الباحث القرآني

قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ إلى قوله ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. * * * قوله: ﴿أَلْسِنَتُهُمُ﴾ جمع لسان على لغة من ذكره. ويجمع إلى ألسن على لغة من أنثه. ولو سميت بالسن لم ينصرف في المعرفة خاصة للتعريف ولأنه على وزن الفعل إذا قلت: أنا أخرج وأنا أدخل، ولو سميت بالسنة لم تنصرف على كل حال. ومعنى الآية: ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهون لأنفسهم. وذلك جعلهم له البنات وهم يكرهونها ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي الجنة: أي: يكذبون فيدعون أن لهم الجنة. * * * ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ﴾. أي: وجب أن لهم النار، وقال مجاهد: ﴿أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ هو: قول كفار قريش لنا البنون ولله البنات. وقال قتادة: الحسنى هنا الغلمان. وقرأ بعض الشاميين "ألسنتُهم الكُذْب" بالرفع، جعله نعتاً للألسنة، وبناه على فُعُل جعله جمع كذوب "وأن" عند قطرب في موضع رفع بجرم لأنه بمعنى: وجب أن لهم. وعند غيره في موضع نصب بجرم لأنه بمعنى كسب، أي: كسب لهم ذلك أن لهم النار، وما بعدها رد لما قبلها، وقد تقدم ذكره ﴿لاَ جَرَمَ﴾ في سورة هود بأشيع من هذا. وقال ابن عباس ﴿لاَ جَرَمَ﴾ معناه: بلى أن لهم. وقيل: معناه: واجباً أن لهم. * * * وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾. من قرأ بفتح الراء، فمعناه عند الحسن: معجلون إلى النار. وقال ابن جبير، منسيون فيها، متركون فيها. قال مجاهد: منسيون. وفي الحديث "أنا فَرْطُكُم على الحوض" [أي] متقدمكم إليه حتى تردوا علي. وأفرطته أقدمته. وقال أبو عبيدة والكسائي معناه: متركون في النار. فأما من قرأ بكسر الراء فمعناه: مبالغون في الإساءة. يقال: أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه وبالغه في الشر. وقرا أبو جعفر "مفرِّطون"، بالتشديد وكسر الراء ومعناه: مضيعون ما ينفعهم في الآخرة. وتصديقه قوله: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. * * * ثم قال تعالى: ﴿تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: والله يا محمد لقد أرسلنا رسلاً من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك به إلى أمتك ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسنها لهم حتى كذبوا الرسل. * * * ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ﴾. أي: والشيطان وليهم، أي: ناصرهم اليوم في الدنيا. ولهم في الآخرة عذاب أليم. وقيل: إنه يقال لهم: هذا الذي أطعتموه فاسألوه حتى يخلصكم [تبكيتاً لهم و] تأنيباً وتوبيخاً لهم. فيكون قوله: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ﴾ إشارة إلى يوم القيامة. وهذا كله تعزية للنبي [ﷺ] وتصبير له إذا كذبه قومه، فأعلمه الله [عز وجل] أنه قد فعل ذلك بمن أرسل قبله فيتأسى النبي [ﷺ] بذلك ويزداد صبراً. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾. أي: وما أنزلنا عليكم الكتاب يا محمد وجعلناك رسولاً إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه من دين الله [عز وجل] فتعرفهم الصواب منه من الباطل والهدى والرحمة. فهدى ورحمة مفعولان من أجلهما. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾. أي: والله أنزل من السماء مطراً فأحيى به الأرض الميتة وهي التي لا نبات فيها وحياتها بكون النبات فيها. وهذا كله تنبيه من الله [عز وجل] لخلقه على صنعه ولطفه ونعمه وإلا لا يفعل ذلك غيره وأن من كان مفرداً باختراع هذه الأشياء لا تصلح العبادة إلا له لا إله إلا هو، وفيه إشارة على إحياء الموتى كما أحيى الأرض بعد موتها. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. أي: [إن] في أحياء الأرض بالنبات بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها لعلامة ودليلاً على توحيد الله [عز وجل]، وإحياء الموتى لقوم يسمعون هذا القول فيتدبرونه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.