الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها. أي: خسرت يدا أبي لهب، وقد خسر. فالأول [دعاء] والثاني [خبر]، كما تقول: [أهلكه] الله وقد هلك وفي قراءة عبد الله: "وقد تب" ووقع الإخبار والدعاء عن اليدين على طريق المجاز، والمراد صاحبهما، يدل على ذلك قوله: ﴿وَتَبَّ﴾ ولم يقل: وتبتا. وقيل: هو حقيقة، وذلك أن أبا لهب أراد أن [يرمي] رسول الله ﷺ فمنعه الله من ذلك، ونزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، فالأولى على الحقيقة لليدين، والثانية لأبي لهب، لأنه إذا خسرت يداه فقد خسر هو. (قال ابن زيد: التب: الخسران) قال ابن زيد: قال أبو لهب للنبي ﷺ: وماذا أعطى - يا محمد - إن آمنت بربك؟ قال: كما يعطى المسلمون. قال [فمالي] عليكم فضل! قال: تبًّا وأي شيء [تبتغي]؟ قال: تبا لهذا من دين، (تباً) أن أكون أنا وهؤلاء سواءً، فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، فعلى هذا يكون مجازا، والمراد به عين أبي لهب لاَ يَدَاهُ. وروي أن النبي ﷺ خص عشيرته بالدعوة إذ نزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فجمعهم ودعاهم وأنذرهم، فقال له أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا دعوتنا، فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال ابن عباس: صعد النبي ﷺ ذات يوم [الصفا]، فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن (أخبرتكم) أن العدو [مصبحكم]) أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال [أبو] لهب: تباً لك: ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة وكان اسم أبي لهب: عبد العزى، فذلك ذُكِرَ بكنيته في القرآن. * * * وقوله: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ إن جعلت ما أستفهاما كانت في موضع (نصب) بأغنى، وإن جعلتها نفيا كانت حرفا، وقدَّرْتَ مفعولاً محذوفاً، أي: ما أغنى عنه ماله شيئاً. والمعنى: ما يغني عنه ماله في الآخرة وفي الدنيا إذا جاءه الموت. * * * وقوله: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾، يعني ما اقتنى من الموال والأغراض. وقيل: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ عني به ولده، أي ما أغنى عنه ماله وما ولد. وروى أبو الطفيل أن أولاد أبي لهب جاؤوا يختصمون في البيت، فقام ابن عباس يحجز بينهم (وقد كفّ بصرُهُ)، [فدفعه] بعضهم حتّى وَقَع عَلَى الفِرَاشِ فغَضِبَ وَقَالَ: أَخْرِجُوا عنّي الكَسْبَ الخَبِيثَ. قال مجاهد: "وَمَا كسَبَ ولده". وقيل: معناه: وما كسب من مال وجاه. * * * ثم قال تعالى: ﴿سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ روي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ "سَيُصْلَى" بضم الياء والمعنى: سَيُقَاسِي حرَّ نارٍ ذاتِ توقُّدٍ وتَلَهُّبٍ. يقال: صلَيْتُ بالأمْرِ أَصْلَى: إذَا قاسَيْتَ حَرَّهُ وَشِدَّتَهُ، وَصَلَيْتُهُ: شَوَيْتُهُ وفي الحديث شَاة مَصْلِيَّة أي: مَشْويَّة والمعنى: سيصلى أبو لهب ناراً ذات لهب وامراته، وجاز العطف على المضمر المرفوع، [لأنه قد فرق] بينهما فقام التفريق مقام التأكيد. * * * وقوله: ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ نعت للمرأة وهي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب عَمَّةُ معاوية، نعتت بهذا لأنه قد كان له زوجات غيرها. وقيل: نعتت به على طريق [التخسيس] [لها] عقوبة لأذَاها رسول الله ﷺ. ويجوز أن تكون ﴿وَٱمْرَأَتُهُ﴾ [متبدأ] و ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ نعت، وفي ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر (لامرأة، ويجوز أن يكون ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ خبراً "لامرأة" و ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر ثان، [أو في موضع] الحال. ويجوز أن ترتفع "حمَّالَةُ الحطب" على البدل من [﴿وَٱمْرَأَتُهُ﴾ وتكون (بمعنى) الخبر ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ الجملة إن جعلت ﴿وَٱمْرَأَتُهُ﴾ [مبتدأ]. ويجوز أن يكون ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ نكرة [يراد] به الاستقبال على ما سنذكره من قول المفسرين في معناه. ويجوز أن يكون معرفة يراد به الماضي على ما سنذكره من قول المفسرين. فإن جعلت "المرأة" عطفاً على المضمر في ﴿سَيَصْلَىٰ﴾ كان ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ في موضع الحال من المرأة. ومن [نصب] (حمَّالة) [نصبه] على الذم. قال ابن عباس: كانت تحمل الشوك فتجره على طريق النبي ﷺ ليعقره وأصحابه، فذلك نعتت "بحمالة الحطب". وهو قول الضحاك وابن زيد. وقال عكرمة: "كانت تمشي بالنميمة". وعن مجاهد مثله، وقاله قتادة. [وقيل إن ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ تمثيل لأذاها رسول الله ﷺ، والعرب تقول: فلان] يحطب على فلان، أي [يُغْري به] [وَيُؤذِيهِ] فشبه الحطب [بالعداوة]. وقيل: معنى ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ أي: [الخطايا و] الذنوب والفواحش، كما يقال: فلان يحطب على نفسه، إذا كان كثير الاكتساب الذنوب. * * * وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ أي: في عنقها، والجيد: العُنُقُ. قال الضحاك: "هو حبل من شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به، [وقاله] ابن عباس. وقال ابن زيد: هي حبال من شجر [ينبت] باليمن يقال لها: مسد. وقيل: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾، أي: "حبل من نار في رقبتها". وقال السدي: المسد: الليف. وقال عروة: "هو سلسلة من حديد ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً". (وقال سفيان: "حبل في عنقها من النار مثل طوق طوله سبعون ذراعاً" وعن مجاهد ﴿مِّن مَّسَدٍ﴾ "من حديد". وقال عكرمة: ﴿مِّن مَّسَدٍ﴾ هي: "[الحدِيدَةُ] التي في وسط البكرة" وروي ذلك أيضا عن مجاهد. وقال قتادة: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾: "[قِلاَدَة]" من ودع. فمن جعل هذا إخبار عما يكون في النار من حالها كانت ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ نكرة لأنه يراد به الاستقبال، فلا يحسن أن يكون صفة لـ ﴿ٱمْرَأَتُهُ﴾. ومن جعله بمعنى قد مضى مثل [مشيها] بالنمائم وحَمْلِها الشوك لطريق رسول الله ﷺ، فـ ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ معرفة يحسن أن [تكون] صفة لـ ﴿ٱمْرَأَتُهُ﴾. والوقف في هذه السورة على مقدار ما تَقَّدَّرَ مما تَقَدَّمَ ذكره من النعت والخبر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.