الباحث القرآني

قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ إلى قوله ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾. قرأ الحسن، والأعرج، وأبو العالية: "وأَزْيَنَتْ" على وزن "أَفْعَلت": أي جاءت بالزينة. وجاء على أصله غير مُعْتَل "كاستحوذَ". وقرئ "وازْيَّانَّت" مثل اسْوَادَّت. وروى المقدميُّ "وازّايَنَتْ والأصل تَزَايَنَتْ على "تَفَاعَلَتْ". والمعنى: إنما مثل ما تتفاخرون به في الدنيا، وتتباهون به من زينتها وأموالها، (مع) ما خالط ذلك من التنفِيض والتكدير والفناء والموت: كماء نزل من السماء فنبت بذلك أنواع النبات مما يأكل الناس: كالحنطة، والشعير، ومما تأكل البهائم من أنواع النبات. فإذا تم نباته، وحسُن، وأيقن أهل الزرع أنهم قد ملكوهُ، وأيقنوا بتمامه، وحصاده، وأن الحشيش لأنعامه مرعى ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا﴾: أي: أتى الأرض قضاؤُنا في الليل أو في النهار، فجعلنا ما عليها حصيداً، أي: "مقطوعاً مقلوعاً". والمراد به ما على الأرض، واللفظ للأرض. ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ﴾ أي كأن لم يكن ذلك الزرع، والنبات على ظهرها بالأمس، (يقال: غني فلانٌ) بالمكان، إذا أقام به، والمعنى: كأن لم تعمُر بالنبات بالأمس. والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس. وغنينا بمكان كذا أي: نزلناه. والمعنى: وكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم فيفنيها. قال ابن عباس: فاختلط به نبات الأرض: فنبت بالماء من كل لون. * * * ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ﴾: (أي): كما بينا لكم أيها الناس مثال الدنيا، كذلك نبين حججنا، وأدلتنا لمن تفكر، ونظر، واعتبر. والهاء في ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا﴾ تعود على الأرض. وقيل: على الزخرف. أي: أتى زخرفها أمرنا. وقيل (على) الزينة: أي: أتى زينتَها أمرُنا ليلاً. وقرأ مَرْوَ(ا)ن على المنبر: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ﴾. وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها. وذكر أن كذلك قرأها ابن عباس. وقال ابن عباس: كذلك أقرأني أبي بن كعب. وقال قتادة (كأن لم نغن بالأمس): "كأن لم تعش، كأن لم تنعم". وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن يقرأ في قراءة أبي: "كأن لم تغن بالأمس، وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون". ولا يحسن أن يقرأ أحدٌ بهذه القراءة، لأنها مخالفة لخط المصحف الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون. * * * وقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: وقف، ووقَفُ أصحاب نافع ﴿أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ﴾، وكذلك ﴿فَٱخْتَلَطَ﴾ [الكهف: ٤٥] في الكهف. وتأويل ذلك "كماء أنزلناه من السماء فاختلط بالأرض" ثم استأنف فقال: ﴿بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ﴾: أي بالماء نبات الأرض. ومن جعل الوقف (والأنعام) رفع النبات. ﴿فَٱخْتَلَطَ﴾: أي: فاختلط (نبات الأرض) بالماء. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ﴾ أي: يدعو إلى الجنة التي يسلم من دخلها من الآفات. وقيل: المعنى يدعو إلى دَارتِهِ لأنه تعالى السلام، وداره الجنة. ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي يوفِّقُ من يشاء إلى الإسلام وهو طريقهُ المستقيم الذي لا عوج فيه: وهو سبب رضاه، ورضاه سَبَبُ دخول الجنة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.