الباحث القرآني

قوله: (﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ (نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾ - إلى قوله - ﴿بِعَالِمِينَ﴾ المعنى: وقال يوسف للذي علم أنه ناج) من الفتيين: اذكرني عند سيدك، وهو الملك الأعظم. وأعلمه بمظلمتي وأني محبوس بغير جرم. وقيل: المعنى: اذكر ما رأيته مني من العلم بعبارة الرؤيا، وبحالـ(ـي) في العلم عند الملك. * * * قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، أي: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف للملك. فالهاءان للساقي، بدلالة قوله: ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: تذكَّر الساقي ما قاله له يوسف بعد حين، يدل على أن النسيان كان من الساقي: أنساه الله عز وجل، أن يذكر يوسف عليه السلام. وقيل: المعنى أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه عز وجل فالهاءان ليوسف: أي: أنسى يوسُفَ الشيطان أن يرجع إلى ربه، ويسأله خلاصة، ويرد أمره إلى الله عز وجل ورجع إلى سؤال أحد الفتيين أن يذكره عند الملك، فلبث في السجن عقوبةً بضع سنين. (قال النبي ﷺ: لولا كلمةُ يوسف، ما لبث في السجن ما لبث): يعني قوله: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾: أي: عند سيدك. قال ابن دينار لما قال يوسف للساقي: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾. قيل: يا يوسف اتخذ[ت] من دوني وكيلاً، لاطيلنَّ حبسك. فبكى يوسف، وقال: يا رب: أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمةً فويل لإخوتي. ويروى أن يوسف لما قال لصاحب الشراب: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أتاه جبريل عليه السلام فعاتبه، وخرق له بجناحه سبع أرضين، إلى منتهى الصخرة التي عليها الأرض، وقوَّى الله، عز وجل، بصر يوسف، حتى نظر إلى نملة، على الصخرة تجر حبة. فقال جبريل: يا يوسف لم يغفل ربك عن هذه النملة ورزقها، فكيف يغفل عنك، وأنت في السجن، حتى تشكو إلى صاحب الشراب، وتأمُرهُ بذكرك، وبذكر عذرك عند سيده. قال: فأخذ يوسف التراب فملأ به فمه، ورأسه، وقال: إلَهي! أسألك بوجه أبي وجدي - قال مجاهد -: فلم يذكره الساقي حتى رأى الملك الرؤيا. قال قتادة: لبث في السجن سبع سنين. قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فَحَوَّلَ في السباع سبع سنين وكذلك قال ابن جريج. "والبضع": ما بين الثلاث إلى التسع. وقال الأخفش: هو من واحد إلى عشر. قال قُطْرُبْ: هو ما بين الثلاث والسبع. وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى الأربعة. (قال الحسن ذكر لنا أن النبي، ﷺ، قال: لولا كلمة يوسف حيث يقول: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، ما لبث في السجن طول ما لبث. قال ابن عباس: عوقب بقوله للساقي: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ فطال سجنه. وروي أن يوسف، عليه السلام، لما قال له: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أوحى الله إلى الأرض أن النفرجـ(ـي) لعبدي يوسف. فانفرجت له. فقيل له: ما ترى؟ فقال: أرى أرضاً، وأرى ذرةً معها طعم لها. قال: فقال: يا يوسف! ألم (أغفل) عن هذه في هذا الموضع، وأغفل عنك لتَلْبَثَنَّ في السجن بضع سنين. * * * وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ (سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ)﴾: وهو ملك مصر (ا)لأعظم. والمعنى: (إني) أرى في منامي سبع بقرات سمان ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ فلم يكن عند الملك من يعبر ذلك، وقالوا له: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: أي: هي أضغاث. ووقع في نفسه أنها رؤيا كائنة (لا بد) من ذلك. ومعنى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: (أي: أخلاط أحلام) كاذبة. ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ﴾ الكاذبة ﴿بِعَالِمِينَ﴾: وتقديره: وما نحن بعالمين بتأويل الأحلام والأضغاث. (والباء) في ﴿بِعَالِمِينَ﴾: لتأكيد النفي، (و "الباء" في ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ للتعدية، متعلقة بعالمين) ففي الكلام تقديم وتأخير.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.