الباحث القرآني

قوله: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِن وَالٍ﴾ قوله: سواء منكم، [هو مصدر]، مرفوع لأنه خبر ابتداء مقدم، ومن في الموضعين رفع بالابتداء، (لأن) "سواء" يطلب اسمين، و "من" الثانية مرفوعة بالابتداء أيضاً، والتقدير: وسواء، كما تقول: رجل عدل، أي: ذو عدل، وتقول: سواء زيد وعمرو، أي: ذو سواء، زيد، وعمرو. إنما احتجت إلى هذا الإضمار، لأن سواء مصدر ولا يرتفع، إذا كان الاسم بعده إلا على حذف، لأن الخبر ليس هو الابتداء، إلا أن تضمر، فيكون الخبر هو الابتداء في المعنى، ويكون فيه ذكر يعود على الابتداء، وهذا في الحذف كما قالت الخنساء: "فإنما هي إقبال وإدبار: أي: ذات إقبال وإدبار. وإن كان في موضع هذا المصدر اسم فاعل، لم يحتج إلى إضمار لأنه يكون هو الاسم المبتدأ، وليس المصدر هو الاسم المبتدأ. وقد كثر استعمالهم "لسواء"، حتى جرى مجرى أسماء الفاعلين، ويجوز أن يرتفع "سواء" على أن يكون في موضع "مستوٍ". ويكون أيضاً خبراًَ مقدماً، كالأول، لكن يكون هو الابتداء (في) المعنى: فيستغنى (عند سيبويه)، عن الإضمار، وقبيح عند سيبويه أن يكون مبتدأ، لأن النكرات لا يبتدأ بها، وإن كانت اسماً لفاعلين لضعفها عن الفعل. وقد جمعوا "سواء" على "أسوأ" قال الشاعر: ؎ ترى القوم أسواء إذا جلسوا معاً ∗∗∗ وفي القوم زيفٌ مثل زيف الدراهم ومعنى الآية: معتدل منكم عند الله عز وجل، أيها الناس: الذي أسرّ القول، والذي جهر به، والذي يستخفي بالليل، وبظلمته بمعصية الله (سبحانه)، والذي يظهر بالنهار في المعصية، وفي غيرها. كل ذلك عند الله (سبحانه) سواء لا يخفى عليه منه شيء. ويقال: هو آمن في سِربه، وسَربه، بالفتح والكسر. والسارب في الآية: الظاهر وقيل: السارب المستخفي، من قولهم: انسرب الوحش: إذا دخل كناسَهُ، قالـ(ـه) قطرب. وأكثر الناس على أن السارب: الظاهر، لأنه عديل المستخفي المتواري، والسارب: الظاهر. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ - الآية: قيل المعنى (لله عز وجل) معقبات، وهي الملائكة تتعاقب على ابن آدم بالليل والنهار. فالهاء في "له" لله، والهاء في "يديه" و "خلفه: للمستخفي بالليل، والسارب بالنهار. وقيل: الهاء في "له" تعود على "من" وهو المستخفي. ومعنى: من خلفه: "من وراء ظهره". وروي أن عثمان بن عفان: رضي الله عنه، سأل النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العبد كم معه ملكاً. فقال النبي ﷺ: ملك على يمينك على حسناتك، وهو أمين على الذي على شمالك. فإذا فعلت حسنة كتب عشراً. (و) إذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: اكتب، فيقول له: لعله يستغفر الله، ويتوب. فإذا لم يتب منها، قال: نعم اكتب أراحنا الله منه، فبئس القرين ما أقل مراقبته لله عز وجل، وأقل استحياء! يقول الله (تعالى): ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، ومَلَكان من بين يديك، ومن خلفك. يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾ وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي (محمد) ﷺ. وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك: فهؤلاء عشرة أملاك، على كل آدمي ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل ينيبون ملائكة النهار. فهؤلاء عشرون ملكـ[ـاً] على كل آدمي، وإبليس بالنهار، وولده بالليل. ورُوي أنهم يجتمعون عند صلاة العصر، وصلاة الصبح. وعن ابن عباس، وعكرمة: أن المعقبات (هنا): الحرس الذين يتعاقبون على الأمراء من بين أيديهم ومن خلفهم. قال الضحاك: هو السلطان يتحرس من الله (سبحانه). وقال عكرمة: هي المواكب بين يدي الأمراء وخلفهم. فتكون الهاء في "له" على هذا التأويل "لمن". وهو المستخفي بالليل، والسارب بالنهار. فوصفه الله (عز وجل)، أنه قد جعل لنفسه حرساً يحفظونه من حدوث أمر الله به، لجهله بالله (سبحانه). وإن ذلك لا يرد عنه شيئاً. وهذا القول اختيار الطبري: أن تكون المعقبات الحرس، والأعوان مع الأمراء، لأن "له" أقرب من ذكر المستخفي منه من ذكر الكبير المتعال. ويدل على صحة هذا المعنى قوله بعد ذلك: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ﴾: أي: ليس ينفع هذا المذكور حرسه، وتعاقبهم عليه. ولا يرد ذلك عنه أمر الله (سبحانه) وقدره إذا أتاه. فالمعنى على هذا: أن الله، عز وجل، ذكر أن أهل معصيته يستخفون بالمعاصي بالليل، ويظهرون بالنهار، ويتمنعون عند أنفسهم بالحرس، تحرسهم، وتتعاقب عليهم. ثم أخبرنا تعالى جل ذكره، أنه إذا أراد بهم سوءاً، وعقوبة لم ينفعهم حرسهم شيئاً. واختار النحاس القول الأول، وهو أن يكون (المعقبات): (الملائكة) على ما تقدم