الباحث القرآني

قوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾. المعنى عند مجاهد: وإذا رفعنا آية وأنزلنا أخرى. وعنه [أيضاً]: وإذا رفعنا آية فنسخناها وأثبتنا غيرها. وقال قتادة وهو قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وقيل معناه: وإذا بدلنا حكم آية بحكم آية أخرى ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ مما هو أصلح لخلقه. قال المشركون لك يا محمد ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ أي: متخرص الكذب على الله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة ذلك لجهالتهم. * * * ثم قال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: قل لهم يا محمد: نزَّل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه جبريل [ﷺ] من عند الله ﴿بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: ليقوي إيمانهم ويتضاعف تصديقهم إذا آمنوا بناسخه ومنسوخه. ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وبشرى للذين استسلموا لأمر الله [عز وجل] ونهيه وما أنزله في كتابه. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾. أي: ولقد نعلم يا محمد أن هؤلاء المشركين يقولون جهلاً منهم إنما يعلم محمداً هذا الذي يتلو علينا بشر من بني آدم وما هو من عند الله. فقال الله مكذباً لهم: ﴿لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾. أي لسان الذي يميلون إليه أنه يعلم محمداً [ﷺ] أعجمي ﴿وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ لأنهم زعموا أن الذي يعلم محمداً عبد رومي. قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يعلم فتى بمكة، وكان اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان فلما رأى المشركون النبي ﷺ، يدخل عليه ويخرج، قالوا [له] إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله [عز وجل] الآية. وقيل: كان اسمه يعيش، [قال عكرمة: كان النبي عليه السلام يقرئ غلاماً لبني المغيرة اسمه يعيش] أعجمياً، فقال المشركون إنه يعلم محمداً. وقيل: هو [عبد] لبني الحضرمي يقال له يعيش. وقيل: كان اسمه جبراً. كان رسول الله ﷺ كثيراً ما يجلس عنده عند المروة. فقال المشركون هو يعلم محمداً [ﷺ] ما يتلو علينا، وكان جبر أَعجمي اللسان، فاحتج الله عليهم أنه أعجمي وأن القرآن عربي والعجمي، لا يعلم العربي. وقيل: كانا غلامين اسم أحدهما جبر، والآخر يسار يقرآن التوراة وكان النبي ﷺ يجلس إليهما. فقال كفار قريش إنما يجلس إليهما يتعلم منهما. وقال الضحاك: هو سلمان الفارسي. وروي أن الذي قال هذا رجل كاتب لرسول الله ﷺ ارتد عن الإسلام وكان يملي عليه النبي ﷺ: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أو ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أو غير ذلك من خواتم الآي، ويشتغل النبي عليه السلام فيبدل هو في موضع سميع عليم وعزيز حكيم ويقوله للنبي ﷺ، فيقول له النبي عليه السلام، أي ذلك كتبت فهو كذلك ففتنه ذلك. وقال [إن] محمداً يكل ذلك إلي وأكتب ما شئت فارتد. وقال للمشركين أنا أفطن الناس بمحمد والله ما يعلمه إلا عبد بني فلان. فنزلت الآية في كذبه لهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: إن الذين يجحدون بآيات الله لا يوفقهم الله لإصابة الحق ولهم في الآخرة عذاب مؤلم. ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: الذين يجحدون آياته، ويفتري بمعنى يتخرص. وقال بعض أهل المعاني إنما أعاد الكاذبين، و [قد] تقدم الإخبار عنهم بالكذب لأن الثاني صفة، والصفة ألزم من الخبر، لأن من نعت بصفة فهي لازمة له، ومن أخبر عنه بخبر فقد يحول عنه. فأعاد ذكر الكذب لأنه ألزم في أكثر الأحوال من الخبر. وهذا الذي قال إنما يلزم إذا كانت الصفة صفة ذات فهي لا تتغير كالأحمر والأسود. ويتغير الخبر بالأفعال. وإذا كانت الصفة صفة فعل فهي تتغير أيضاً كتغيير الخبر بالفعل. والصفة في هذه صفة فعل لا صفة ذات، فلا يلزم قوله، ولا يستقيم، ولكن أعيد ذكر الكذب عنهم للتأكيد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.