الباحث القرآني

قال تبارك وتعالى: ﴿فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. معناه، بلغ ما أرسلت به إليهم، قاله ابن زيد. وقال ابن عباس: معناه افعل ما تؤمر وامضه. وعنه: أعلن بالقرآن، قال: وكان نبي الله اكتتم مخافة [قومه] سنتين فأمره الله أن [يصدع] بما يؤمر أي: يعلن به ويظهره وأن يعرض عن المشركين ثم نسخ ذلك وأمره بقتالهم وقال ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. وقال مجاهد: المعنى: اجهر بالقرآن في الصلاة. قال عبد الله بن عبيد: لم يزل النبي [ﷺ] بمكة مستخفياً حتى نزلت: ﴿فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ فخرج هو [و]أصحابه. وقال الزجاج: معناه: ابنِ ما تؤمر به وأظهره، مشتق من الصديع وهو الصبح. وقال المبرد: [معناه]: اصدع الباطل بما تؤمر: أي: افرق بين الحق والباطل بهذا القرآن وبينه. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا. ومنه صداع الرأس وتصدعت الزجاجة تفرقت أجزاؤها. وفاء الفعل مصدر عند البصريين، فلذلك لم يقل: "بما تؤمر به". وتقديره: فاصدع بأمرنا، وهو القرآن. وقال الكسائي: "ما" بمعنى: الذي. والتقدير بما تؤمر به، ثم حذفت: "به". فأما قوله ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ فهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال ثم، أمر بالقتال فنسخه الأمر بالقتال، قاله: ابن عباس والضحاك. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ * ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ﴾. المستهزؤون: في قول ابن عباس، وهم الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وهو ابن خال رسول الله ﷺ والأسود بن المطلب، وأبو زمعة الحرث بن عيطلة كانوا يهزؤون بالنبي عليه السلام. وعن ابن عباس: أنهم خمسة، ولم يذكر الحرث بن عيطلة، كانوا يهزؤون بالنبي عليه السلام. فروي أنهم مروا، رجلاً [رجلاً] على النبي ﷺ ومعه جبريل عليه السلام، فإذا مر رجل منهم قال [له] جبريل: كيف تجد هذا؟ فيقول النبي: بئس عبد الله، فيقول له جبريل: كفيناكه. فهلك الخمسة بأمر الله [عز وجل] ونصره لنبيه [ﷺ]: أما الوليد بن المغيرة فإنه تردى بردائه فتعلق سهم بردائه فقعد يحله فقطع أكحله فنزف فمات. وأما الأسود بن عبد يغوث فأتى بغصن فيه شوك فضرب به وجهه فسالت حدقتاه على وجهه. فكان يقول: دعوت على محمد [دعوة] ودعا علي دعوة، فاستجيب لي، واستجيب له: دعا علي أن أعمى، فعميت. ودعوت عليه: أن يكون وحيداً فريداً في أهل يثرب فكان ذلك. وأما العاصي بن وائل فوطئ شوكة فتساقط لحمه على عظامه حتى هلك. وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس فإن أحدهما قام من الليل وهو مطمئن يشرب من جرة فلم يزل يشرب حتى ينفتق بطنه فمات. وأما الآخر فلدغته حية فمات. فمعنى الآية: إنا كفيناك يا محمد الساخرين منك الجاعلين مع الله إلهاً آخر [سبحانه وتعالى]، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ما يلقون من عذاب الله عند مصيرهم إليه يوم القيامة. وقال عكرمة: المستهزؤون قوم من المشركين كانوا يقولون سورة البقرة سورة العنكبوت يستهزئون بأسماء السور. وروى ابن وهب: عن زيد بن أسلم أن وهب الذماري قال: إن نبياً من الأنبياء حدث قومه بحوت ينزله أهل الجنة فاستهزأ به رجل من قومه. فقال النبي [ﷺ] اذهب فأريكه. فذهب حتى إذا جاء البحر جاز حوت مثل البيت قال: هو ذا يا نبي الله؟ فقال: لا، ثم جاز حوت مثل الجبل. فقال: هو ذا يا نبي الله؟ قال: لا، ثم جاز حوت مثل القصر. قال: هو ذا يا نبي الله؟ قال لا. ثم جاز حوت مر صدره ضحى، ولم يمر آخره إلى العصر، فقال: هو ذا يا نبي الله؟ فقال: كيف ترى؟ فقال: والله إن في هذا لمأكلاً ومشرباً. قال: فوالذي نفسي بيده إنه ليتغذى كل يوم طلعت فيه الشمس بسبعين ألف حوت كلهم مثل هذا الحوت، فصعق الرجل فمات وذكر عند مروان بن الحكم [هذا الحديث] فقال: لقد ذكر لي أن هذا الحوت قد أحاط بالسماوات السبع ومن تحت العرش. وعن ابن عباس: أنهم هلكوا في ليلة واحدة كل رجل منهم يميته سوى ميتة صاحبه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.