الباحث القرآني

قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ [نَصِيباً]﴾ إلى قوله ﴿وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾. المعنى: ويجعل هؤلاء المشركون لما لا يعلمون، أنه لا يضرهم ولا ينفعهم نصيباً مما رزقهم الله، يعني: لأوثانهم. قال قتادة: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم نصيباً وجزءاً مما رزقهم الله من أموالهم. وقيل: يعلمون الآلهة التي كانوا يعبدونها، وهي "ما" فيعلمون ردها على معنى "ما". وأتى بالواو والنون لأنهم كانوا قد أجروها مجرى من يعقل في جعلهم لها نصيباً من [مـ[ـزروعهم. فمفعول "يعلم" محذوف. تقديره: ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئاً نصيباً. وعلى القول الأول "يعلمون" للكفار. وفيه ضميرهم، أي: هؤلاء الكفار يجعلون نصيباً للأصنام التي يعلم الكفار أنها لا تنفع ولا تضر. ومثله في الأخبار عن الأصنام بالواو والنون قوله: ﴿وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] فالنظر للأصنام. وقيل للكفار وقد تقدم شرحه. وقال ابن زيد: جعلوا لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام يسمون عليها [أ]سماءها ويذبحون عليها. وهو قوله تعالى في الأنعام عنهم: ﴿هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. * * * ثم قال تعالى: ﴿تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾. أي: والله يا أيها المشركون لتسئلن يوم القيامة عما كنتم تختلقون في الدنيا علي من الكذب فتعاقبون على ذلك. قال الزجاج: معناه لتسئلن سؤال توبيخ حتى تعترفوا به على أنفسكم وتلزموها الحجة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ أي: ومن جهل هؤلاء المشركين، وافترائهم على ربهم [سبحانه] أنهم يجعلون له البنات ولا ينبغي أن يكون له ولد لا ذكر ولا أنثى ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيهاً له عما يقولون. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾. أي: أضافوا إليه ما يكرهون، فما كفاهم ما أضافوه إليه من الولد حتى جعلوا له ما لا يرضونه لأنفسهم وما يقتلونه إذا أتاهم، فأضافوا إليه ما يكرهون لأنفسهم وهن البنات، وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون وهم البنون. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾. أي: وإذا بشر أحد هؤلاء المشركين بولادة ما قد أضافه إلى الله [سبحانه] ظل وجهه مسوداً كراهية لذلك ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: قد كظمه الحزن وامتلأ غماً بولادتها وهو لا يظهر ذلك. والكظيم الذي يخفي غيظه ولا يشكو ما به، وهو فعيل بمعنى فاعل، كعليم. قيل الذي حسب في نفسه وعظمه هو ما فسره بعد ذلك من قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ﴾ فهذا عظم في نفسه. وقيل معنى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ أي: ظل كئيباً مغموماً بذلك. والعرب تقول لكل مغموم قد تغير لونه من الغم، واسودّ وجهه: كظيم. وقال قتادة أخبرهم الله [عز وجل] بخبيث أعمالهم، فأما المؤمنون فراضون بما قسم الله [عز وجل] لهم. قال ابن عباس: الكظيم الحزين. وقال الضحاك: هو الكمد. * * * ثم قال تعالى: ﴿يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾. أي: يستتر هذا المبشر بالأنثى من القوم فيغيب عن أبصارهم من سوء ما بشر به عنده. رويَ أن [الـ]ـرجل كان في الجاهلية يتوارى إذا حضر وقت الولادة أو قبله فإن ولد له ذكر سر به وظهر، وإن كانت أنثى استتر وربما وأدها، أي دفنها حية، وربما أمسكها على كراهية وهوان. وهو قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ﴾. ثم قال [تعالى]: ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. أي: بئس الحكم حكمهم، يجعلون لله ما لا يرضون لأنفسهم، وما لا يجوز أن يكون له ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. والهون والهوان في لغة قريش. وبعض [بني] تميم يجعل الهون مصدراً للشيء الهين. وقرأ عاصم الجحدري "أم يدسها ورده على الأنثى. وكان يلزمه أن يقرأ: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾. وقرأ عيسى بن عمر "أيمسكها على هوان" وقرأ الأعمش: "أيمسكه على سوء". * * * ثم قال تعالى ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ﴾. والمعنى: للذين لا يصدقون بالآخرة المثل السوء، وهو القبيح، وهو ما يسوء من ضرب له. * * * ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾. [أي]: الأفضل والأكمل والأحسن وهو التوحيد. قال قتادة: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾ شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: [هو] الواحد الصمد الحليم الفرد العزيز الذي لم يلد ولم يولد. * * * ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾. أي: ذو العزة الذي لا يمتنع عليه معها عقوبة هؤلاء وغيرهم ممن يريد عقوبته على عصيانهم. ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره، فلا يدخل تدبير[ه] خلل ولا خطأ. وقيل هي كلمة الوحدانية وصفتها أحد، صمد، فرد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً، أحد. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾. أي: لو أخذ الله عصاة بني آدم لمعاصيهم، ما ترك على الأرض أحداً ممن [يدب] ﴿وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ﴾ أي: إلى وقتهم الذي كتب لهم ووقت. فإذا جاء ذلك الأجل الذي وقت لهلاكهم، لم يستأخروا عن الهلاك ساعة ولم يستقدموا ساعة قبله. قال بعضهم: كاد الجُعَل أن يعذب بذنب بني آدم وقرأ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ [ٱللَّهُ] ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ الآية. وسمع أبو هريرة رجلاً يقول: أن الظالم لا يضر إلا بنفسه. فالتفت إليه أبو هريرة فقال: بلى والله، إن الحبارى لتموت في وكرها هزالاً بظلم الظالم. وقال ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الجعل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب