الباحث القرآني

قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً﴾ إلى قوله ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ﴾: مصدر، والمعنى: وعدكم (الله) أن يحييكم بعد مماتكم (وعداً حقاً) عند سيبويه بمعنى: وعد الله في حق، فلما حذف حرف الجر نصب، والمعنى: إليه معادكم جميعاً. وقرأ أبو جعفر يزيد "أنه" بفتح الهمزة: وهي في موضع نصب بمعنى لأنه يبدأ، (مثل): لبيك إن الحمد والنعمة لك (لا شريك لك). وقال أبو حاتم: هي نصب بـ "وعد". أي: وعد الله أنه يبدأ الخلق. وقال الفراء: موضعها رفع بحق كأنه قال: حقاً ابتداؤه. ومن كسر (إن) وقف على حقاً)، ومن فتح لم يقف على (حقاً). ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ﴾ أي: أنشأه قبل أن لم يكن شيئاً ثم يميته، ثم يعيده في الآخرة كهيئته. ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ﴾ أي: ليثبت المؤمنين على أعمالهم بالعدل والإنصاف. ثم أخبر بما أعد للكفار لتجتمع الأخبار عما أعد (الله عز وجل) للفريقين فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾: وهو الذي قد تناهى في الحر. قال النبي ﷺ: إنه ليتساقط من أحدهم حين يدنيه منه فروة رأسه ). وأصل الحميم محموم: فهو "فعيل" في موضع "مفعول". ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ولهم عذاب مؤلم بكفرهم. (ثم) قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً﴾ من قرأ "ضياءً" (بهمزة) متطرفة فهو الأصل، لأنه من الضوء. فالهمزة لام الفعل، والياء في "ضياء" بدل من واو لانكسار ما قبلها. ومن همز موضع الياء فإنما يجوز على القلب، وذلك أن تقلب الهمزة التي هي لام (الفعل) في موضع الياء التي هي عين. فتصير الياء بعد ألف متطرفة. فتنقلب همزة فيصير وزنه "فلاعاً". وقوله: "منازل" منصوب على حذف المضاف. والمعنى: وقدره منازل. (و) قيل: المعنى وقدر له منازل، ثم حذف اللام، وعدى الفعل كما قال: ﴿كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣]. والمعنى: إن ربكم الله ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ﴾، ثم فعل كذا ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ أي: قدر القمر منازل. لا يقصر دونها، ولا يجاوزها يكون كل ليلة بمنزلة من النجوم، وذلك ثمانية وعشرون منزلاً في كل شهر، وهو قوله: ﴿وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]. ﴿لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ﴾ أي: فعل ذلك كي تعلموا عدد السنين، أي: دخولها، وخروجها، وحسابها. * * * ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ﴾ أي: ما خلق الله الشمس والقمر والسماوات والأرضين ﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾. ومن قرأ "يفصل" بالياء رده على ذكر الله لقربه منه، فأسند الفعل إليه بلفظة التوحيد. ومن قرأ بالنون أجراه مجرى ما أتى في القرآن بلفظ الجميع، من "فصلنا، ونفصل" وذلك كثير. ومعنى (نفصل الآيات): نبين الحجج، والأدلة لقوم يعلمون. ﴿ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾: وقف لمن قرأ بالنون. ومن (قرأ) بالياء لم يقف عليه، لأن الفعل مسند إلى الاسم المذكور المتقدم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.