ذكره، واحتج فيه (بما) رواه أبو هريرة من حديث مالك بن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ، قال: "لله ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل والنهار" الحديث. ومن جعل (المعقبات) ملائكة كان قوله من أمر الله على وجهين: أحدهما: أن تكون "من" بمعنى الباء، أي: يحفظونه بأمر الله لهم أن يحفظوه حتى يأتيه ما قدر عليه، فلا ينفع حفظهم إياه من قدر الله (سبحانه) إذا جاءهم (وهو) قول ابن جبير. والثاني: أن يكون المعنى له معقبات من أمر الله: من بين يديه ومن خلفه، أي: المعقبات ﴿مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾ هي: ﴿يَدَيْهِ﴾، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج. فتكون "من" متعلقة "بمعقبات"، وهي لبيان الجنس. وعلى القول الأول: "من" بمعنى الباء، وهي متعلقة بـ "يحفظونه": أي: حفظهم له بأمر الله كان، وإنما يحفظونه مما لم يقدر عليه. وقيل: أمر الله هنا: الجن، أي: يحفظونه من الجن. فتكون "من" على بابها متعلقة بالحفظ. ومن جعل "المعقبات" حرس الملوك، وأعوانهم، كانت "من" على بابها متعلقة بـ "يحفظونه". والمعنى: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ من قدر الله على قولهم، وظنهم، ولا ينفع ذلك لأن الله إذا أراد بقوم سوءاً فلا مرد له. قال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام. فما يأتيه منها شيء إلا قال له: وراءك. وقال ابن جريج: معنى من أمر الله: أي: يحفظون عليه عمله، وتقديره: له ملائكة، تتعاقب عليه من أمر الله، هي: تحفظ عمله فيه. فحذف العمل، واتصل المضاف إليه (بـ)ـيحفظونه مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي﴾ [يوسف: ٨٢]، ومثل: ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]: أي: وعقابه واقع بهم، فحذف العقاب، وقامت الهاء مقامه، فقام ضمير مرفوع، لأن المحذوف مرفوعاً كان. وقال الحسن: المعنى: يحفظونه عن أمر الله، "فمن" بمعنى: "عن"، والمعنى: حفظهم إياه عن أمر الله، كان، لا من عند أنفسهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله - ﴿وَالٍ﴾: الهاء في قوله: ﴿فَلاَ مَرَدَّ لَهُ﴾ تعود على السوء، وقيل: على الفرد، وقيل: تعود على الله. أي لا مرد (لله سبحانه: أي: لا راد له عن مراده. والمعنى: إن الله، (عز وجل) لا يغير ما بإنسان من نقمة، وكراهة ابتدأه بها، حتى يغير ما بنفسه من ظلمه، وتعديه، وتركه ما أمر به. فإذا غير وقعت به العقوبة. وقيل: المعنى: أن الله لا يغير ما بقوم مؤمنين صالحين، فيسميهم كافرين إلا أن يفعلوا ما يـ(و)جب ذلك. ويروى أن هذه الآيات ﴿سُوۤءًا فَلاَ﴾ - وما بعده - نزَلن في عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وذلك أن وفد بني عامر قدموا على النبي ﷺ، وفيهم عامر (بن الطفيل)، وأربد بن قيس. وكان في نفس عامر الغدر برسول الله ﷺ. وكان من رؤساء قومه فقال عامر لأربد: إذا قدمنا على الرجل، فإني شاغل عنك وجهه. فإذا فعلت ذلك فَاعْلُهُ بالسيف. فلما قدموا على النبي ﷺ، قال عامر: يا محمد خالني، قال النبي ﷺ: لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له، فكرر عامر على النبي ذلك، والنبي يقول له: حتى تؤمن بالله وحده لا (شريك) له، وعامر ينتظر من أربد ما كان أمر به، وجعل أربد لا يجيز شيئاً. فلما رأى عامر أربد لا يفعل شيئاً، وأبى النبي ﷺ، أن يخاليه، قال: (النبي) عليه السلام: والله لأملأنها عليك خيلاً ورجلاً، فلما ولى (من عند) النبي ﷺ. قال عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين ما كنت أمرتك به. والله ما كان على وجه الأرض رجل أخوف عندي منك على نفسي منك: وأيم الله (لا أخافك بعد اليوم أبداً. قال له أربد: ويلك لا تعجل علي وأيم الله) ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبينه حتى ما أرى غيرك، فأضربك بالسيف. فخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله (عز وجل) على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فمات في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر! أغُدَّةً كَغُدَةٍ البعير، وموتاً في بيت امرأة من بني سلول، ثم خرج أصحابه بعده حتى قدموا أرض بني عامر، فأتاهم قومهم، فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا (شيء) لله! لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء، لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج أربد بعد مقالته هذه بيوم، أو يومين، معه جمل له يبيعه، فأرسل الله (عز وجل) عليه صاعقة، فأحرقته وجمله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.