الباحث القرآني

قوله: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾: المعنى: أنهم قالوا له: ما نراك إلا آدمياً مثلنا في الخلق. فأنكروا أن يرسل الله عز وجل، بشراً إلى الخلق، ثم قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي: السفلة، دون الأكابر. وقيل: هم الفقراء، وقيل: هم الخسيسو الصناعات. وروي في الحديث أنهم كانوا حاكة، وحجامين. ولا يقال رجل أرذل، ولا امرأة رذلاء حتى تدخل الألف واللام، أو يضاف. * * * وقوله: ﴿بَادِيَ ٱلرَّأْيِ﴾ مَنْ همزه جعله من الابتداء، أي: اتبعوك ابتداء، ولو فكروا لم يتبعوك. ومن لم يهمز، جاز أن يكون على تخفيف الهمزة، وجاز أن يكون من بَدَا يَبْدو: إذا ظهر، أي: اتبعوك في ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك. وقيل: المعنى: اتبعوك في ظاهر الرأي، ولو تدبروا لم يتبعوك. وقيل: المعنى: اتبعوك في ظاهر الرأي الذي ترى، وليس تدري باطنهم. ونصبه عند الزجاج على حذف "في" أو على مثل: ﴿وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وقيل: المعنى: أنه نعت لمصدر محذوف، والمعنى "اتباعاً ظاهراً". ثم حكى الله عز وجل، عنهم قالوا لمن آمن بنوح ﷺ: ﴿وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ إذ آمنتم بنوح ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾: أي: في دعوتكم أن الله عز وجل، ابتعث نوحاً رسولاً. وهذا خطاب لنوح، لأنهم به كذبوا، فخرج الخطاب له مخرج خطاب الجميع. قال نوح لقومه: ﴿يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ﴾: أي: على معرفة به، وعلم. ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ﴾: أي: رزقني التوفيق، والنبوءة، والحكمة، فآمنت، وأطعت. ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: أي: عميت عليكم الرحمة، أي: خفيت، فلم تهتدوا لها. والرحمة عند الفراء: الرسالة. ومن شدد فمعناه: "فَعَمَّها" الله عليكم، أي: خفاها. وفي قراءة عبد الله، وأُبَيّ: "فَعَمَّاهَا الله عليكم" وقد أجمع الجميع على التخفيف في "القصص"، ولا يجوز غيره. * * * ثم قال: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ أي: أنآخِذُكُمْ بالدخول في الإسلام على كره منكم، فنلزمكم ما لا تريدون. يقول ﷺ: لا تَفْعَلْ ذلك، بل نكل أمرهم إلى الله، سبحانه قال النحاس: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: أنجبها عليكم. وأنتم لها كارهون. وقيل: معنى ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وقيل: الهاء في ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ للرحمة. وقيل: للبينة. ثم حكى الله عنه أنه قال: ﴿يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً﴾: أي: لا آخذ منكم على نصحي إياكم، ودعائيَ لكم إلى الإيمان ﴿مَالاً﴾: ما أجري في ذلك إلا على الله، هو يجازيني ويثيبني. ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾: أي: لست أطردهم، ولا الذين آمنوا بي. وذلك أنهم سألوه أن يطردهم. قال ابن جريج: قالوا: "إن أحببت أن نتبعك فاطردهم. فقال: لا أطردهم ملاقوا ربهم، فيجازي من طردهم وآذاهم، ويسألهم عن أعمالهم. ثم قال لهم: ﴿وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾: أي: تجهلون ما يجب عليكم من حق الله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.