الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخرها. روى المفسرون أن المشركين كانوا قد عرضوا على رسول الله ﷺ أن يعبدوا الله عز وجل سنة على أن يعبد نبي الله آلهتهم سنة، فأنزل الله جل ذكره جوابهم ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها. والمعنى: قل - يا محمد - ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ بالله لاَ أعْبُدُ ما تعبُدُونَ من الأصنام والأوثان الآن، ولا أنتم عابدون الآن ما أعبد، ولا أنا عابد في ما [أستَقْبِلُ] ما عبدتم في ما مضى ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ﴾ في ما تستقبلون أبداً ما أعبُدُ أنا الآن (و) في ما أستقبل. وروي أن ذلك نزل في أشخاص بأعيانهم قد علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، فأمر الله نبيه أن يؤيسهم مما طلبوا وأن ذلك لا يكون منه بد ولا منهم، فلا هو يعبد ما يعبدون أبداً ولا هم يعبدونَ ما يعبد هو أبداً لما سبق في علمه من شقوتهم. قال ابن عباس: وعد قريش نبي الله عليه الصلاة والسلام أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه من أراد من النّساء، [وقالوا]: هذا لك عندنا يا محمد، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، (ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنّا نعرض عليك خصلة واحدة، [فهي] لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا اللات والعزى (سنة)، ونعبد إلهك سنة. قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها وأنزل الله أيضا ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] إلى قوله: ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]. قال المبرد: ليس في هذا تكرير، وإنما جهل من قال إنه يكون في اللغة، وإنما المعنى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في هذا الوقف، وكذا ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ وانقضى الكلام، وهو التمام عند أبي حاتم على هذا المعنى. ومن جعله تكرير للتأكيد كان التمام آخر السورة. قال المبرد: ثم قال ﴿وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ أي: فيما استقبل ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ مثله. وكان في هذا دلالة على نبوة محمد ﷺ، لأن كل من خاطبه بهذه الخطابة لم يسلم منهم أحد، وكذا الذين خَاطَبَهُم بقوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. وروي أن الوليد بن المغيرة (و) العاصي بن وائل والأسود [بن المطلب، وأمية بن) خلف لقوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، [هلم]، فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، ونشركك في [أمرنا] كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما في أيدينا كنا قد (شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يديك كنت) قد شركتنا في [أمرنا] وأخذت بحظك منه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها. قوله ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أي: لكم دينكم فلا تتركونه أبداً، لأن الله قد قضى (عليكم) ألا تنتقلوا منه وأنتم تموتون عليه، ولي دين لا أتركه أبداً لما (قد) قدر الله علي فيه، فعليه أموت.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.