الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ﴾ إلى آخرها. يجوز، أن تكون "أرأيت" من رؤية العين، فلا يقدر في الكلام حذف. ويجوز أن يكون من رؤية القلب، فتُقَدّرُ الحذف للمفعول الثاني، والتقدير على ذلك: أرأيت الذي يكذب بالدين بعد ما ظهر له من البراهين، أليس مستحقاً عذاب الله؟ ... والمعنى: أرأيت - يا محمد - الذي يكذب بثواب الله وعقابه؟! فلا تطعه في أمره ونهيه. قال ابن عباس: ﴿ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ﴾ أي: بحكم الله جل ذكره. وقال ابن جريج ﴿بِٱلدِّينِ﴾: بالحساب. [والدين] عند أهل اللغة في هذا وشبهه بمعنى الجزاء، كما قال ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، أي: يوم الجزاء، ومنه قولهم: كما تدين تدان، أي كما تجزي تجازى. فالمعنى: أرأيت يا محمد هذا الذي يكذب بالجَزاء فلا يعمل خيراً ولا ينتهي عن شر، فهو الذي يدع اليتيم، أي: يدفعه، لأنه لا ينتظر عقاباً على عَمله ولا جزاء. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: فهذا الذي يدفع اليتيم [عن] حقه ويظلمه. [يقال]: دعَعْت فلاناً عن حقه، فأنا أدعهُ دعَّا. قال ابن عباس: "﴿يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ﴾، أي: "يدفَعُ اليتيم. وقال مجاهد: ﴿يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ﴾، أي: يدفع اليتيم فلا يطعمه". وقال قتادة: "يقهره ويظلمه". وقال إبراهيم بن عرفة: يدفع اليتيم عن حقه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ أي: لا يحض غيره على طعام المحتاج إلى الطعام. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أي: فالوادي الذي يسيل من صديد أهل النار للسّاهين عن صلاتهم الذين يصلون ولا يريدون بصلاتهم وجه الله. وقال ابن عباس: [هم] الذين يؤخرونها عن وقتها. وهذه رواية تخالف [قول] جميع المفسرين، وقد رويت عن النبي ﷺ. فهي من أشد آية نزلت في المصلين على هذا التأويل إن صح. وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هم المنافقون، كانوا يراءون (الناس) بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعون المؤمنين العارية من الماعون بُغْضاً لهم. وقال مجاهد: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ هو "الترك لها". وعنه أنه قال: هم لاهون عنها. وقال قتادة: هم غافلون لا يبالي أحدهم صلى أو لم يصل. وقال ابن زيد: "يصلون وليس الصلاة من شأنهم". وقال [سعد] بن أبي وقاص: [سألت] رسول الله ﷺ عن ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ فقال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ورَوى [أبو بزرة الأسلمي] أن رسول الله ﷺ قال - لما نزلت هذه الآية: الله أكبر هذه خير لكم من [أن لو أعطي] كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته وإن تركها لم يخف ربه". وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال: "عن صلاتهم ساهون" ولم يقل "في صلاتهم ساهون". * * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ﴾ الناس بصلاتهم إذا صلوا، لأنهم لا يصلون رغبة في ثواب، ولا [خوفاً] من عقاب، إنما يصونها ليكفوا الناس عن دمائهم وأموالهم وذَرَاريهم، وهم المنافقون الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. * * * ثم قال تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ﴾. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الماعون "الزكاة" وقاله ابن عمر، وقال ابن مسعود: هو المتاع يتعاطاه الناس بينهم. وهو قول ابن الحنفية وقتادة والحسن والضحاك وابن زيد، وذلك نحو الفأس والقدر والدلو. وقال ابن عباس: "هو متاع البيت. وروي ذلك (أيضا) عن علي رضي الله عنه. قال محمد بن كعب: "الماعُونَ: المعروف". وقال ابن المسيّب: "المَاعُونَ" بلسان قريش: المال". وحكى الفراء عن بعض العرب أنه قال: المَاعُونَ: الماء. وسئل النبي ﷺ عمّا لا يحل أن يمنع فقال: "الماء والملح". والمَاعُونَ في اللغة من المعْن، وهو الشيء القليل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.