الباحث القرآني

قوله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ﴾ - إلى قوله - ﴿يَعْقِلُونَ﴾: المعنى: أن الله، جل ذكره، دلهم بعد أن بين آية السماوات والأرض، أنه هو بسط الأرض طولاً وعرضاً. قيل: إنها كانت مدورة فمدت. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾ ثابتة: أي: جبالاً، والرواسي جمع راسية، وهي الثابتة، وجعل فيها أنهاراً للسقي، والشرب، والعسل، وغير ذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾: أي: نوعين، والزوج: الواحد الذي له قرين، والزوج: الصنف، والنوع. وقال أبو عبيدة، والفراء: والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى من كل صنف، وهذا خلاف ظاهر النص، لأنه تعالى إنما ذكر الثمرات، ولم يذكر الحيوان. فالمعنى: من كل الثمرات جعل صنفين حلواً وحامضاً، وأحمر وأبيض، ونحو ذلك ودليله قوله: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ﴾ [يس: ٣٦] أي: خلق الأصناف كلها من نبات الأرض ومن غيرها. * * * ثم قال: ﴿يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ﴾: أي: يلبس الليل النهار، فذلك كله فيه: آية لمن تفكر فيه، واعتبر، فعلم أن العبادة لا تصلح إلا لمن خلق هذه الأشياء، ودبرها، دون أن يملك ضراً، ولا نفعاً. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ الآية والمعنى: وفي الأرض قطع متدانيات، وتتـ[فـ]ـاضل في النبات، فمنها قطعة سبخة، لا تنبت شيئاً، وتجاورها قطعة طيبة تنبت. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. وقيل المعنى: وفي الأرض أمكنة متجاورة تسقى كلها بماء واحد، وهي مختلفة. طعام النبات والثمر: بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها مُرٌّ، وبعضها سباخ لا تنبت شيئاً. ففي ذلك مع اتفاق شرب جميعها من ماء واحد، دلالة على نفاذ قدرة الله (تعالى)، وتعظيم سلطانه، و [بـ]ـدائع تركيباته سبحانه. وقيل: في (الـ)ـكلام حذف، والمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، ثم حذف لعلم السامع. وقيل: المتجاورات: المدن، وما كان عامراً، والتي غير متجاورات: الصحاري، وما كان غير عامر. وقوله (﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: معنى صنوان: النخلة، والنخلتان، والثلاث، والأربع أصلهن واحد)، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلة، والنخلتان، والأكثر كل واحدة في أصل متفرق، قاله البراء بن عازب. وقال ابن عباس: معنى: الصنوان: النخلة التي يخرج من أصلها النخلات، فيحمل بعضه، ولا يحمل البعض. فيكون أصله واحداً، ورؤوسه متفرقة. ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: كل واحدة من النخل في أصل واحد. ومعنى الآية عند الحسن، (رحمة الله عليه)، أنه مثل ضربه الله [تعالى] لقلوب بني آدم، وذلك أن الأرض كانت في يد الرحمن طينة واحدة، فبسطها، وبطحها فصارت قط[ـعاً] متجاورات. فينزل عليها الماء، فتخرج هذه زهرتها، وثمرتها، وشجرها، وتخرج هذه ملحها، وسبخها، وخبثها: وكلتاهما تسقى بماء واحد. فلو اختلفـ(ـت) مياهها لقيل: إنما وقع الاختلاف لأجل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم. وينزل عليهم من السماء ماءاً: يذكرهم فترق قلوب، وتخشع قلوب وتخضع، وتقسو قلوب، وتلهو وتسهو. قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحدٌ، إلا قام من عنده بزيادة، أو نقصان. دليله قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾ [الإسراء: ٨٢]. قال أبو محمد، رضي الله عنه، هذه الآية نبه الله تعالى (فيها على) قدرته وحكمته، وأنه المدير للأشياء كلها. وذلك أن الشجرة تخرج أغصانها، وثمارها في وقت معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتجاوزه. فدل ذلك على مدبر فعل ذلك. إذ لا يقدر الشجر على ذلك، ثم يتصعد الماء في ذلك الوقت علواً علواً، وليس من طبعه إلا التسفل. فدل ذلك على مصعد صعَّده، إذ لا يقدر الماء والشجر على ذلك، ثم يتفرق ذلك الماء في الورق والأغصان، والثمرة كل بقسطه، وبقدر ما فيه صلاحه، فدل ذلك على مقسم قسَّمة، ومجزئ جزأه على العدل والقوام. ثم تختلف طعوم الثمرات والماء واحد. والشجر جنس واحد. فدل ذلك على مدبر (دبر) ذلك، وأحكمه لا يشبه المخلوقات: فهذا وأشباهه يدل على توحيد الخالق بالعقول، وإفراده بالقدرة على كل شيء وبالحكمة واللطف في أفعاله بالرسل. إنما أكدت هذا الذي هو ظاهر للعقول من إيجاب التوحيد، وإثبات الصانع ما بينت الرسل من الشرائع. وكل القراء كسر الصاد من "صِنوان"، إلا ما رواه (أ)بو شعيب: عن حفص، (عن عاصم) أنه قرأ بضم الصاد فيهما. وهي لغة (بني) تميم، وقيس. والكسر لغة أهل الحجاز، وواحده صِنْوٌ كقنوان، واحدهُ. قِنْوٌ، ونِسوانٌ: واحده نِسْوةٌ، ولا يعتد بالهاء. وحكى سيبويه "قُنْوان" بالضم. * * * ثم قال تعالى: ﴿يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ﴾: (أي: يسقى ذلك بماء واحد) من السماء، (و) بعضها يَفْضُلُ بعضاً في الأكل: كالحلو، والحامض، والمر. قال ابن جبير: هي الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثري، والعنب الأبيض، والأسود، ويكون بعضها أكثر في الحمل من بعض. والأكل: الثمر الذي يؤكل. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أي: (إن) في اختلاف مطاعم هذه الشجر على ما تقدم وصفه لآيات: لعلامات لقوم يعقلون فيستدلون على أن الذي خالف بين هذه الشجر في الطعم والماء واحد، والأرض واحدة: لهو الذي يقدر على مخالفة أحوال خلقه، فيقسم لهذا هداية، ولهذا ضلالة، وتوفيقاً لهذا، وخذلاناً لهذا. ولو شاء لَسَوَّى بين (جميع) طعم ثمر الشجر كله. كذلك لو شاء [الله] لسوى بين جميع الخلق في الهداية، أو في الضلالة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.