴿قَالَ ٱلْكَافِرُونَ﴾ جواب لما قبله. ومن قرأ "لساحر" فمعناه: هذا النذير لساحر. يعنون النبي ﷺ. ومن قرأ "لسحر" فمعناه: هذا الذي أنذرنا به سحر، يعنون القرآن. والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد، لأنهم إذا جعلوا النبي ﷺ ساحراً فقد أخبروا أنه أتاهم بالسحر، وهو القرآن. وإذا جعلوا القرآن سحراً فقد أخبروا أن الذي أتاهم به ساحر. إذ السحر لا يكون من ساحر. والساحر لا يسمى بهذا الاسم حتى يأتي بالسحر، ويعرف منه ذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ﴾. والمعنى: إن الذي تجب له العبادة الله الذي خلق السماوات السبع والأرضين السبع في ستة أيام . ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ "مدبراً للأمور، قاضياً في خلقه ما أحب". ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾: أي: لا يشفع شافع يوم القيامة في أحد إلا من بعد أن يأذن له في الشفاعة كما قال: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وكما قال: ﴿وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وكذلك ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ﴿ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾ أي: هذا الذي هذه صفته مولاكم فاعبدوه. ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾: أي: "تتعظون جميعاً، وتعتبرون بهذه الآيات والحجج".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.