الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ﴾ إلى آخرها. * * * قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: تكون بمعنى التعجب، وتكون بمعنى التفخيم، وبمعنى التهويل والتعظيم. والمعنى: ألم تر يا محمد بعين قلبك كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟! وهو مَلك اليمن [أبرهة] الحبشي، وكان تحت يد النجاشي، أتى مع جنده إلى بيت الله الحرام ليخربه، وكان سبب إتيانه ما ذكره ابن إسحاق وغيره في حكاية طويلة أنا أذكر معناها، على اختصار إن شاء الله. وذلك أن أبرهة بنى [لملك الحبشة] كنيسة بصنعاء، وكان نصرانياً، وسمّاها القليس، وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة أني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة، ووصفها ومدحها (له) وقال: إني لست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب، فبلغ ذلك العرب من قول أبرهة، فغضب رجل من العرب لذلك، فذهب حتى أتى الكنيسة فأحدث فيها ثم رجع إلى قومه، فأخبر أبرهة بذلك، فقال: من صنع هذا؟! فقيل له: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي يحج إليه بمكة. فغضب عند ذلك أبرهة وحلف [ليَسيرن] إلى البيت وليهدمنه. ثم إن أبرهة وجه رجلاً من العرب يدعو العرب لحج الكنيسة التي بنى أبرهة، فقتلته [العرب]، فبلغ ذلك أبرهة فزاده غيظاً [وحنقاً] على البيت وعلى من قتل رسوله من العرب، فحلف ليغزون قاتلي رسوله، - قيل: هم بنو كنانة -، وحلف لَيَهدِمَنَّ البيت. ثم تأهب (مع) الحبشان وخرج ([لهدم] البيت وغزو بني كنانة. وخرج) معهم بالفيل، فاجتمع عليه بعض العرب لتقاتله وترده عن مذهبه ومراده فهزمهم أبرهة وأسَرَ رَئِسَهم - واسمه ذو نفر - فأراد قتله ثم تركه [وثقفه] معه، ثم خرج إليه نفيل بن حبيب [الختعمي] في قبيلتي ختعم، فقاتله فهزمه أبرهة وأسره وعفا عنه ولم يقتله. فلما مر بالطائف، خرج إليه مسعود بن معتبٍ في رجال ثقيف وطلبوا منه السّلم، فأعطاهم السلام ووجهوا معه أبا رغال، [فخرج معه أبو رغال] حتى أنزله المغمس، ثم مات أبو رغال بالمغمس فدفن هناك، فالعرب ترجم قبره من ذلك الوقت إلى الآن. ثم إن أبرهة وجه بخيل إلى نحو مكة، [فاستاقت] له أموال أهل مكة. وكان لعبد المطلب (فيها) [مائتا] بعير، وكان سيد قريش (يومئذ). فهمت قريش ومن يقرب منهم من العرب [بقتال] أبرهة، ثم علموا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا [ذلك]. ثم إن أبرهة وجه إلى مكة يقول [لرئيسها]: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه [لي] بحرب فلا حاجة لي بدمائكم. وأمره أن يأتيه [بالرئيس] إن كان لا يريد حَربه، (فأتى [الرئيس]، وسأل عن [رئيس] القوم فدل على عبد المطلب، فبلغه الرسالة، فقال عبد المطلب: والله، ما نريد حربه)، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن لم يحل بينه وبينه، فهو الله ما عندنا من دفع عنه. فقال الرسول لعبد المطلب: (انطلق إلى أبرهة، فإنه قد أمرني أن نأتي بك، فانطلق معه عبد المطلب) ومعه بعض بنيه، فلما أتى عبد المطلب (العسكر، سأل عن ذي نفر - وكان له صديقاً - فسأله عبد المطلب) عن [رأي] - أو أمر - [يشير به]، فما وجَدَ عنده فرجاً، واعتذر إليه بأنه مثقف محبوس، لكنه قال لعبد المطلب إن سائِس الفيل [لي] صديق، [فسأرسل إليه وأوصيه] بك وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه في ما تريد، ويشفع لك عنده إن قدر. ثم بعث ذو نفر إلى سائِس الفيل فأوصاه بما وَعَدَ بِه عبد المطلب، ففعل سائس الفيل ذلك، واستأذن له على أبرهة (وعظمه في عين أبرهة) ومدحه، فأذن له أبرهة، - وكان عبد المطلب رجلاً وسيماً عظيماً -، فلما رآه أبرهة أجلّه وأكرمه، وكان أمر أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة [يجلسه] [معه] على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره وجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له عبد المطلب: حاجتي أن يَرد علي مائتي بعير، فلما قالها الترجمان لأبرهة، قال أبرهة للترجمان: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدتُ فيك حين كلمتني. [أتكلمني] في مائتي بعير أخذتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك وجئت لأهدمه فلا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب: (إني [أنا] رب الإبل، وإنّ للبيْت رباً سيمنعه، فقال أبرهة: ما كان ليمنع مني، قال له عبد المطلب: أنت وذاك، ارْدُدْ علي إبلي، فرد عليه إبله وانصرف عبد المطلب إلى قريش، فحذرهم وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعب الجبال والشعاب تخوفاً عليهم من الحبش. ثم قام عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: ؎ يَا رَبِّ أَرْجو لَهم سِواكَا ∗∗∗ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا ؎ إِنّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ∗∗∗ إِنّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ثم ذهب عبد المطلب ومن معه من قريش إلى شعب الجبال يتحرزون فيها وينتظرون ما أبرهة فاعل. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة [وهيأ] فيله وعبر جيشه وهو مجمع على هدم البيت والانصراف إلى اليمن. فلما وجهوا الفيل - واسمه: مَحْمود - أقبل نفيل بن حبيب [الختعمي] حتى قام إلى جنب الفيل (وأخذ بأذنه) وقال: أبرك محمود وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وهرب نُفَيل حتى اصعد في الجبل، فضربوا الفيل ليقوم فأبى، ثم وجهوه راجعاً إلى اليمن فقام [يُهَرول]، ووجهوه إلى الشّام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فَبَرَك، فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل، قيل: (كانت) مثل الخطاطيف، أرسلها عليهم من البحر، مع كل طير ثلاثة أحجار، حجَر في منقاره وحجران في رجليه، كل حجر مثل الحمص أو العدس، [لا تصيب أحداً منهم] إلا هلك. ولم [تصبهم] كلهم، بل أصابت من شاء الله منهم، فخرجوا هاربين [يبتدرون] الطريق الذي منه جاؤوا يسألون عن نُفَيْل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: ؎ أَيْنَ المَفَرُّ والإِلَهُ الغَالِبْ ∗∗∗ والأَشْرَمُ المَغْلوبْ غير الغَالِبْ فهربوا يتساقطون ويهلكون في كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، فخرجوا به [معهم] [تسقط] أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت [منها] أنملة أتبعتها مدة بقيح ، ودم حتى قدموا صنعاء وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. وأول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب من ذلك العام، وهو أول ما رئي (من) الشجر [المر] مثل الحنظل والحرمل والعُشَر، فذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾، أي: [أدحضه] ومحقه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ﴾. أي: متفرقة يتبع بعضها بعضاً من نواح شتى. و ﴿وَأَرْسَلَ﴾ معطوف على معنى ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ﴾، لأن معناه: جعل كيدهم وأرْسَلَ. قال ابن عباس: ﴿أَبَابِيلَ﴾: "يتبع بعضها بعضاً". وقال الحسن: هي "[الكثيرة]. وهو قول قتادة. وقال غيره: هي المتفرقة. وقال مجاهد: متتابعة مجتمعة. وقال الضحاك: متتابعة بعضها في أثر بعض. وقال ابن زيد: "الأبابيل: المختلفة تأتي مِن [هاهنا وهاهنا]، أتتهم من كل مكان". وقيل: إنها (كانت) بيضاً. وقيل: كانت سوداً. وقيل: كانت خضراء لها خراطيم الطير وأكف الكلاب، وهذا قول ابن عباس. وعنه [أنها] كانت خضراء خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السِّباع. وقال عبيد بن عمير: هي طير [سود] بحرية في أظفارها [ومناقيرها] الحجارة. وقال ابن جبير: "هي طير خضراء لها مناقير صفر تختلف عليهم". قال الكسائي: سمعت [بعض] النحويين يقولون: واحد الأبابيل: إبَّوْل، مثل عِجَّوْل وعَجَاجِيل. وقال الرواسي: واحدها: أبالة. وحكى الفراء (إبالة مخففاً). وحكى أيضاً إيبالة مثل دينار ودنانير. وقال المبرد: واحدها: إبّيل، [مثل] سكين. وقال أبو عبيدة: لم نر أحداً يجعل لها واحداً. - وقوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾. قال ابن عباس: "﴿مِّن سِجِّيلٍ﴾: من طين"، وكذا قال عكرمة، كانت ترميهم بحجارة معها، فإذا أصابت أحدهم خرج به الجدري، (وكان أول يوم رُئي فيه الجدري). قال أبو الكنود: "كانت دون الحِمَّصة وفوق العدسة". قال أبو صالح: رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب حجارة منها، فرأيتها [سوداً] مخطّطَة بحمرة. قال قتادة: كانت لا تصيب شيئاً إلاّ هشمته. وقال ابن زيد: ﴿مِّن سِجِّيلٍ﴾ من الشقاء الدنيا، اسمها: سجيل، وهي التي أنزل الله على قوم لوط. وأنكر الطبري (أن يكون) اسم السماء سجيلاً. وقيل: سِجّيلٍ: (فعِّيل) من السَّجْلِ، وهو الدلو. وقال أبو إسحاق: سجيل مما كتب عليهم أن يعذّبوا به، مشتق من السجل وهو الكتاب. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾. أي: فجعل الله أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب [فراثته] ويبس وتفرقت أجزاؤه، فَشبه تقطع أوصالهم بالعقوبة التي [حلت] (بهم) [بتفرق] أجزاء [الروث] الذي حدث من أكل الزرع. وقال مجاهد: ﴿كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ "كورق الحنطة". وقال قتادة: "هو التبن". وقال ابن زيد: هو [ورق] الزرع [وورق] البقل إذا أكلته البهائم وراثته. قال ابن عباس: هو قشر البُر، يعني الغلاف الذي يكون فوق حبة القمح. فمعنى ﴿مَّأْكُولٍ﴾: قد أكل ما فيه من الحب. وروي أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في بطنه [فيبقى] كقشر الحبة إذا بقا بعد خروج الحبة منه، فالتقدير: مَأكول ما فيه، أو مأكول حَبّهُ. ومن جعله الروث بعينه لم يقدر حذفاً، [لأن] المعنى: فجعلهم كورق قد أكلته الدواب وراثته.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.