الباحث القرآني

قوله: ﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. والمعنى أفأمن الذين ظلموا المؤمنين من أصحاب النبي عليه السلام، وقالوا في القرآن: هو أساطير الأولين ﴿أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ﴾ كما فعل بقوم لوط، أو يأتيهم العذاب من حيث يأمنوا كما أتى نمرود بن كنعان وقومه. * * * ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾. أي أو يهلكهم في تصرفهم في البلاد في أسفارهم، قاله: ابن عباس وقتادة. وقال ابن جريج: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ بالليل والنهار. * * * ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾. أي: أو يهلكهم الله بتخوف. وذلك نقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم. وقال الزجاج معناه: أو يأخدهم بعد أن يخوفهم بأن يهلك قرية فتخاف التي تليها. وقال الضحاك: معناه أو أخذ طائفة وادع طائفة فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال ابن عباس ومجاهد ﴿عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ على تنقص. أي ينقص من أموالهم وزروعهم حتى يهلكهم. وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية فقال: ما التخوف؟ فأقام بذلك أياماً، فأتاه غلام من أعراب قيس فقال: يا أمير المؤمنين أراني يتخوفني مالي. فقال له عمر: كيف يتخوفك مالك؟ فقال ينتقصني مالي. فقال عمر ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ على تنقص. وقيل معنى: ﴿عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ أي: يأخذهم بالهلاك فيخوف بهم غيرهم ليتعظوا، وهو قول الضحاك. وقال الليث: ﴿عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ على عجل. ويروى عن عمر [رضي الله عنه] أنه [قال] ما كنت أدري ما معنى ﴿عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ حتى سمعت قول الشاعر: ؎ تَخَوَّفَ السَّيْرُ مِنْهَا تَامِكاً قَرِداً ∗∗∗ كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفِنُ يصف ناقته أن السير نقص سنامها بعد تمكنه. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. أي: رؤوف أن آخر هؤلاء الذين مكروا السيئات فلم يعجل لهم بالعقوبة، رحيم بعباده، إذ لم يعجل عقوبتهم، وجعل لهم فسحة في التوبة. * * * ثم قال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآية: أي: أولم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسم قائم شجراً أو جبالاً أو غير ذلك ﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ﴾ أي: يرجع من موضع إلى موضع [و] يكون في أول النهار على حال، ثم يعود إلى حال آخر في آخر النهار. قال قتادة: أما اليمين فأول النهار، والشمال: آخر النهار. وقال ابن جريج: اليمين والشمال الغدو والآصال، فإذا فاءت الظلال سجدت لله بالغدو والآصال. قال الضحاك: سجد ظل المؤمن طوعاً. وقال الضحاك إذا فاء الفيء توجه كل شيء ساجداً قبل القبلة من نبت أو شجر، قال مجاهد إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله [عز وجل]. وعن مجاهد: أن السجود في هذا الموضع سجود الظلال دون التي لها الظلال. وعن ابن عباس أنه قال: الكافر يسجد لغير الله [سبحانه] وظله يسجد لله [عز وجل]. أي ينقاد دليلاً على ما دبره الله [عز وجل] عليه. فتحقيق المعنى في هذه الآية: أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب. يقال سجدت النخلة إذا مالت. وسجد البعير، وأسجد، إذا طؤطئ ليركب. ومن هذا قيل لمن وضع جبهته في الأرض ساجد، لأنه تطامن. وقد يستعار السجود في موضع الاستسلام والطاعة والذل، كما يستعار التطامن والتطأطأ فيوضعان موضع الخضوع والانقياد فيقال: تطامن للحق وتطأطأ أي: انقاد وخضع. فأما قوله: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾ فوحّد ﴿وَٱلْشَّمَآئِلِ﴾ فجمع: فإن "اليمين" وإن كان موحداً، فإنه في موضع جمع ومعناه. وقيل: إنه رد "اليمين" على لفظ "ما" ورد "الشمائل" على المعنى، كما قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] فرد على المعنى، ثم قال ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ [إِلَيْكَ]﴾ [يونس: ٤٣] فرده على اللفظ. وهذا كثير. وقال الزجاج: معنى "ظله" ها هنا جسمه الذي يكون له الظل. فالمعنى: أن جسمه ولحمه وعظامه منقادات لله [عز وجل] دالة عليه، عليها الخضوع والذل. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾. المعنى: ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دابة ومن الملائكة. إلا أنه حمل "والملائكة" من الاعراب على "ما" لأنها ساجدة. ومعناها تخضع وتذل وتستسلم لأمر الله ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي لا يستكبرون عن التذلل [لله عز وجل]. ودخلت "من" لأن معنى "دابة" الجمع، أي: من الدواب. وقيل دخلت لما في "ما" من الإبهام فأشبهت الشرط. والشرط تدخل "من" فيه تقول: من ضربك من رجل فاضربه. * * * ثم قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ﴾. أي يخاف هؤلاء الملائكة التي في السماوات والأرض والدواب ربهم أن يعذبهم إن عصوا أمره. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: يطيعونه فيما أمرهم به. قال أبو إسحاق: معناه يخافون ربهم خوف مطيعين مجلين له، لا يجاوزون أمره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.