الباحث القرآني

[و] هي مكية: * * * قوله: ﴿الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾. قد تقدم ذكر ﴿الۤر﴾ وشبهها. والمعنى: هذه تلك، أي: هذه الآيات ﴿آيَاتُ ٱلْكِتَابِ﴾ أي: آيات الكتب التي كانت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل. قالـ[ـه]: مجاهد وقتادة. ﴿وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وآيات قرآن مبين لمن تدبره وتأمله. * * * ثم قال تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أصل "رب" أن تدخل على النكرات، وأن تكون في صدر الكلام لمضارعتها "كم". لأنها للتقليل كما أن "كم" للتكثير ولمضارعتها "لا" لأنها للتقليل، والتقليل أقرب شيء من النفي. ومن أجل كونها للتقليل لزمتها النكرة. وموضع "رب" وما عملت فيه، نصب [يتعدى] الفعل الذي بعدها، كما تقول: مررت بزيد: فزيد في موضع نصب. ولذلك لم يؤت لها بخبر، كما يأتي لكم. والفعل: الذي يتعلق به محذوف - وربما ظهر - وكل حرف جر فإنما يتعلق بما قبله إلا رب فإنها [تـ]ـتعلق بما بعدها لأن لها صدر الكلام. وإذا دخلت عليها "ما" كفتها عن العمل ووقعت الأفعال الماضية بعدها، تقول: ربما قام زيد، وربما جلس عمرو. فإن وقعت الأسماء بعدها، جاز عملها، ولغوها تقول: ربما رجل رأيت. ويلزم النكرة التي تدخل "رب" عليها النعت. فإن وقع بعدها مستقبل فعلى إضمار "كان" تقول: ربما يقوم زيد. تقديره ربما: كان يقوم زيد. فأما قوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وإنما جاز وقوع المستقبل بعدها في هذه [الآية] لأنه أمر واقع لا محالة، فصار بمنزلة الماضي الذي [قد] كان [ووقع]. فإن قلت "رب رجل سيقوم" أو "ليقومن" لم يجز إلا أن تريد أنه يوصف بذلك. وإذا اتصل بربما مجهول انتصب ما بعدها على التفسير. ولا يثنى ذلك المجهول ولا يجمع ولا يؤنث عند البصريين. وأجاز ذلك الكوفيون. والمضمر الذي يتصل برب في تأويل نكرة ولفظه لفظ معرفة. وإنما كان نكرة لأنك لم تقصد به إلى مذكور بعينه تقدم ذكره، وإنما أظهر على شريطة التفسير بعده. ولا موضع "لما" في ربما لأنها زائدة. وأجاز الأخفش أن تكون "ما" نكرة في موضع خفض "برب" كأنه قال: ورب شيء، أو: رب: وَدَّ. ومعنى الآية: ربما تمنى الذين كفروا لو كانوا في الدنيا مسلمين. وذلك في قول: ابن عباس، وأنس، حين يرى المشركون المسلمين من أهل الخطايا يخرجون من النار بإيمانهم. فيود عند ذلك المشركون لو كانوا مسلمين فيخرجون كما خرج هؤلاء المسلمون. وذكر ابن عباس: أنه إذا اجتمع المشركون وأهل الذنوب من المسلمين في النار قال المشركون للمسلمين: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، قد اجتمعنا وإياكم. فيغضب الله عز وجل للمسلمين فيخرجهم بفضل رحمته فيقول المشركون عند ذلك ليتنا كنا مسلمين. وفي حديث ابن وهب: "... فيغضب الله لهم فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا، قال: فيشفعون لهم. فيخرجون حتى إنَّ إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم". وقال مجاهد عن ابن عباس: يدخل الله المؤمنين الجنة حتى يقول في آخر ذلك: من كان مسلماً فليدخل الجنة. فعند ذلك يتمنى المشركون لو كانوا مسلمين. وقيل: إن ذلك يكون من الكافر إذا عاين القيامة. وقيل: يكون منه ذلك التمني إذا عاين الموت. * * * ثم قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ﴾. معنى ذلك: التهديد والوعيد للمشركين. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾. أي: ما أهلكنا من أهل قرية من الأمم الماضية، إلا ولها أجل مؤقت و مدة [معلومة] لا يهلكهم الله حتى يبلغوها. وكذلك أهل قريتك يا محمد، وهي مكة، لا يهلكهم الله حتى يبلغوها. أي: بعد بلوغهم مدتهم لا يتقدمون عن ذلك ولا يستأخرون. وقال بعض أهل المعاني: "سبقت" و "استأخرت" مع الأشخاص معناها: غير معناها مع غير الأشخاص. تقول: سبقت فلانـ[ـاً] تجاوزته. واستأخرت عنه فأتى، وتأخرت عنه. وتقول: سبقت الهلال: قصرت عن بلوغه. واستأخرت الهلال جزته. فمعنى [قوله] ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ لا تقصر عنه. ومعنى "وما يستأخرون" لا يتجاوزونه فيزيدون عليه. روى ابن مسعود أن النبي ﷺ [قال: أن] خلق أحدكم يجمع في بطن أمه في أربعين ليلة. ثم يكون علقة مثل ذلك. ثم يكون مضغة مثل ذلك. ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات. فيكتب أجله، وعمله، ورزقه، وشقي [هو] أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح. فإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبين [الجنة] إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.