الباحث القرآني

قوله: ﴿يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾، المعنى: أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (الـ)ـموضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف. ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: "لا تقنطوا من أن يُرَوّحَ الله عنا ما نحن فيه من الحزن. ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون. قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله. قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه. وروى ابن لهيعة "يرفعه إلى" (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتاباً إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه برداً)، وسلاماً، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه به. وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إليّ، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحنى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك في السرقة. وإني أخبرك: إني لم أَسْرِقْ، ولم أَلِدْ، سَارِقاً، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك. وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام. قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاءً شديداً، وصاح بأعلى صوته: ﴿ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]: فكان البشير إليهم يهوذ[ا] ابن يعقوب. وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولان قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه. * * * قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾. وفي الكلام حذف. والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: الممتنع: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ﴾: من الشدة، والجدب. فخضعوا له،. وتواضعوا. قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز لهم فيها، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة. قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف. وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير. "مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. والبطم: هو الحبة الخضراء. ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع. وقيل: أتوا بالسمن، والصوف. وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر. وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي: يدافع وعن مالك رضي الله عنه أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج (مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾. * * * ثم قال: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي تفضل علينا، ما بين الجياد والرديئة. وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ﴾: أي: يثيب المتفضلين. وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالاً، ثم حرمت على النبي محمد ﷺ. وقيل: كـ(ـانت) حراماً على جميع الأنبياء. (وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها. وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج. قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف على يوسف. وكان أكبرهم إذا غضب قامت شعرةٌ (من عنده)، وانبعثت دماً فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعثت الشعرة دماً، أمر يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرى، فعند ذلك تعارفوا. قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكلام، فقالوا: ﴿تَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ غلبته نفسه، فارفضَّ دمعه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون. وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: ﴿أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ (ٱللَّهَ) وَيَِصْبِرْ﴾: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن. قال ابن إسحاق: لما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾. كشف لهم عن الخطأ فعرفوه. ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا﴾: أي: فضلك بالعلم والحلم. وما كنا في فعلنا إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالماً [بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئاً، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم يوسف: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو والصفح. ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: ﴿ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ على الدعاء، وعند نافع وغيره: ﴿عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ﴾: التمام. وهو أحسن وأبين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.