الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ﴾ - إلى قوله - ﴿لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ﴾. (المعنى): أن الملك لما أعلمه الرسول بتأويل رؤياه، علم أنه حق. وقال: ﴿ٱئْتُونِي بِهِ﴾. فلما جاء يوسف الرسول يدعوه إلى الملك، قال [له] يوسف: ارجع إلى سيدك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. وأبى يوسف أن يخرج حتى يعلم صحة أمره. ولم يذكر امرأة العزيز فيهن: حُسْنَ عشرة منه، صلى الله عليه (وسلم)، خلطها بالنسوة، وأخبر عن الجميع. (قال النبي ﷺ: رحم الله يوسف، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إلي لخرجت سريعاً. إن كان لحليماً، ذا أناة (وقال ﷺ: لقد عجبت من يوسف، وصبره، وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات: لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول لو كنت مكانه لبادرتهم الباب ). قوله: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ إنما خاطبهن لأنهن قلن ليوسف إذ رأينه: وما عليك أن تفعل، فراودنه عن نفسه. وقيل: إنه خاطبهن من أجل أن امرأة العزيز فيهن، فجعل الخطاب للجميع، والمراد واحدةٌ منهن. ودليل هذا جوابها وحدها، إذ حكاه الله، عز وجل، عنها فقال: ﴿قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾. وقيل: إنما خاطبهن كلهن، لأن يوسف لما قال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ظن الملك أنهن كذبن وراودنه، فسألهن عن ذلك، فجاوبته امرأة العزيز، وأقرت أنها هي الفاعلة. وقيل: إنما جمعهن في الخطاب، لأنهن قلن: ﴿ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ وأشعن ذلك فقيل لهن: هل علمتنَّ ذنبه؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ﴾ فعند ذلك، أقرت امرأة العزيز أنها هي راودته عن نفسه. فرجع الرسول، فقال ذلك للملك فأحضر الملك النسوة. والكلام دل على الحذف. * * * ومعنى ﴿حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾: تبين وظهر وانكشف، فقالت: ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ وذلك أنها اضطرت إلى أن تبلغ مراد الملك في صرف الإبهام عنه بالرؤيا التي شغلت قلبه، فبرأت يوسف ليصح صدقه عند الملك، ويعلم أن ما أفتى في الرؤيا حق، فتعطفه عليه. وحصحص مأخوذ من الحصة، أي: بانت حصة الحق من حصة الباطل. وأصله "حصص"، ثم أبدل من الصاد الثانية حاءً، كما قال: ﴿فَكُبْكِبُواْ﴾ [الشعراء: ٩٤]، والأصل "كذبوا"، وقيل: كبكب، والأصل "كبب" ورَدْرَدَ والأصل ردَّد. * * * وقوله: ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ هذا من قول يوسف عليه السلام أي: قال: فعلت ذلك من ردي الرسول إليه، وتركي إجابته، والخروج إليه حتى يسأل النسوة، فيعلم الملك أني لم أذكره بسوء في الغيب. (وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أذكره بسوء في الغيب). وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته، وهو غائب (ويصح) ذلك عنده. وقد قيل: إنه من كلام المرأة كله لتقديم كلامها. لذلك قال ابن جريج: (هذا) متصل بما قبله، وفي الكلام تقديم وتأخير. والمعنى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِ(هِنَّ) عَلِيمٌ﴾. ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾. فعلى هذا يكون يوسف قاله وهو في السجن. وعلى قول ابن عباس، وغيره إنما قاله (بعد أن خرج، فلا تقديم في الكلام، ولا تأخير. ولما قال يوسف ذلك قال له) جبريل، عليه السلام: ولا حين هممت؟ فقال يوسف: ﴿مَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ﴾. قاله ابن عباس، وابن جبير. وقال السدي: امرأة العزيز هي التي قالت له: ولا حين هممت، فحللت السراويل فقال: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ﴾. وقيل: إنه من قول يوسف، وذلك أنه تذكر ما مضى. فقال ذلك معتذراً لمليكه. وذكر ابن لهيعة: أن امرأة العزيز لما اشتدت عليها الحاجة، (والمسغبة) أرادت الدخول على يوسف لتشكو إليه حاجتها، وإعوازها، فقال لها أهلها وقومها: لا تفعلي، لأنا نخاف عليك، لأنه قد كان منك الذي كان، فقالت: كلا إني لا أخاف ممن يخاف الله، ويتقيه. فدخلت عليه، وقامت بين يديه، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وأشارت إليه، ثم قالت: والحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، وأشارت إلى نفسها. (قال): ثم تزوجها يوسف، عليه السلام، فأصابها بكراً، فقال لها: أليس هذا أحسن مما كنت أردتيه مني؟ قالت له: إني كنت قد ابتليت منك بأربع خصال: (كنت) أنت أجمل الناس، وكنت أنا أجمل النساء في دهري، وكان زوجي عنيناً، وكنت بكراً حَدِثة السن قال: فأولدها يوسف، ﷺ فأول ولد ولدته ابنة سماها "رحمة" وهي امرأة أيوب، عليهما السلام. ويروى أن امرأة العزيز دخلت على يوسف، (ﷺ)، وقد ملك مصر، فقالت له: بالذي رفع العبيد بطاعتهم، ووضع الملوك بمعصيتهم، فتصدق عليها يوسف، وتزوجها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.