الباحث القرآني

قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. المعنى: والذين فارقوا دورهم وأوطانهم عداوة للمشركين في الله [عز وجل] من بعد ما ظلمهم المشركون وأوذوا في ذات الله [سبحانه]. * * * ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾. أي: لنسكنهم في الدنيا مسكناً صالحاً يرضونه. وهم أصحاب النبي ﷺ. ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بالحبشة ثم بوأهم الله [عز وجل] المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين، قال ذلك قتادة وابن عباس. وقال الضحاك: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ هو النصر والفتح. ﴿وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ الجنة. فالآية: فيمن هاجر من المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة. ليست الهجرة في هذا الموضع: الهجرة إلى المدينة، لأن هذا أنزل بمكة إلى أرض الحبشة. قال الشعبي: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا [حَسَنَةً]﴾ المدينة، وقال ابن [أبي] نجيح: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: لنرزقهم في الدنيا رزقاً حسناً. وكان عمر رضي الله عنه إذا أعطى لرجل من المهاجرين عطاء يقول: بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله [عز وجل] في الدنيا، وما أخّر لك في الآخرة أفضل ثم يتلوه هذه الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ﴾. وقال الضحاك: الحسنة: النصر والفتح. وقال مجاهد: الحسنة: هنا لسان صدق. ومعنى بوأت فلاناً منزلاً: أحللته فيه. ومنه قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]. وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾. أي: ولثواب الآخرة على الهجرة، أكبر من ثواب الدنيا. وقيل: الحسنة هنا، كونهم مؤمنين وسماعهم ثناء الله [عز وجل] عليهم. وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين عذبهم المشركون على إيمانهم وأخذوا أموالهم، منهم: صهيب وبلال. وذلك أن صهيباً قال للمشركين: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرَّ بكم. فخذوا مالي ودعوني. فأعطاهم ماله وهاجر إلى النبي عليه السلام. فقال له أبو بكر: ربح البيع يا صهيب. وقال عمر [رضي الله عنه]: نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. أي: لو أمن عذاب الله [سبحانه] لما ترك الطاعة ولا جنح إلى المعصية. ثم بيَّن الله هؤلاء القوم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ في الله على ما نالهم في الدنيا من الكفار. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: به يثقون في أمورهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾. وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم بالدعاء إلى توحيد الله وقبول أمر الله [سبحانه] إلا رجالاً من بني آدم وليسوا بملائكة، ولم يرسل إلى قومك إلا مثل من أرسل إلى من كان قبلكم من الأمم. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾. أي: فاسألوا يا قريش أهل الذكر: يعني الذين قرؤوا التوراة والإنجيل. قال الأعمش: هم من آمن من أهل التوراة والإنجيل. أي فاسألوهم فيخبرونكم أن الرسل التي تقدمت إلى الأمم أنهم كانوا رجالاً من بني آدم. وقال ابن عباس: فاسألوهم هل ذكر محمد [ﷺ] في التوراة والإنجيل. يعني: سألوا من آمن من قبلهم عن ذلك. وقال ابن زيد: أهل الذكر أهل القرآن. يعني: من آمن بمحمد [ﷺ] وبما جاء به. وقال أبو إسحاق: معناه: فاسألوا كل من يذكر بعلم، وافق هذه الملة أو خالفها. قال ابن عباس: لما بعث الله محمداً عليه السلام رسولاً، أنكرت العرب ذلك. وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً. فأنزل الله [عز وجل] ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ [يونس: ٢] الآية، وأنزل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾. ثم قال [تعالى] ﴿بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ﴾. أي: بالدلالة الواضحة، والزبر الكتب. جمع زبور. مأخوذ من زبرت الكتاب إذا كتبته. الباء من ﴿بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ متعلقة بفعل مضمر. التقدير: أرسلناهم بالبينات ودل "أرسلنا" الأول على هذا المحذوف. وقال قوم: الباء متعلقة بأرسلنا المذكور. وأجازوا تقدم الإيجاب على أن تكون "إلا" بمعنى: "غير". فأجازوا: ما ضرب إلا أخوك عمراً، وما كلم إلا أبوك بكراً، على معنى: "غير"، وعلى ذلك أنشدوا: ؎ ابني لُبَيْنَى لَسْتُم بيد ∗∗∗ إلا يد ليست لها عضد أنشدوه بخفض يد بعد "إلا" على معنى "غير يد". ولا يحسن أن تكون "إلا" هنا بغير معنى: "غير" لأنه يفسد الكلام، إذ الذي خفض اليد قبل "إلا" لا يمكن إعادته بعد "إلا"، ومنه قول الله [عز وجل]:﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ [لَفَسَدَتَا]﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: غير الله. ومن لا يجيز هذا، ينشد البيت بالنصب "إلا يدا" على البدل من موضع بيد. ويجوز عندهم: ما ضرب إلا أخوك عمراً على كلامين كأنه قال ضرب عمر[و]. * * * ثم قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ﴾ [أي القرآن] ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ أي لتعرفهم: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، من ذلك يعني. من الفرائض والأحكام والحدود ﴿[وَ]لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: يطيعون، قاله مجاهد. وقيل معنى ذلك: لعلهم يعتبرون [مـ]ـا أنزلناه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.